مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

هل انتهى عصر الاستقرار النفطي؟

يدخل العالم في صدمة طاقة كبيرة، ترتفع فيها أسعار الطاقة والنقل والغذاء، وتزداد مخاطر الركود التضخمي في اقتصادات متعددة، ويُعاد ترتيب تحالفات الطاقة، وتُستدعى الاحتياطيات الاستراتيجية

مشاركة:
حجم الخط:

حين تُغلق الجغرافيا أسواق العالم

لم يكن النفط يومًا مجرد سلعة، لكنه لم يكن منذ عقود سلاحًا بهذا الوضوح، لأن عالم ما بعد 1991 عاش على فرضية شبه مطلقة: قد تتوتر المنطقة، قد تتبادل القوى الرسائل تحت السقف، لكن التدفق سيبقى- هرمز سيظل مفتوحًا “بأي ثمن”، والتأمين سيظل يجد طريقة، والأسواق ستتألم ثم تتكيف، إلى أن جاءت لحظة “أزمة الممرات” لتكسر القاعدة من جذورها: إعلان إيراني متداول عن الإغلاق والتهديد باستهداف الناقلات، تراجع حاد في العبور الفعلي، وتوترات تجعل شركات الشحن والتأمين تتصرف كأن الحرب وصلت إلى صميم الاقتصاد لا إلى هامشه، وفي الخلفية تاريخ طويل يقول إن كل مرة ظن فيها العالم أنه روّض النفط، اكتشف أن النفط لا يُروَّض بل يُدار- إلى أن تقرر الجغرافيا أن تفرض كلمتها.
أولًا: لماذا هرمز ليس “خبرًا” بل “معادلة عالمية”؟
السبب ليس عاطفيًا بل رقميًا: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) تقول إن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بلغت في 2024 نحو 20 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل تقريبًا 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، كما أن المضيق يُعد واحدًا من أهم “نقاط الاختناق” للطاقة عالميًا.
أما “الوكالة الدولية للطاقة” ففي ورقة حقائق حديثة عن هرمز تؤكد أن ما عبر المضيق في 2025 كان في المتوسط نحو 20 مليون برميل يوميًا من الخام والمنتجات، أي قرابة 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا، مع “بدائل محدودة” لتجاوز المضيق، ما يجعل أي تعطيل “ذو عواقب ضخمة” على الأسواق.
هذه ليست أرقامًا للاستهلاك الصحفي؛ هذه الأرقام تعني أن الأزمة ليست “ارتفاع سعر”، بل تهديد لميكانيكا الإمداد نفسها، لأن السوق يستطيع أن يتحمل صدمات سعرية قصيرة، لكنه يكره صدمات التدفق- الزمن الذي تصل فيه الشحنة، وتكلفة التأمين عليها، واحتمال عدم وصولها أصلًا.
ثانيًا: من التصريح إلى الواقع… “العبور” هو الحقيقة التي لا تكذب
قد تختلف الروايات السياسية حول معنى “الإغلاق”، لكن لدينا مؤشرًا بالغ القوة: وول ستريت جورنال نقلت عن بيانات Lloyd’s List Intelligence أن عدد ناقلات النفط وناقلات الغاز التي عبرت هرمز هبط إلى 8 سفن يوم السبت (7 ناقلات + ناقلة غاز) مقارنة بـ 56 سفينة يوم الجمعة.
هذا الهبوط ليس تفصيلًا؛ إنه يشرح كيف تتحول الحرب إلى تضخم عالمي من بوابة واحدة: حين ينخفض العبور، يطول وقت التسليم، ترتفع علاوات المخاطر، وتتغير أسعار العقود الفورية، ثم ينتقل الأثر إلى النقل والتصنيع والغذاء—أي إلى حياة الناس.

ثالثًا: التأمين… “زر التشغيل” الذي إذا تعطّل توقفت التجارة قبل السفن
الحروب البحرية لا تُحسم فقط بالصواريخ، بل بالوثائق: وثيقة التأمين التي تسمح للسفينة بالتحرك. وفي أزمات الملاحة عادةً لا تحتاج الأسواق إلى إعلان “لا نؤمن” بصورة مطلقة كي تتوقف؛ يكفي أن ترتفع أقساط مخاطر الحرب أو تتشدد الشروط إلى درجة تجعل الرحلة غير اقتصادية. هذا ما رأيناه في أزمة البحر الأحمر أواخر 2023 عندما ارتفعت معدلات أجور ناقلات المنتجات النظيفة على المسارات التي تمر عبر باب المندب/السويس، مع انتقال تكاليف مخاطر التأمين إلى أسعار الشحن؛ EIA أشارت إلى أن متوسط الزيادة على عدة مسارات بلغ 20% في ديسمبر 2023 مقارنة ب نوفمبر وفق بيانات Argus Freight.
الدرس هنا: قبل أن تُغلق الجغرافيا فعليًا، قد تُغلقها شركات التأمين اقتصاديًا، فتتحول الحرب إلى “صدمة شحن” و”صدمة أسعار” حتى مع بقاء البحر نظريًا قابلًا للعبور.
رابعًا: أين تقف أوبك في هذا المشهد؟ وما معنى “الطاقة الفائضة” حين تتعطل الممرات؟
هنا يحدث خلط شائع: يقال إن أوبك تستطيع “تعويض” أي نقص. هذا صحيح جزئيًا وخاطئ جذريًا في سيناريو الممرات.
أوبك+ بالفعل أدارت السوق في السنوات الأخيرة عبر تخفيضات طوعية كبيرة؛ بيان رسمي من أوبك يشير إلى “تخفيضات طوعية” مجموعها 2.2 مليون برميل يوميًا كانت مقررة للعودة التدريجية بداية 2025 وفق ظروف السوق.
لكن النقطة الحاسمة: حتى لو وُجد فائض إنتاج، لا قيمة له إذا تعطل طريق الخروج إلى السوق. الطاقة الفائضة تعالج “نقص الإنتاج”، لكنها لا تعالج “انسداد الشحن”، لأن المشكلة تصبح لوجستية/تأمينية قبل أن تكون إنتاجية. لذلك فإن أزمة هرمز- بمنطق الاقتصاد- قد تكون أشد من أزمات تقليدية خُففت عبر زيادة إنتاج سعودي أو إماراتي؛ لأن الزيادة نفسها تحتاج ممرًا آمنًا وتأمينًا قابلًا للتسعير.
خامسًا: التاريخ يُعلّمنا

النفط “يُصدم” بأسباب مختلفة، لكن الأخطر حين تكون الصدمة سياسية–ممرية , إذا أردنا فهم لحظة اليوم بعمق، يجب ألا نبدأ من اليوم، بل من “سلسلة صدمات” شكّلت وعي السوق:
1) صدمة 1973–1974: حين قررت السياسة تسعير العالم
الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يوثق أن التخفيضات والإجراءات المرتبطة بحظر 1973 أدت إلى مضاعفة السعر قرابة أربع مرات من 2.90 دولار قبل الحظر إلى 11.65 دولارًا في يناير 1974.
هنا تعلّم العالم أن النفط يمكن أن يكون سلاحًا سياسيًا “مباشرًا”.
2) صدمة 1978–1979: إيران والاحتياط النفسي
الاحتياطي الفيدرالي يوثق أن أسعار النفط أكثر من تضاعفت بين أبريل 1979 وأبريل 1980.
 الدرس: ليس النقص وحده ما يرفع السعر؛ بل “الطلب الاحترازي” والخوف من القادم.
3) صدمة 1990: حرب الخليج وارتفاع السعر بسرعة
وفق ملخصات تاريخية، قفز متوسط السعر الشهري من نحو 17 دولارًا في يوليو إلى 36 دولارًا في أكتوبر 1990.
 الدرس: الحرب في منطقة الإنتاج تُسعر فورًا- لكن بقيت الممرات تعمل نسبيًا.
4) صدمة بقيق 2019: ضربة واحدة تُخرج 5.7 مليون برميل/يوم
الهجوم على بقيق/خريص أدى إلى اضطراب صادرات أرامكو بنحو 5.7 مليون برميل يوميًا وفق تقديرات متداولة في مصادر عديدة.
 الدرس: “البنية التحتية” هدف، لكن التعافي يمكن أن يكون سريعًا إذا بقيت خطوط الشحن والتمويل تعمل.
5) أزمة الغاز الروسي–الأوروبي 2022: الطاقة كسلاح… والسعر كعقوبة متبادلة
في أزمة 2022، تراجعت تدفقات نورد ستريم بصورة كبيرة في يونيو، ثم توقفت تمامًا خلال فترة صيانة في يوليو وفق تحليل Oxford Institute for Energy Studies.
 الدرس: حين تُستخدم الطاقة كسلاح، تتغير خرائط الاعتماد بسرعة، ويقفز الطلب على LNG عالميًا، وتتسع المنافسة وترتفع التكاليف على دول أقل قدرة.
الخلاصة التاريخية: كل صدمة سابقة كانت خطيرة، لكن “أزمة الممرات” أخطر لأنها تضرب نقطة اختناق لا منشأة واحدة ولا عقدًا واحدًا.
سادسًا: ما الذي يجعل “أزمة الممرات” مختلفة جذريًا عن كل ما سبق
لأنها تجمع ثلاثة عناصر في وقت واحد:
 تهديد التدفق (ناقلات لا تعبر)
 تعطل تسعير المخاطر (التأمين يختنق أو يصبح باهظًا)
 محدودية البدائل (بدائل تجاوز هرمز محدودة وفق IEA)
وعندما تجتمع هذه العناصر، لا يعود السؤال: “كم سيرتفع النفط؟” بل: “هل سيصل أصلًا وبأي كلفة زمنية ومالية؟” وهنا تظهر صدمات سلاسل الإمداد، وتدخل كل الصناعات في دوامة إعادة تسعير.
سابعًا: ماذا لو طال أمد الأزمة؟ ثلاثة سيناريوهات اقتصادية “واقعية” بدل التنجيم
السيناريو (أ): تعطيل جزئي طويل (عبور منخفض لكن ليس صفرًا)
في هذا السيناريو، يعيش العالم على علاوة مخاطر دائمة، وتبقى الأسعار أعلى من خط الأساس، وتنتقل الزيادة إلى الشحن والتأمين والتضخم، وتصبح قرارات البنوك المركزية أصعب لأن التضخم الطاقوي يمنع تخفيف الفائدة بسهولة، بينما تتضرر الدول المستوردة (خصوصًا في المنطقة) من ارتفاع الفاتورة.
السيناريو (ب): تعطيل متقطع (فتح/غلق/حوادث)
هذا السيناريو قد يكون الأكثر إرهاقًا للشركات والحكومات، لأنه يمنع التخطيط، ويحول التوريد إلى “مغامرة يومية”، فيرتفع سعر المخاطرة أكثر، وتتكدس السفن خارج المضيق، وتصبح الموانئ والعقود الفورية رهينة الخبر الأمني.
السيناريو (ج): شلل واسع/قريب من الإغلاق لفترة ممتدة
هنا يدخل العالم في صدمة طاقة كبيرة، ترتفع فيها أسعار الطاقة والنقل والغذاء، وتزداد مخاطر الركود التضخمي في اقتصادات متعددة، ويُعاد ترتيب تحالفات الطاقة، وتُستدعى الاحتياطيات الاستراتيجية (كما فعلت دول IEA في 2022 بإطلاق عشرات الملايين من البراميل) —لكن حتى الاحتياطيات لا تعالج شلل الممرات إذا بقي الخطر قائمًا.
خاتمة: نعم “عصر الاستقرار” يتصدع، لأن الاستقرار كان اتفاقًا غير مكتوب
إذا كانت صدمات 1973 و1979 و1990 و2019 و2022 قد علمتنا أن النفط يتجمد حين تتجمد السياسة، فإن أزمة هرمز اليوم تضيف درسًا أخطر: الاقتصاد العالمي قد يصبح رهينة “الممر” لا “البرميل”، وأن أوبك قد تملك براميل إضافية، لكن العالم يحتاج قبل ذلك طريقًا آمنًا وتأمينًا قابلًا للتسعير كي تتحول البراميل إلى طاقة في المصانع والبيوت، ومع كل يوم يمرّ في أزمة الممرات يتغير سلوك المستثمرين والحكومات، ويقترب العالم من مرحلة تصبح فيها الطاقة ليست فقط موردًا اقتصاديًا، بل عنصرًا دائمًا في هندسة الأمن والسياسة والنمو.

شارك المقال: