آراء و تحليلات

ملف تحليلي: ليبيا بين الدولة والفراغ (6)

طرابلس… حين صار الموت عنوانًا رسميًا بقلم د. محمد فؤاد في مساء 4 أبريل 2019، كانت طرابلس تستعد لليلةٍ عادية على قدر ما تسمح به الفوضى الليبية، حين خرج الصوت…

مشاركة:
حجم الخط:

طرابلس… حين صار الموت عنوانًا رسميًا
بقلم د. محمد فؤاد

في مساء 4 أبريل 2019، كانت طرابلس تستعد لليلةٍ عادية على قدر ما تسمح به الفوضى الليبية، حين خرج الصوت الذي بدّل كل شيء خليفة حفتر أعلن زحفه نحو العاصمة، في تسجيلٍ صوتي انتشر سريعًا، كانت العبارة مباشرة وصادمة في بساطتها: “Tripoli we are coming”—طرابلس نحن قادمون.
في التوقيت نفسه تقريبًا، كان أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، على الأرض في طرابلس، في زيارة وُصفت بأنها “زيارة تضامن مع الليبيين”؛ ليقول إن الليبيين “عانوا بما يكفي” ويستحقون “بلدًا طبيعيًا” بمؤسسات طبيعية وأمن وازدهار.
كان المشهد أقرب إلى مفارقةٍ قاسية: رئيس الأمم المتحدة في المدينة،والمدينة تُفتح عليها أبواب الحرب،لم تكن طرابلس في ذلك اليوم “جبهة” فقط كانت بيتًا كبيرًا يضم أحياءً وأسواقًا ومدارس ومستشفيات، وفوق ذلك ذاكرةً تحاول أن تقنع نفسها أنها نجت من حرب بنغازي ودمار سرت، لكن الحرب حين قررت الدخول لم تطلب إذنًا من أحد.

أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة 2019 في ليبيا

تحرير العاصمة وبركان الغضب

أطلق حفتر على هجومه اسم “عملية طوفان الكرامة”  وقدّمها بوصفها خطوة لإنهاء “الفوضى” و“الإرهاب” وفرض الدولة بالقوة.
وفي المقابل، لم تنتظر حكومة الوفاق طويلًا لتسمية ردّها “عملية بركان الغضب/الرَّجَة” للدفاع عن العاصمة وطرد القوات المهاجمة.
هنا بدأ الانقسام يأخذ شكلًا أكثر حدة: حفتر يقول “معركة الدولة” وطرابلس تسمّيها “محاولة انقلاب”  بل إن غسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة وقتها قال: إن ما فعله حفتر “بدا مثل انقلاب” أو “يشبه الانقلاب” .. أما فايز السراج فذهب أبعد في لغة المعركة النفسية، متهمًا حفتر بـ“الخيانة” ومتعهدًا بأن قواته ستواجه زحف الشرق , لكن ما بين “التحرير” و“الانقلاب”، كان هناك شيء ثالث لا يظهر في البيانات: أصوات المدنيين.

خليفة حفتر

طرابلس تُقصف… والناس يتعلمون لغة الخوف

في الأيام الأولى، كان الرهان على “حسم سريع” تقدمت قوات حفتر نحو الأطراف الجنوبية، وتحوّلت مناطق مثل عين زارة، وادي الربيع، صلاح الدين إلى أسماء تتكرر في نشرات الموت.

ثم بدأت الحرب تتبدّل: من مناوشات إلى قصف متبادل، ثم إلى حرب جوّية ومسيرات. صحيفة الغارديان تحدثت عن تصعيد بالغ الخطورة في الغارات على طرابلس، مع اتهامات بوجود دعم خارجي في الضربات الجوية – بما في ذلك حديث عن دور إماراتي في تشغيل مسيرات.

وفي قلب هذا كله، كانت طرابلس تُكتَب من جديد بمداد الخسارة: مطار يتعطل، أحياء تُفرغ، عائلات تُنزح، ومقابر تستقبل أسماءً بلا وداع.


الأمم المتحدة رصدت أن المعركة لم تكن “قتالًا بين مسلحين” فقط، بل أزمة إنسانية تتسع: وفق أرقام منسوبة للأمم المتحدة في سياق تتبع المعركة، قُتل أكثر من 280 مدنيًا ومعهم نحو 2000 مقاتل، ونزح قرابة 146 ألف.
وفي ذروة القصف خلال 2020، وثقت بعثة الأمم المتحدة ارتفاعًا حادًا في إصابات المدنيين: ففي الربع الثاني من 2020 وحده سُجلت 358 إصابة مدنية (106 قتلى و252 جريحًا) , ومن جهة الإغاثة، نقلت تقارير أممية عن بداية 2020 أن القتال يضرب المدنيين والبنية التحتية، وأنه خلال الربع الأول سُجلت 131 إصابة مدنية.
هذه ليست أرقامًا فقط، هذه هي حياة ناس انكسرت، طفلٌ ينسى المدرسة، وأمٌّ تحفظ طريق الملجأ، ورجلٌ يبيع ما تبقى ليؤمّن إيجار بيتٍ بعيد عن القذائف.

انتهاكات حقوق الإنسان

الحرب حين تُفلت من أي قانون، ومع طول أمد المعركة، بدأت الحكاية الأكثر ظلمة، الانتهاكات. هيومن رايتس ووتش وثّقت غارة نُسبت لقوات حفتر (الجيش الوطني الليبي/الـLNA) على منزل سكني في طرابلس في أكتوبر 2019، قُتلت فيها ثلاث فتيات وأصيبت أمهُن وأخت أخرى، ووصفتها بأنها “انتهاك محتمل لقوانين الحرب” يستدعي تحقيقًا ومحاسبة.

ومنظمة العفو الدولية ذهبت إلى خطوط التماس نفسها، وقالت إنها فحصت 33 موقع ضربات، وتحدثت عن استخدام أسلحة غير دقيقة في مناطق مأهولة، واعتبرت أن هناك أدلة على انتهاكات قد ترقى لجرائم حرب من الطرفين، مع الإشارة إلى دور خروقات حظر السلاح في تغذية النزاع.
وفي الخلفية، تُقر تقارير دولية رسمية بأن الانتهاكات لم تكن استثناء: تقرير حقوق الإنسان لوزارة الخارجية الأمريكية عن ليبيا (2019) وصف طيفًا واسعًا من الانتهاكات – قتل خارج القانون، اختفاء قسري، تعذيب، اعتقال تعسفي – من جماعات مسلحة على جانبي الصراع.
لكن أقسى ما تركته معركة طرابلس لم يظهر فورًا… بل ظهر بعد انسحاب القوات من بعض المناطق.

ترهونة… المقابر التي خرجت بعد انسحاب السلاح

حين تغيّر ميزان المعركة في 2020 وتراجع معسكر حفتر من مناطق في الغرب، بدأت “تَرهونة” تكشف عما كان يُخفى تحت التراب، تقارير أممية/حقوقية لاحقة وثّقت أن الانتهاكات في ترهونة بين أبريل 2019 ويونيو 2020 أصبحت “منهجية وواسعة النطاق”، وأن صور الأقمار الصناعية تُظهر أن كثيرًا من المقابر الجماعية التي اكتُشفت لاحقًا حُفرت خلال تلك الفترة.
وبحسب التقرير نفسه، جرى بحلول فبراير 2024 جمع وحفظ 262 جثمانًا من مقابر ترهونة، مع استمرار الاشتباه بوجود مواقع دفن أخرى .. المعنى الإنساني لهذا الرقم أن الحرب لم تكن جبهةً فقط – كانت آلة اختفاء-.

الوكلاء الإقليميون: حين صارت طرابلس ساحة “محاور”

مع مرور الشهور، لم يعد ممكنا قراءة المعركة كصراع داخلي في معسكر حفتر، تكررت الإشارة إلى دعم من مصر والإمارات وروسيا،ومعها حضور مرتزقة مثل “فاغنر” وفق تقارير أممية وإعلامية).

الغارديان تحدثت عن دعم إقليمي للهجوم وعن دور إماراتي مزعوم في مسيرات، مع إسناد سياسي من دول مثل مصر والسعودية  وعن “فاغنر”، تداولت تقارير تستند إلى وثائق أممية مسرّبة تقديرات بوجود مئات إلى نحو 1200 عنصر على الأرض لدعم حفتر.
وفي معسكر طرابلس، جاءت تركيا بقوة: اتفاقات أمنية ودعم عسكري غيّرا موازين السماء والأرض.

مع هذا التدويل، صار الليبيون يقاتلون بينما “خيوط” القرار تُشد من خارج البلاد، ثم اقتربت الحرب من أكثر نقطة حساسة في الإقليم حدود مصر الغربية.
بعد تراجع قوات حفتر من محيط طرابلس ووصول قوات حكومة الوفاق وحلفائها إلى تخوم سرت والجفرة، خرج عبد الفتاح السيسي في يونيو 2020 معلنًا أن سرت والجفرة “خط أحمر”، وأن مصر مستعدة لتدخل مباشر إذا تم تجاوزه – بل دعا القوات إلى الاستعداد “داخل الحدود أو خارجها إذا لزم الأمر”.
هنا، لم تعد الحرب على طرابلس حربًا على طرابلس فقط، بل صارت قابلة لأن تتحول إلى مواجهة إقليمية مباشرة، وهو ما أثار مخاوف من “حرب بالوكالة” قابلة للانفلات.

العالم يتكلم… ولا يوقف النار

في الأمم المتحدة، كانت اللغة قوية أحيانًا، لكنها متأخرة دائمًا خطوة عن المدافع،غوتيريش، الذي رأى الشرارة الأولى بعينيه في طرابلس، عاد لاحقًا ليحذّر مجلس الأمن من أن “التدخل الخارجي بلغ مستويات غير مسبوقة” وأن الوقت “ليس في صالح” أحد.
لكن المشكلة الكبرى كانت أن حظر السلاح نفسه كان يُخترق، كما أظهرت تقارير عن رصد انتهاكات من دول مختلفة بينها تركيا والإمارات والأردن.


أما الاتحاد الأوروبي، فاختصر موقفه في عبارة سياسية واضحة: “لا حل عسكري”.
في بيان رسمي باسم الاتحاد بتاريخ 11 أبريل 2019، قالت فيديريكا موغيريني إن “الهجوم العسكري على طرابلس” يعرض المدنيين للخطر ويعطل العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة وقد يفضي إلى عواقب خطيرة على ليبيا والمنطقة.
الجامعة العربية؟

في لحظة تصاعد المعارك، عبّر أمينها العام أحمد أبو الغيط عن “قلق بالغ” ورفض “التدخل العسكري” مؤكداً أن الحوار السياسي هو الطريق لإنهاء الأزمة.
وبقيت بيانات الجامعة -مثل غيرها- أقرب إلى محاولة إطفاء دخانٍ يتصاعد من حريقٍ لا يمسك أحد بخرطومه.
ثم جاءت مؤتمر برلين في يناير 2020 كمحاولة لتطويق الانفجار: اجتماع دولي واسع ضم الدول المؤثرة (منها مصر وتركيا وروسيا والإمارات ودول أوروبية والولايات المتحدة) تحت شعار دعم مسار أممي، واحترام حظر السلاح، ودفع مسار لجنة “5+5” العسكرية.
لكن برلين كان -في عين الليبي البسيط- مؤتمرًا جديدًا عن بلاده، لا مؤتمرًا يوقف موته.
النهاية التي لا تُشبه الانتصار


حين تراجعت قوات حفتر عن محيط العاصمة في 2020، لم تخرج طرابلس للاحتفال كما تفعل المدن عادة بعد النجاة، المدينة كانت منهكة، والناس كانوا يعرفون أن الحرب قد تتبدل جغرافيًا لكنها لا تنتهي سياسيًا، فالبلد الذي صار فيه السلاح “لغة تفاوض” لن يُنهيه إعلان وقف نار وحده خصوصًا إذا بقيت الانتهاكات بلا عدالة، وبقيت التدخلات بلا كلفة.
وهنا، وفي نهاية هذه الحلقة، لا يصلح الختام كحُكم… بل كأسئلة مفتوحة تُلزم القارئ أن يمشي معنا إلى الحلقة القادمة.
إذا كانت طرابلس قد صمدت، فهل صمدت الدولة فعلًا أم صمدت جبهات السلاح فقط؟
من الذي سيحاسَب على قصف المدنيين، وعلى المقابر التي ظهرت بعد انسحاب البنادق؟
هل كانت التدخلات الإقليمية “ضمانة توازن” أم السبب الحقيقي في إطالة الحرب وتوحّشها؟
وإذا كانت “سرت – الجفرة” قد صارت خطًا أحمر… فمن يرسم خطوط ليبيا أصلًا: الليبيون أم العواصم من حولهم؟
وهل يمكن لبلدٍ تكاثرت فيه الشرعيات والسجون والرايات، أن يستعيد سرديته الوطنية الواحدة؟
في الحلقة السابعة، نواصل تداعي الأحداث من لحظة “ما بعد حصار طرابلس”
كيف انتقلت الحرب إلى عقدة سرت والجفرة، وكيف وُلدت مرحلة جديدة من التوازن المسلّح، ولماذا بقيت ليبيا حتي – بعد وقف النار – تعيش على حافة جولة أخرى ؟

شارك المقال: