مقالات
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

مقامات الصوفية (21) مقام الشطح

في مسرحية "مأساة الحلاج"، لم يستحضر صلاح عبد الصبور شخصية الحلاج ليروي تاريخاً، بل ليجعل من "الشطح" موقفاً وجودياً وسياسياً

مشاركة:
حجم الخط:

انكسار المنطق ووحدة الوجدان

عتبة المقام

الشطح في لسان المتصوفة هو “الفيض” الذي لا يسعه الإناء، هو لحظة غليان الروح التي تطيح بأطر اللغة الصارمة. وحين ينتقل الشطح إلى مِحبرة الأدب الحديث، فإنه يتحول من “شطحة صوفية” إلى “ثورة جمالية”. الكاتب الشاطح هو الذي يدرك أن الحقيقة أحياناً لا تقبل الاستقامة، وأن الطريق الأقصر لوصف “اللامحدود” هو “كسر” اللغة المحدودة.

​أولاً: اللغة بين “الصحو” و”السكر”

في الأدب، ثمة كتابة “صاحية” تلتزم بقواعد النحو والمنطق السردي، وثمة كتابة “ساكرة” (بالمفهوم الرمزي) تتجاوز الترتيب الزمني والمكاني.

نجد هذا “الشطح السردي” بوضوح في “أصداء السيرة الذاتية” لـ نجيب محفوظ. تلك المقاطع القصيرة والمكثفة التي تشبه الرؤى، حيث تذوب المسافة بين الحلم والواقع، وتصبح الجملة شطحةً فلسفية تضرب في عمق الكينونة.

محفوظ هنا لا يحكي قصة، بل “يشطح” حكمةً، مكسراً بها هيكل الرواية التقليدي لصالح “وحدة الوجد”.

​ثانياً: شطحات الحداثة الشعريّة.. صلاح عبد الصبور نموذجاً

في مسرحية “مأساة الحلاج”، لم يستحضر صلاح عبد الصبور شخصية الحلاج ليروي تاريخاً، بل ليجعل من “الشطح” موقفاً وجودياً وسياسياً.

صرخة الحلاج في النص ليست كفراً، لكنها قمة اليقين الذي يصطدم بفقهاء “الظاهر”. اللغة هنا تتحول إلى انفجار شعري، حيث الكلمة تتشظى لتعبر عن تمزق الإنسان المعاصر بين “روحه” التائقة للمطلق وبين “واقعه” المثقل بالقيود.

شطح عبد الصبور هو “شطح المعنى” الذي لا يرتضي التسطيح.

​ثالثاً: تفتيت البنية.. أنسي الحاج وجماليات الانفجار

في “قصيدة النثر”، وتحديداً عند أنسي الحاج، نجد تجلياً حداثياً لمقام الشطح. في مجموعته “لن”، يمارس الحاج فعلاً شطحياً بامتياز؛ إذ يحطم الجملة، ويلغي الروابط المنطقية، ويجعل الكلمات تتصادم في فضاء الورقة.

هذا “الهذيان المنظم” هو الوريث الشرعي لشطحات البسطامي والنفري. الكتابة هنا لا تريد أن “تُفهم” بالعقل، بل تريد أن “تُختبر” بالحدس. إنه الشطح الذي يرى في انكسار اللغة وسيلة وحيدة لاكتمال الرؤية.

​رابعاً: السريالية كشطح علماني

إذا كان المتصوف يشطح في حضرة “الحق”، فإن الأديب السريالي يشطح في حضرة “اللاوعي”. في أعمال جورج حنين أو حتى في لوحات رمسيس يونان (التي هي نصوص بصرية)

نجد أن “اللامنطق” هو الذي يحكم المشهد. هذا التقاطع يثبت أن “الشطح” هو حاجة إنسانية أصيلة للتحرر من “سجن العقل التبريري”.

الكاتب الحديث يستخدم الشطح ليعلن أن العالم ليس منطقياً كما يدعي العلم، بل هو غامض، سحري، ومتداخل.
​خاتمة المقام (طريقة الكتابة):

عزيزي الكاتب، لكي تكتب بمقام الشطح، عليك أن تمنح لغتك “حرية الجنون” المحسوب. لا تخشَ من التناقض، فالحقيقة غالباً ما تسكن في قلب التناقضات.

الشطح في الأدب هو انتصار “الرؤيا” على “الرؤية”، وهو الجرأة على قول ما لا يجرؤ العقل على تفكيكه. إن النص الذي لا يشطح هو نص لا يحلم، والنص الذي لا يحلم هو جسد بلا روح

شارك المقال: