إبداع

معصوم مرزوق يكتب: “قصة قصيرة” هبوط حاد

قال له الضابط وهو يرسل سحابة هائلة من دخان سيجارته : "أنت تعرف منصور" أجابه بإعياء : "أعرفه يصلي معنا في الجامع، شاب صالح وابن ناس "

مشاركة:
حجم الخط:

الناس مشغولون جداً في تلك الأيام ، ولكن أبو الفرج أو عم عثمان البواب ، أو عوض فرج الله ، لا يهتم ، فالرجل لديه كوم عيال وأمهم وأمها ، وكلهم يعيشون ويرقدون في حجرة صغيرة في ” بير السلم ” ، ورغم أنه اشتري تليفزيون 20 بوصة نصف عمر مؤخراً ، إلا أنه لا يشاهد الأخبار وإذا شاهدها لا يفهمها ، وإذا سأله أحد يقول له مشيحاً بذراعه : ” يا عم قل يا باسط ” ، ولكنه يضحك من أعماق قلبه علي أفلام إسماعيل يس القديمة ، ويحب برامج الأطفال ، لا تناديه زوجته إلا بإسم ” أبو الفرج ” ، إلا أن شهرته في الحي كله بإسم عم عثمان البواب ، حيث التصق هذا الإسم بكل البوابين أياً كانت أسماؤهم الحقيقية ، ويتصور الناس كذلك أن كل ” عم عثمان ” إما من أهل السودان وإما من أهل النوبة …
عوض فرج الله فلاح من البحيرة ، أو هكذا كتبوا عنه في بطاقته الشخصية ، ولكنه في الحقيقة لم يفلح أرضاً في حياته ، فعندما انتفخت بطنه وهو لا يزال في سن السابعة ، وتبين أنه يبول دماً عرف أبواه أنه سيلحق بأخيه الذي مات بعد معاناة من مرض البلهارسيا ، أعفوه من عمل الحقل وأكتفوا بأخوته الذكور الأربعة ومعهم ثلاث شقيقات ، يقول أبو الفرج لزوجته : ” أمي اعتبرتني ميت ، وأبويا رما طوبتي ، واشتروا الكفن ” ، يضحك بشدة ويسعل ، ثم يستطرد : ” الناس في الكفر كانوا غلابة ، والموت يعني مش غريب عليهم ” 
عاش عوض عاماً بعد عام ، رغم هزاله وصفرة وجهه ، بل أنه عندما وصل إلي سن التجنيد دخل الجيش ، وفي الشهر الثاني لتجنيده أنتقلت وحدته إلي رفح ، ثم قامت الحرب وسمع من يقول له : ” إخلع الأوفارول والبس جلابية ” ، وتمكن مع العشرات من أفراد وحدته من الإنسحاب إلي أن وصل مدينة الإسماعيلية ، يقول أبو الفرج لحماته : ” والله ياحاجة ما كنت عارف أنا في مصر والا إسرائيل .. الناس قالت دي الإسماعيلية ، وأنا كل اللي كنت أعرفه من مصر هو الكفر ، ومركز التدريب في الجبل الأحمر ، ورفح ” ، تنظر إليه حماته منصتة إليه باهتمام ، رغم أنها المرة المليون التي يحكي فيها نفس الحكاية.
استمر في خدمته العسكرية حتي تم تسريحه مع الدفعة الأولي التي خرجت بعد حرب أكتوبر 1973 ، يحكي لزوجته : ” الضابط شريف كان ولد .. طول وعرض وحلاوة .. جمعنا الصبح وقال يارجالة أحنا ها نعدي القناة النهاردة .. الحق أقولك ما صدقتش ، كنت خايف عليكم ، لكن الضابط شريف قالي يادفعة ما تخفش لو مت تموت شهيد ” ، يهز رأسه ويهمهم : ” أنا عشت وهو يا ولداه اتقتل قدامنا .. كان ولد .. آه والله كان ولد “
تزوج في إحدي إجازاته الميدانية ، وكانت حرب الإستنزاف علي أشدها ، قال له أبوه : ” يابني لا زم تتجوز ” ، ” لكن يا آبا الموت داير علينا زي السكين في الجبهة .. حرام اتجوز واسيبها تترمل من بعدي ” ، ولكن أبوه يصر قائلاً : ” لو كان الموت عايزك كان خدك من زمان ” تزوج من إبنة عمه ، وهنأه الضابط شريف عند عودته وقال له : ” أوعي تكون صغرت رقبتنا ؟ ” ، ضحك بخجل وقال له : ” يا فندي إحنا رجالة تمام ” ، فداعبه شريف قائلاً وهو يربت علي كتفه : ” أنا عارف .. ربنا يرزقك بالذرية الصالحة ” 
لم تخيب ابنة عمه ظنه ، فقد انجبت له حتي الآن ثمانية أطفال ، تماماً مثل أبيه ، وإن كانت البكرية فاطمة قد ماتت في سن الثانية ، وكذلك مات إبنه الثالث بكري بعد ثلاثة شهور من ميلاده .. يقول لرفاقه في الغرزة : ” المرحوم بكري كان شبه أمه الخالق الناطق ، الوش المدور زي القمر ، والعيون الواسعة ، والشعر الحرير ، والخدود الناعمة ” ..
بعد تسريحه من الجيش ، توسط قريب له يعمل بواباً في القاهرة كي يتولي بوابة عمارة في نفس الحي ، ومنذ ذلك الوقت لم يترك هذا المكان ، وعندما يتحوط أولاده طبلية الطعام ، يمسح فمه بظاهر كفه وهو يقول لهم : ” اللهم ادمها نعمة واحفظها من الزوال .. أبوك يا ولاد كان محظوظ .. أي والله محظوظ .. غيري كتير في البلد عاطلين .. وحالتي أحسن من حالة عمكم صلاح .. أهو مرمي في البلد لا شغلة ولا مشغلة ، رغم أنه زي الحيطة وصحته كانت أحسن من صحتي مليون مرة .. ربنا عايز كده “
قالت المذيعة الجميلة ذات الشعر البني التي يحبها أبو الفرج في سره أن الإرهابيين قاموا بتفجير قنبلة في حي الحسين ، دق كفاً علي كف وقال لحماته : ” حتي بيوت أولياء الله .. لا حول ولا قوة إلا بالله ” ، وعندما صلي الفجر في الزاوية الصغيرة الكائنة في طرف الشارع تحدث مع المصلين بغضب ، وقال لهم : ” أنا بطل العبور .. لازم أحمي أولياء الله ، والله حرام .. حرام اللي بيحصل في البلد ” 
في المساء ، حضرت سيارة شرطة ونزل منها بعض الأفراد في ملابس مدنية ، صرخت حماته وزوجته ، بكي أطفاله ، بينما كان الرجال المتعضلون يجرجرونه من جلبابه إلي السيارة وهو يقاوم ويستعطف ويبكي : ” عملت إيه بس يا باشا ؟ ” ، لكزه أحدهم في صدره بقوة قائلاً له بغيظ : ” اسكت يا إرهابي يا بن الـ .. ” ، بينما ركله آخر في بطنه فالتوي متألماً وهو يتأوه ويسكب دماً من فمه.
قال له الضابط وهو يرسل سحابة هائلة من دخان سيجارته : “أنت تعرف منصور” أجابه بإعياء : “أعرفه يصلي معنا في الجامع، شاب صالح وابن ناس ” نهض الضابط فجأة من خلف مكتبه وصفعه بشدة ، قائلاً بهياج : ” رد علي قد السؤال ياروح امك .. حد طلب منك تقرير صلاحية ؟ ” .. ارتج جسده بشدة ولكنه تماسك ، وقال بصوت مرتجف : “أيوه يا باشا أعرفه .. أعرفه .. فيه إيه ؟ ” .. كانت الحجرة مضاءة بمصباح يتدلي من سقفها ، وفي منتصفها مكتب خشبي عليه بعض الأوراق ومثلث خشبي عليه إسم الضابط ، وفي جانب الحجرة وقف رجل متعضل يرتدي زي مدني ، وكان أحد اللذين أحضروه من منزله ، كان أبو الفرج لا يفهم لماذا كان الضابط منفعلاً وغاضباً ، كان يريد أن يسأله وأن يستعطفه كي يجلس لأنه كان يشعر بآلام رهيبة في بطنه ، لكنه خشي أن يضربه مرة أخري .. أمسك الضابط بتلباب جلبابه وطوحه يميناً ويساراً وهو يقول له : ” إسمع يا بن الـ… ها تعمل فيها الطاهرة البريئة يومك يكون أسود ، أنا عايز أعرف فين كنت بتجتمع مع منصور ، ومين كان معاكم ؟ ” ، تراجع أبو الفرج خطوة للخلف ، نظر إلي الرجل المتعضل في الركن وقال موجهاً حديثه له : ” حلفتك بالله يا سيدي الأفندي ، أنت بتيجي المنطقة كثير وبتشرب شيشة في القهوة ، عمرك شفتني مع أي حد ؟، قاطعه الضابط بصفعة أقوي أسقطته هذه المرة علي الأرض ، فصرخ متوجعاً ثم زحف مبتعداً عن أقدام الضابط توخياً لركلة منه ، كانت الدماء تنسرب من بين شفتيه وهو يمسحها بكفه وينظر إليها ثم إلي الرجلين في الحجرة ، تذكر فجأة وجه الضابط شريف وقد اكتسي بالدماء علي أرض سيناء ، طلب منه الرقيب فؤاد أن يساعده في حمله إلي الخلف ، كان جسد شريف لا يزال ينتفض ، سمعه يتمتم متأوهاً : ” الواجب ، الشرف ، الوطن ” ، نفس الكلمات التي قال لهم أنه كان يرددها كل صباح في طابور الكلية الحربية .. أفاق من خيالاته علي ركلة من الضابط وهو يقول له ساخراً : ” بتقول إيه يا بن الــ .. ” ، تبين له أنه كان يهمس أيضاً بنفس كلمات الضابط شريف قبل أن تفارق روحه الحياة ويدفنوه جنوب القنطرة شرق،
حضرت قوة أخري إلي منزل أبو الفرج ، واقتحموا حجرته بعد أن أخرجوا زوجته وحماته والأطفال خارجها ، ثم بعثروا محتوياتها وحطموا التليفزيون ، وحملوا معهم بعض صفحات الجرائد والكراريس التي كان الأولاد يلعبون بها ، وأبدي أحدهم إهتماماً خاصاً بكراسة كان أحد الأولاد يتدرب علي الكتابة فيها بنقل بعض سطور من صفحات الجرائد ، أسرع بالكراسة إلي من يبدو رئيسهم ، أطلع علي ما فيها بسرعة وهو يهز رأسه وكأنه أكتشف سراً خطيراً ، وتوقف عند السطر الأول : ” تدريبات بالذخيرة الحية في الصحراء الغربية ضمن مناورات النجم الساطع ” 
أحضروه في اليوم التالي من الزنزانة ، كان قد مضي عليه يوم كامل دون طعام أو شراب ، وقد تلون جلبابه بقطرات من دمه التي أصبحت بنية غامقة ، كان يمشي بصعوبة وهو يمسك ببطنه بكلتا يديه ، قال له الضابط : ” أنت إسمك إيه ؟ ” ، فأجابه : ” فرج عوض الله” ، فضحك الضابط متسائلاً : ” أمال أبو الفرج ده إسمك الحركي ؟ ” ، لم يفهم أبو الفرج ولكنه حاول أن يشرح ، فقاطعه الضابط بسؤال آخر : ” متي كانت آخر مرة ذهبت فيها إلي الصحراء الغربية ؟ ” ، فهز رأسه مرتبكاً وقبل أن يجيب هب الضابط من خلف مكتبه وهو يلقيه بمطفئة سجائر زجاجية ويندفع نحوه وبين يديه كراسة قديمة وضعها أمام عيني أبو الفرج وهو يسأله بظفر : ” مش دي كراستك .. هو تدريبكم بقي إسمه النجم الساطع ؟ .. أنت يا بن الــ .. تعرف تضرب نار ؟ ” ، رفع أبو الفرج يديه كي يتوقي ضربة متوقعة وهو يقول : ” أيوه يا باشا .. أنا اتعلمت ضرب النار في الجيش .. لكن .. لكن أنا لا بعرف أقرا ولا أكتب ” 
بعد يومين جاء رجل ونادي علي زوجة أبو الفرج ، طلب منها التوقيع علي ورقة ، سألته فقال لها أنت مطلوبة لإستلام جثمان زوجك .. ” سبب الوفاة فشل في وظائف الكبد وهبوط حاد في الدورة الدموية

شارك المقال: