معتز منصور يكتب: حين تتحول التسمية إلى بنية حرب
المسألة تبدأ من التسمية، لكنها لا تنتهي عندها. “المحور الشيعي” ليست عبارة عابرة، بل أداة تفكيك وإعادة تركيب في آن واحد. تفكيك لشبكة علاقات سياسية وعسكرية متعددة، عبر اختزالها في بعد مذهبي واحد،

صورة تعبيرية عن المقال
ليس النص المتداول في إعلام العدو، “المحور الشيعي ينفرد بإسرائيل، الشمال من الحزب، المركز إيران، الجنوب الحوثي”، مجرد توصيف لواقع ميداني متحرك، بل هو محاولة لإنتاج واقع ذهني يسبق الميدان ويعيد ترتيب معانيه. نحن أمام خطاب لا يكتفي بشرح الصراع، بل يعمل على إعادة تعريفه، وتحديد من هو داخله ومن هو خارجه، ومن يجب أن يشعر بأنه معني به ومن يمكن دفعه إلى الحياد أو التوجس.
المسألة تبدأ من التسمية، لكنها لا تنتهي عندها. “المحور الشيعي” ليست عبارة عابرة، بل أداة تفكيك وإعادة تركيب في آن واحد. تفكيك لشبكة علاقات سياسية وعسكرية متعددة، عبر اختزالها في بعد مذهبي واحد، وإعادة تركيب للصراع نفسه بوصفه صراعا هوياتيا. هذا التحول ليس بريئا ولا محايدا، لأنه ينقل مركز الثقل من سؤال “من يفعل ماذا ولماذا” إلى سؤال “من هو هذا الفاعل”. وحين يصبح التعريف بالهوية بديلا عن التعريف بالفعل، فإن مساحات واسعة من التعقيد تُمحى لصالح سردية سهلة التعبئة، لكنها مشوهة إدراكيا.
بهذا المعنى، لا يعمل الخطاب على توصيف الخصم فقط، بل على إعادة هندسة البيئة المحيطة به. إدخال العامل المذهبي بهذا الشكل هو استدعاء مقصود لخط صدع كامن في الإقليم، خط قابل للاشتعال، لكنه أيضا قابل للاستثمار. يتم دفع أطراف إقليمية، دولا ومجتمعات، إلى إعادة قراءة الصراع من زاوية الخوف من “التمدد الشيعي”، لا من زاوية موازين القوة أو طبيعة المشروع. هنا تتحقق وظيفة استراتيجية بالغة الخطورة، ليس عبر كسب حلفاء بالضرورة، بل عبر تفكيك أي إمكانية لاصطفاف مضاد متماسك.
غير أن هذا الاشتغال على الوعي لا يلغي حقيقة أن الخطاب يحمل اعترافا ضمنيا بما يحاول تبسيطه. حين تُجمع هذه الجبهات تحت مسمى واحد، فهذا إقرار بوجود ترابط يتجاوز الجغرافيا. لكن الفارق الحاسم أن هذا الترابط يُعاد تعريفه كمذهبي، لا كشبكة مصالح ووظائف. لأن الاعتراف بالصيغة الثانية يعني الإقرار بوجود خصم يمتلك عقل إدارة، لا مجرد انتماء، ويمتلك القدرة على توزيع الأدوار وضبط الإيقاع، لا مجرد التفاعل معه.
هنا تحديدا، يصبح التقسيم الثلاثي، الشمال، المركز، الجنوب، أكثر من مجرد توزيع جغرافي. هو محاولة لإضفاء نظام على مشهد يقلق لكونه غير قابل للاحتواء ضمن أنماط الحرب التقليدية. “المركز” في هذا التصور لا يعني إيران كحدود، بل كعقل اشتباك، كجهة تملك القدرة على إدارة التوقيت، وعلى تحويل التعدد من عبء إلى أداة. لم تعد المسألة من يطلق النار فقط، بل من يقرر متى تُفتح الجبهة ومتى تُجمَّد، ومن يملك رفاهية توزيع التصعيد على الزمن لا على المكان فقط.
أما الشمال، الذي يتمثل في حزب الله، فيُقدَّم كجبهة مكتملة البنية، لا بسبب قدراته العسكرية فحسب، بل لأنه نجح في ترسيخ معادلة ردع خارج إطار الحرب المباشرة. هذا التحول بالغ الدلالة، لأنه يعني أن الفعل العسكري لم يعد لحظة استثنائية، بل حالة مستمرة تؤثر في القرار الإسرائيلي حتى في غياب المواجهة. الشمال هنا ليس جبهة تنتظر الحرب، بل جبهة تعيد تعريف معنى “اللا حرب”.
وفي الجنوب، حيث يتم اختزال المشهد في “الحوثي”، تكمن واحدة من أكثر النقاط التي يحاول الخطاب تخفيف حدتها، رغم أنها تمثل تحولا استراتيجيا عميقا. لأن هذه الجبهة لا تضغط على إسرائيل مباشرة فقط، بل تضغط على بنية الاقتصاد العالمي عبر استهداف خطوط الملاحة. هنا ينتقل الصراع من كونه إقليميا إلى كونه عقدة في شبكة دولية، ما يعني أن أي تصعيد لم يعد شأنا محليا، بل حدثا ذا ارتدادات عالمية.
لكن ما يغيب عمدا عن هذا الخطاب، هو البنية التي تربط هذه الجبهات. نحن لا نتحدث عن تنسيق تقليدي، بل عن نمط اشتباك يمكن وصفه بـ”التزامن المرن”. هذا النمط يسمح بتشغيل الجبهات بشكل غير خطي، حيث يمكن فتح مسار، وتهدئة آخر، وتصعيد ثالث، وفق حسابات لحظية، لا وفق خطة جامدة يمكن التنبؤ بها. هذه القدرة تحديدا هي ما يسحب من إسرائيل واحدة من أهم أدواتها، القدرة على بناء سيناريوهات مستقرة.
وحين يفقد الفاعل قدرته على التوقع، يفقد معها القدرة على المبادرة. هنا يبدأ التحول الأخطر، من فاعل يصنع الحدث إلى فاعل يدير تداعياته. حتى التفوق العسكري، مهما بلغ، يفقد جزءا من قيمته حين يُفصل عن القدرة على التحكم بإيقاع استخدامه.
في المقابل، يؤدي هذا الخطاب وظيفة داخلية لا تقل أهمية عن وظيفته الخارجية. هو يعمل على تهيئة الوعي الإسرائيلي لتقبل واقع معقد، وربما طويل الأمد. حين يتم تصوير المواجهة كصراع مع “محور” ممتد جغرافيا ووظيفيا، يصبح أي تعثر لاحق قابلا للاحتواء نفسيا. يتم نقل مركز المسؤولية من الأداء إلى “طبيعة التهديد”. بهذا، يتحول الخطاب من أداة تفسير إلى أداة تبرير استباقي.
لكن أخطر ما في هذا البناء، أنه لا يكتفي بإعادة تعريف الخصم، بل يعيد تعريف الإقليم نفسه. اللعب على الوتر المذهبي ليس مجرد وسيلة خطابية، بل هو إدخال متعمد لعنصر عدم استقرار داخل بنية المجتمعات. هذه الاستراتيجية قد تحقق مكاسب قصيرة الأمد، لكنها تحمل في داخلها قابلية انفجار لا يمكن التحكم بها. الفتن، حين تُستدعى، لا تلتزم بالحدود التي رُسمت لها، وقد تعيد تشكيل الأولويات بشكل يتجاوز حسابات من أطلقها.
في العمق، نحن أمام لحظة انتقال. لم يعد الصراع يدور فقط حول الأرض أو الحدود، بل حول من يمتلك القدرة على تعريف الصراع ذاته. من ينجح في فرض تسمياته، ينجح جزئيا في فرض قواعد اللعبة. ومن هنا، تتحول التسمية من أداة وصف إلى أداة هيمنة.
خلاصة القول، إن الجملة التي تبدو بسيطة تختزن تحولا بنيويا. هي تعبير عن فقدان تدريجي للقدرة على التحكم، ومحاولة موازية لتعويض ذلك عبر التحكم في الوعي. لكن المفارقة التي لا يمكن إغفالها، أن من يحتاج إلى إعادة تعريف خصمه بهذا الشكل، يكون قد بدأ فعليا بفقدان القدرة على التعامل معه كما هو، لا كما يريد أن يراه.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق، حين تصبح المعركة على المعنى، يكون من خسر وضوح الواقع، قد خسر نصف المعركة دون أن يطلق رصاصة واحدة.






