مقالات

معتز منصور يكتب: ادارة الحافة بين واشنطن وطهران.

على المستوى العسكري، الهدوء النسبي لا يعني تراجعا في الاستعداد ولا تفكيكا لعناصر القوة. هو اعادة ترتيب للايقاع. حين تؤجل خطوات استعراضية كبرى، فذلك لا يعكس ضعفا،

مشاركة:
حجم الخط:

ما نشهده في التفاعل الامريكي الايراني خلال هذه المرحلة لا يمكن فهمه من خلال ثنائية الحرب او الاتفاق. هذا المنطق اختزالي، ويعكس كسلا تحليليا اكثر مما يعكس الواقع. ما يجري فعليا هو عملية ادارة دقيقة للحافة، حيث يقترب الطرفان من نقطة الانفجار دون عبورها، ليس بسبب تحول في النيات، بل بسبب توازن معقد بين الرغبة في تحسين الموقع والخشية من كلفة الذهاب الى النهاية.

المدخل الصحيح للفهم يبدأ من الاعتراف بان الصراع لم يتغير في جوهره. الولايات المتحدة ما زالت ترى في ايران خصما استراتيجيا يجب تحجيمه، وايران ما زالت ترى في السلوك الامريكي تهديدا وجوديا لمنظومتها الامنية والسياسية. الجديد ليس تبدل هذه الرؤى، بل تغير الحسابات المرتبطة بالتوقيت والوسائل. الصدام لم يسقط من الحسابات، لكنه بات خيارا غير عقلاني في هذه اللحظة بالذات.

في واشنطن، اعادة ضبط الخطاب لا تعني اعادة تعريف الهدف. ادارة ترامب لم تنتقل من منطق الضغط الى منطق الشراكة، بل من منطق الضغط الاحادي الى منطق الضغط القابل للتدوير. حين يلمح ترامب الى قنوات تواصل، فهو لا يقدم تنازلا سياسيا، بل يبحث عن مخرج تكتيكي من معادلة وصلت الى سقفها. سياسة الضغط القصوى لم تنتج الاستسلام، لكنها انتجت مخاطر غير مرغوبة على الاسواق، وعلى الاستقرار الاقليمي، وعلى صورة الردع الامريكي نفسه اذا ما جرى اختبارها عسكريا وفشلت في تحقيق نتائج سريعة.

الحرب مع ايران ليست كسابقاتها. ليست عملية محدودة، ولا حملة جوية نظيفة، ولا مواجهة يمكن احتواؤها زمنيا. هي حرب ذات مسار متشعب، مفتوحة على الخليج، وعلى اسواق الطاقة، وعلى حلفاء واشنطن قبل خصومها. المؤسسة العسكرية الامريكية تدرك ذلك جيدا، كما تدرك ان التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة تفوقا سياسيا في هذا النوع من الصراعات. من هنا، يصبح الامتناع عن الحرب قرارا عقلانيا لا اخلاقيا، وخيارا قائما على الحساب لا على الحكمة المجردة.

في المقابل، ايران لا تتصرف كدولة محاصرة فقدت خياراتها. سلوكها يدل على وعي عميق بان الزمن عنصر قوة لا مجرد عامل انتظار. العقوبات تضغط، لكنها لم تفكك الدولة ولا غيرت سلوكها الاستراتيجي. ما فعلته هو دفع طهران الى ادارة الصراع بدقة اعلى، وتقليل الهدر، وتعظيم اثر كل خطوة دون تجاوز الخطوط التي قد تستجلب ردا غير قابل للاحتواء.

الحديث الايراني عن تنظيم مسار التفاوض او اطاره لا ينبغي تفسيره بوصفه اقترابا من تسوية. غالبا ما يكون هذا النوع من الخطاب اعترافا ضمنيا بان الخلافات الجوهرية ما زالت قائمة. حين يكون الاتفاق على المضمون ممكنا، لا يطول النقاش حول الشكل. اطالة النقاش حول الاطر تعني ان جوهر الصراع لم يمس بعد، وان الهدف هو كسب الوقت، وتخفيف التوتر، ومنع الانزلاق، لا حسم الخلاف.

في هذا السياق، تلعب الوساطات الاقليمية دورا وظيفيا لا تحويليا. هي قنوات نقل وضبط، لا منصات قرار. وجود وسيط يعني ان الطرفين يدركان خطورة سوء التقدير، لا انهما اقتربا من اتفاق تاريخي. الوساطة هنا اداة لمنع الخطا القاتل، لا لانتاج اختراق استراتيجي. هذا فارق اساسي يتم تجاهله في كثير من القراءات المتفائلة.

على المستوى العسكري، الهدوء النسبي لا يعني تراجعا في الاستعداد ولا تفكيكا لعناصر القوة. هو اعادة ترتيب للايقاع. حين تؤجل خطوات استعراضية كبرى، فذلك لا يعكس ضعفا، بل ادراكا لحساسية اللحظة. القوة المستخدمة في توقيت خاطئ تفقد قيمتها الردعية، وقد تتحول الى عبء. لذلك، يجري تعليق بعض المظاهر العلنية، مع الحفاظ على الجاهزية الكاملة، وترك الرسائل غير المباشرة تؤدي دورها.

الدور الروسي الصيني يندرج ضمن هذا المنطق. موسكو وبكين لا تريدان صداما مفتوحا مع واشنطن من اجل ايران، لكنهما في الوقت ذاته لا تقبلان بفرض معادلة بالقوة. دعمهما محسوب، غير صاخب، ويهدف الى منع كسر التوازن لا الى قلبه. الابتعاد عن لحظة التفجير لا يعني التخلي عن الشريك، بل رفض الدخول في معركة بتوقيت لا يخدم المصالح الكبرى.

العامل الاكثر حسما، والذي نادرا ما يعالج بجدية، هو العامل الداخلي. في الولايات المتحدة، لا يوجد مزاج عام يتحمل حربا طويلة بلا نتائج سريعة. الاقتصاد، الاسواق، والانتخابات كلها تضيق هامش المغامرة. وفي ايران، لا يوجد ترف لحرب شاملة في ظل اقتصاد متعب ومجتمع تحت ضغط. اي مواجهة واسعة قد تعيد ترتيب الاولويات الداخلية بطريقة لا ترغب بها القيادة. هذا القيد الداخلي يشكل احد اهم محددات الصدام، وغالبا ما يكون اكثر تأثيرا من الحسابات الخارجية.

من هنا، تتضح الصورة الكاملة. ما نراه ليس بداية انفراج ولا اقترابا من اتفاق. هو حالة تعليق مدروسة. الصراع مستمر، لكن ادواته الاكثر خطورة مجمدة مؤقتا. التهديد قائم، لكنه مضبوط. القرار بالحرب موجود، لكنه محاصر بسلسلة اعتبارات تجعل تنفيذه الان غير عقلاني. هذه هي ادارة الحافة في صورتها الكلاسيكية.

الخطا الاكبر هو الخلط بين منع الحرب وصناعة السلام. منع الحرب يحدث الان، لانه يخدم مصلحة الجميع. اما السلام او حتى الاتفاق المرحلي، فيتطلب تنازلات مؤلمة وقدرة على تسويقها داخليا، وهذه الشروط لم تنضج بعد. لذلك، كل تهدئة يجب قراءتها بوصفها هشة، وكل تواصل بوصفه ادارة ازمة لا حلها.

الخلاصة ان المنطقة لا تقف على عتبة انفجار فوري، ولا على ابواب تسوية تاريخية. هي تعيش مرحلة شد وجذب محكومة بمنطق ادارة الحافة. لا احد يريد السقوط، ولا احد مستعد للتراجع الحقيقي. الصدام مؤجل لا ملغى، والتسوية مؤجلة لا مستحيلة، وما بينهما تستمر اللعبة على اعصاب الزمن.

شارك المقال: