محمد حماد يكتب: هل يفعلها ترامب؟
امتلأت وسائل الإعلام الإسرائيلية والأميركية بالحديث عن وحدات نخبة، عن “مطاردي الليل”، عن قوات كوماندوز متخصصة في العمليات المعقّدة داخل العمق الإيراني، وعن سيناريوهات تصل حدّ اختطاف قادة النظام

ليس السؤال المطروح في الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران هو ما إذا كانت واشنطن قادرة على توجيه ضربة قاسية إلى طهران. هذه القدرة، عسكريًا، قائمة بلا جدال، ومجربة في ساحات أقل تعقيدًا.
السؤال الحقيقي، والأكثر خطورة، هو: هل يعرف صانع القرار الأميركي ماذا يريد بعد الضربة؟
من هنا تحديدًا يولد السؤال الذي يتردد بقوة اليوم:
هل يفعلها دونالد ترامب؟
السؤال، عند التدقيق، يكشف طبيعة المأزق نفسه. فحين يصبح السؤال معلقًا إلى هذا الحد، فذلك يعني أن القرار ذاته لم ينضج.
ترامب ليس رئيسًا تقليديًا في إدارة الأزمات الدولية. خبرته السياسية لم تُصغ في دهاليز وزارة الخارجية ولا في غرف التخطيط الاستراتيجي، بل في منطق الصفقات والضغط الأقصى.

هو يرفع السقف ليُربك الخصم، ويُلوّح بالقوة ليُحسن شروط التفاوض، ويؤمن أن التهديد، إذا صيغ بعنف كافٍ، قد يُغني عن التنفيذ. هكذا تصرف في ملفات عدة، وهكذا بنى صورته كرجل لا يمكن التنبؤ بخطوته التالية.
لكن إيران ليست خصمًا تقليديًا.
هي دولة خبرت العقوبات، واستوعبت الضربات، وطوّرت عبر عقود استراتيجية اللعب تحت السقف. لا تذهب إلى الحرب الشاملة، لكنها لا تقبل الإذلال. تردّ دون أن تكسر المعادلة، وتتصرف وكأن الزمن يعمل لصالحها، لا ضدها.
في هذا السياق، يبدو التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط لافتًا بقدر ما هو ملتبس. أساطيل تغادر قواعدها، حاملات طائرات تعيد التموضع، مقاتلات شبحية تُرصد في قواعد متقدمة، وطائرات تزوّد بالوقود تُستدعى من عمق الترسانة الأميركية.
مشهد يعيد إلى الذاكرة أجواء ما قبل غزو العراق عام 2003، حين بدا أن كل شيء جاهز إلا الجواب عن السؤال الأهم: ماذا بعد؟
الأكثر إثارة للانتباه ليس حجم القوة المستعرضة، بل نوعية التسريبات المصاحبة لها.
فجأة، امتلأت وسائل الإعلام الإسرائيلية والأميركية بالحديث عن وحدات نخبة، عن “مطاردي الليل”، عن قوات كوماندوز متخصصة في العمليات المعقّدة داخل العمق الإيراني، وعن سيناريوهات تصل حدّ اختطاف قادة النظام أو السيطرة السريعة على منشآت استراتيجية. كأننا أمام لوحة عسكرية مكتملة العناصر، لكنها بلا عنوان واضح.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كلما تضخم المشهد العسكري، تقلّص وضوح الهدف السياسي.
هذه المفارقة هي جوهر ما وصفه الصحفي الإسرائيلي آفي أشكنازي، كبير محرري جريدة “معاريف”، حين كتب محذرًا من انجرار الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران بلا خطة، وبلا أهداف محددة، وبلا تصور لليوم التالي.
المشكلة، كما يقول، ليست في توجيه الضربة، بل في العجز عن تحديد ما الذي يُفترض أن تحققه هذه الضربة.
هل الهدف تدمير البرنامج النووي؟
حتى هذا الهدف يبدو ملتبسًا، في ظل غياب معلومات دقيقة عن مواقع اليورانيوم المخصب، وفي ظل إدراك واسع بأن إيران تمتلك قاعدة علمية وبشرية قادرة على إعادة بناء ما يُدمَّر. الضربة قد تؤخر البرنامج، لكنها لن تنهيه.
هل الهدف إسقاط النظام؟
هنا يصبح الحديث أقرب إلى التمنيات. النظام الإيراني، مهما بلغت أزماته الداخلية، لم يصل بعد إلى مرحلة الانهيار التي تسمح بإسقاطه من الخارج. بل إن أي ضربة واسعة قد تمنحه ما يحتاجه من شرعية وطنية، وتعيد ترتيب صفوفه تحت شعار “الدفاع عن الوجود”.
في هذه اللحظة، تتحول القوة إلى عبء.
فالتهديد المتواصل، إذا لم يُترجم إلى قرار واضح، يفقد قيمته الردعية. والتنفيذ، إذا جرى بلا أفق سياسي، يتحول إلى مغامرة مفتوحة على أسوأ الاحتمالات.
المعادلة تصبح أكثر خطورة حين نضع في الاعتبار تباين منطق اللعب بين الطرفين. إيران تلعب تحت السقف، لكنها تراقب بدقة متى يتحول رفع السقف الأميركي من أداة ضغط إلى تهديد وجودي.
عند هذه النقطة، قد تتغير قواعد الاشتباك بالكامل، وقد تنتقل طهران من الرد المحسوب إلى المواجهة المفتوحة، لا لأنها تريد الحرب، بل لأنها ترى نفسها مضطرة إليها.
أما في الداخل الأميركي، فالصورة لا تقل تعقيدًا. الرأي العام لم يعد متحمسًا لحروب بعيدة ومفتوحة.
ذاكرة فيتنام وأفغانستان والعراق ما زالت حاضرة، والناخب الأميركي لا يرى مصلحة واضحة في خوض حرب جديدة في الشرق الأوسط، خصوصًا إذا بدت وكأنها تُخاض نيابة عن آخرين، أو بلا نهاية مرئية.
هنا تتجسد ورطة ترامب الحقيقية
التراجع يفسَّر ضعفًا، والتقدم بلا خطة مغامرة، والاستمرار في رفع السقف من دون حسم يستهلك المصداقية.
وهكذا، يعود السؤال الأول، لكن بمعنى مختلف تمامًا.
ليس: هل يفعلها ترامب؟
بل: هل يستطيع أن يفعلها دون أن يغرق؟
وهل يستطيع ألا يفعلها دون أن يبدو عاجزًا؟
في هذا التناقض تحديدًا، تتشكل أخطر لحظات التاريخ. لحظات لا تُشعلها الرغبة في الحرب، بل العجز عن اتخاذ قرار واضح بشأنها.
وهكذا، ومع تعثر مفاوضات جنيف، وتشدد المطالب الأميركية، وارتفاع منسوب التحشيد العسكري، يزداد الإغراء بالقول إن المعارك أصبحت مرجحة، وإن واشنطن لم يعد أمامها سوى طريق الحرب لإثبات أنها ما زالت قادرة على فرض إرادتها.
غير أن هذا الاستنتاج، رغم وجاهته الظاهرية، يخفي قدرًا من التبسيط الخطر.
فالحروب الكبرى لا تُخاض عادة حين تُغلق كل الخيارات، بل حين يُقنع صانع القرار نفسه بأن الخيارات قد أُغلقت.
والتشدد الأميركي الظاهر، بقدر ما يمكن قراءته استعدادًا للمواجهة، يمكن قراءته أيضًا كعلامة ارتباك أمام مشهد دولي يتغير بوتيرة أسرع مما اعتادت عليه واشنطن.
صحيح أن الاقتصاد الأميركي يواجه ضغوطًا، وأن الداخل منقسم، وأن شبكة الحلفاء لم تعد كما كانت، فيما تواصل الصين صعودها بثبات وثقة.
لكن هذه المعطيات، نفسها، هي التي تجعل الحرب خيارًا بالغ الخطورة، لا مخرجًا مضمونًا.
الدول التي تشعر بأنها مهددة وجوديًا قد تلجأ إلى القوة، لكن الدول التي تدرك ثقل ما تبقى لها تتردد ألف مرة قبل أن تضعه على طاولة مقامرة مفتوحة.
أما أخطر ما في هذا المناخ، فهو منطق “لا يمكن أن نخسر أي معركة”، لأن التاريخ لا يعرف إمبراطوريات سقطت بعد سلسلة هزائم متراكمة، بل يعرف إمبراطوريات دخلت معركة واحدة كان ينبغي ألا تدخلها، فكانت الأخيرة.
الأزمة الإيرانية ليست اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على القتال، بل لاختبار قدرتها على التمييز بين الحرب كأداة سياسية… والحرب كمهرب من مأزق أعمق.
وذلك، في النهاية، هو السؤال الحقيقي الذي يظل معلقًا فوق كل هذا الضجيج:
هل ما زالت واشنطن تقرأ القوة بوصفها وسيلة، أم أنها بدأت تراها ضرورة وجودية؟






