محمد حماد يكتب: دخول أنصار الله الحرب
خلال سنوات الحرب في اليمن وعليها، رآكم "أنصار الله" خبرة قتالية لم تكن متوقعة في بدايات الصراع. لم تعد أدواتهم محصورة في نطاق محلي، بل تجاوزته إلى عمق إقليمي، سواء عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيّرة.

صورة أرشيفية للمسيرة
قد لا تأتي التحولات الحاسمة من المركز، حيث تتركز الأنظار، قد تفعلها الهوامش،
واليوم، يقف جنوب الجزيرة العربية، وتحديدًا اليمن، على تخوم دور معلوم، إذا ما قرر أنصار الله الانتقال من موقع المراقبة الضاغطة إلى موقع الفعل الميداني.
الأمر لا يتعلق بمجرد انخراط طرف جديد في الحرب، بل بتغير في طبيعة الجغرافيا الاستراتيجية للصراع.
باب المندب ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان تتقاطع عنده مصالح العالم القديم والحديث، من تجارة الشرق إلى طاقة الخليج، ومن حسابات الأمن البحري إلى توازنات القوى الكبرى.
إضافة إلى الوضع الحالي لمضيق هرمز فإن من يملك القدرة على تهديد باب المندب، لا يضيف قوة إلى معادلة الحرب فحسب، بل يعيد تعريفها.
خلال سنوات الحرب في اليمن وعليها، رآكم “أنصار الله” خبرة قتالية لم تكن متوقعة في بدايات الصراع. لم تعد أدواتهم محصورة في نطاق محلي، بل تجاوزته إلى عمق إقليمي، سواء عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيّرة.
وقد أثبتت هذه الأدوات، في أكثر من مناسبة، أنها قادرة على تجاوز أنظمة دفاعية متقدمة، أو على الأقل استنزافها. وهذا في ذاته تطور لا ينبغي إغفال أو التقليل من دلالاته.
الأهم من القدرات، هو توقيت استخدامها
أنصار الله، حتى الآن، يتحركون في مساحة محسوبة بدقة، حيث الحضور قائم، لكن الانخراط الكامل مؤجل. هذا الترقب يعكس إدراكًا لحساسية اللحظة: الدخول المباشر في مواجهة مفتوحة يعني، عمليًا، نقل الحرب إلى قلب الخليج، وربما أبعد من ذلك.
هنا تتقاطع الحسابات، وتتبدل.
إذا ما انخرطت السعودية أو الإمارات بشكل مباشر في المواجهة مع إيران، فإن معادلة “التوقف والتبيين” التي يلتزم بها الحوثيون تصبح بلا معنى.
عندها، يتحول الدخول في الحرب من خيار سياسي إلى ضرورة استراتيجية، لإعادة توزيع الضغط على مسارح متعددة: شمال يشتعل بفعل المواجهة مع إيران، والحرب الشرسة في جنوب لبنان وعلى عاصمته، وجنوب ينفتح على تهديد قاتل للملاحة والطاقة.
في مثل هذا السيناريو، تخرج الحرب عن قابلة الاحتواء السريع. فالقوة، مهما بلغت، تجد نفسها موزعة بين جبهات متباعدة، لكل منها طبيعتها وتعقيداتها.
إسرائيل ستظل تحت ضغط الشمال حيث حزب الله، وضربات موجعة من إيران، والولايات المتحدة ستجد قواتها ومصالحها عرضة للاستهداف في أكثر من ساحة، بينما يتحول البحر الأحمر إلى منطقة توتر دائم، لا يكفي فيها التفوق العسكري لضمان الاستقرار.
هنا، يصبح الاستنزاف هو الاستراتيجية الحاكمة، لا الحسم السريع. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت كلفتها، ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا وسياسيًا.
الاقتصاد، في هذه الحالة، لا يبقى في الخلفية
أي اضطراب في باب المندب يعني، عمليًا، إعادة حسابات التجارة العالمية، وارتفاعًا في تكاليف الشحن والتأمين، ومن ثم انعكاسًا مباشرًا على أسعار الطاقة. والأسواق، بطبيعتها، لا تنتظر وقوع الأزمة، بل تتفاعل مع احتمالاتها، وهو ما يجعل مجرد التهديد كافيًا لإحداث أثر ملموس.
على المستوى الدولي، دخول الحوثيين يضع ترامب أمام معضلة تقليدية في ظاهرها، لكنها معقدة في تفاصيلها:
كيف يمكن إدارة حرب متعددة الجبهات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؟
وهل يمكن تحقيق أهداف استراتيجية عالية السقف في ظل واقع ميداني يفرض التدرج والاستنزاف؟
اللحظة التي يدخل فيها أنصار الله الحرب لن تكون مجرد إضافة إلى خريطة الصراع، بل إعادة رسم لها.
وعندها، لن يعود الشرق الأوسط ساحةً لأزمة يمكن احتواؤها، بل سيدخل طورًا جديدًا، تتداخل فيه الحروب وتتشابك فيه المسارات على نحو غير مسبوق.
دخول الحوثيين الحرب، إذا ما حدث، لن يوسع في رقعة الصراع فقط، بل سيدفع المنطقة كلها إلى حافة انفجار مفتوح، لا يمكن التنبؤ بمداه، ولا السيطرة على مآلاته.






