آراء و تحليلات

هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (8)

دخل السودان خلال العشر سنوات التالية عقدا كئيبا تحت القبضة البريطانية الصارمة، كما عاش حالة من الركود السياسي بعد اختفاء جيل الثوار بالقتل او السجن

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: علي الأفريقي

(17) أبطال حتي النهاية

بعد اعتقال “علي عبداللطيف” وقيادات ثورة 1924 في سجن كوبر، خرج طلاب المدرسة الحربية في مظاهرة كبرى واتجهوا نحو السجن محاولين فتح أبوابه، أقلقت المظاهرة السلطات البريطانية، ما جعلها تعتقل زعماء الطلبة واودعتهم السجن مع قادة الثورة، كما أغلقت المدرسة الحربية، لكن تمكن المعتقلون من التواصل مع جنود الجيش المصري الذين كانت ثكناتهم قريبة من السجن، وعندما علموا بأن بريطانيا أصدرت أمراً بانسحاب القوات المصرية من السودان، حدث هياج شديد، فحاصر الجيش البريطاني السجن، وقام بتعذيب قادة التمرد.

وفي الكتيبة السودانية الحادية عشر اجتمع الضابط “عبد الفضيل الماظ” مع زملائه ضباط وجنود الكتيبة، وقرروا التوجه إلى الكتيبة المصرية المتمركزة بالخرطوم لمنع ترحيلها إلى مصر.

أثناء مرورهم بالقرب من المستشفى العسكري بشارع غوردون، اعترضتهم قوات الجيش البريطاني التي بادرت بإطلاق النار، فردت الكتيبة السودانية بالمثل، وقتلت ثلاثة ضباط إنجليز، ثم تحصنت داخل مبنى المستشفى، واندلع اشتباك غير متكافئ، حيث استخدم البريطانيون القنابل والمدافع الرشاشة.

استمر القتال حتي اليوم الثاني ودافع السودانيون عن انفسهم بشجاعة وهم محاصرون من القوات البريطانية والتي اضطرت لإحضار المدفع الثقيل “هاويتزر” الذي أطلق ثلاثين قذيفة دمرت المستشفى تماما وحولته إلى أنقاض، واستشهد البطل “عبد الفضيل الماظ” وهو محتضن رشاشه، واستشهد معه خمسة عشر ضابطا وجنديا، وتم القبض علي الباقين وحكم عليهم بالإعدام.

بهذا الحدث، انطفأت جذوة ثورة 1924، ودخل السودان خلال العشر سنوات التالية عقدا كئيبا تحت القبضة البريطانية الصارمة، كما عاش حالة من الركود السياسي بعد اختفاء جيل الثوار بالقتل أو السجن؛ فالنخبة والطبقة المتعلمة ابتعدوا عن السياسة بعدما روعهم جبروت بريطانيا، والفلاحون والفقراء انشغلوا بتوفير لقمة العيش، أما زعماء القبائل والأعيان ورجال الدين فقد ضمنت بريطانيا ولائهم التام من خلال إصدار قانون يدعم نفوذهم وسلطاتهم المحلية.

(18) التهديد الإيطالي

ظل المشهد السياسي السوداني خاملا لعشر سنوات بعد ثورة 1924 فقد اتسم بسيطرة بريطانية كاملة على السودان، بعد أن تمكنت من القضاء على الحركة الوطنية؛ فمن الثوار من استشهد في معركة المستشفى، ومنهم من أُعدم، وآخرون أنهكتهم سنوات السجن أو فقدوا وظائفهم عقب الإفراج عنهم.

مع انحسار النشاط السياسي، برزت الندوات الأدبية وجمعيات الشعر والحلقات الثقافية التي شجعتها بريطانيا لتفريغ طاقات السودانيين وإبعادهم عن التظاهر والعمل السياسي، كما تم طرد الجيش المصري من السودان، ثم تبعه طرد عدد كبير من الموظفين المصريين، كما أُبعد المدرسون المصريون الذين كان لهم دور بارز في نهضة التعليم بالسودان، ولمنع حدوث فراغ، تم تعيين عدد من المدرسين اللبنانيين والسوريين.

لكن في 7 يناير 1935 طرأ حدث غير اتجاه الأحداث؛ إذ أُبرمت الاتفاقية الفرنسية–الإيطالية التي أطلقت لإيطاليا حرية الحركة في إفريقيا، بعدها قرر “مو سوليني”، ديكتاتور إيطاليا، غزو إثيوبيا بهدف إحياء الإمبراطورية الرومانية بحيث تمتد من ليبيا إلى إثيوبيا، وكان ذلك يعني ضم السودان ضمن هذه الإمبراطورية، وكانت العقبة الوحيدة هي الوجود البريطاني في السودان، وردا على ذلك، أعلنت بريطانيا رفضها للغزو، واقترحت بدلاً من ذلك منح إيطاليا ممرا داخل إثيوبيا يصل بين مستعمرتيها، غير أن مو سوليني رفض هذا العرض.

أمام هذا الخطر، اتفقت بريطانيا مع مصر على التعاون لصد أي عدوان إيطالي محتمل على السودان، واستغلت مصر هذا الموضوع لمفاتحة بريطانيا في عودة الجيش المصري إلى السودان وهو ما تم لاحقا من خلال معاهدة 1936 التي وقعت في لندن بين “مصطفى النحاس باشا” والسير “لامبسون”.

(19) عودة الجيش المصري

فرضت بريطانيا سيطرتها المطلقة على السودان مستندة إلى اتفاقية عام 1899، التي نصت على أن يكون الحاكم العام انجليزي يمتلك السلطات المدنية والعسكرية والتشريعية، دون الرجوع إلى مصر في أي شأن، كما أن القوانين والقرارات الصادرة في القاهرة لا تطبق داخل السودان. وزاد الأمر سوءا حين أقدمت بريطانيا عام 1924 على تصفية الوجود المصري، فطردت الجيش والموظفين والمدرسين المصريين، وظل الحال هكذا حتى عام 1935عندما تسبب هلع بريطانيا من احتمال حدوث هجوم إيطالي علي السودان الي تقاربها مع مصر، فكانت معاهدة 1936 التي وقعها “النحاس باشا” مع “السير لامبسون”، والتي تضمنت بنودا تتعلق بالاستقلال والحماية، وقناة السويس، وأماكن تمركز القوات البريطانية.

لكن ما يعنينا في هذه الحلقات هو وضع السودان في المعاهدة حيث تم السماح بعودة الجيش المصري إلى السودان، واباحة الهجرة المصرية الي السودان وعدم التمييز بينهم وبين البريطانيين في العمل والتجارة، وتعيين ضابط مصري مساعدا للحاكم البريطاني.

لكن هذه المكاسب كانت شكلية، فقد نصت المعاهدة بأن تكون القوات المصرية في السودان تحت تصرف الحاكم الإنجليزي، لا القيادة المصرية، ما يعني استمرار السودان مستعمرة بريطانية يحرسها جنود مصريين من منافسي إنجلترا في الاستعمار، ويعملون تحت إمرة الحاكم الإنجليزي، وقد اكد هذا المعنى الفقرة التالية: “الحاكم العام سيبادر بالنظر في أمر عدد الجنود المصريين اللازمة للخدمة في السودان، والمواضع التي يقيمون بها، والثكنات اللازمة لهم” أي أن الحاكم البريطاني هو صاحب القرار في حجم القوات المصرية ومواقع انتشارها وإقامتها.

وهكذا، لم تغير معاهدة 1936 الوضع القائم منذ اتفاقية 1899؛ فمصر لم تحصل على سلطة فعلية في السودان، وكل ما استجد هو عودة كتيبة مصرية محدودة، وتعيين ضابط مصري سكرتيرا للحاكم العام كرمز شكلي لاستمرار الحكم الثنائي.
لكن، كيف نظر السودانيون أنفسهم إلى هذه المعاهدة؟..

المراجع:
1- كتاب (تاريخ السودان الحديث) – روبرت .او. كولينز – سنتا بربارا – لندن – جامعة كامبردج.
2- قصة الحكم الثنائي البريطاني-المصري في السودان – وليد بدران – بي بي سي نيوز .
3- مصر والنيل: السودان والمصالح – تامر ممدوح.
4- كتاب (فى أعقاب الثورة المصرية.. ثورة 1919)- الجزء الثالث- للمؤرخ عبدالرحمن الرافعى.
5- كتاب (مختصر تاريخ السودان الحديث) – للمؤرخ السوداني الدكتور مكي شبيكة- استاذ التاريخ بجامعة الخرطوم
6- قيام جمعية اللواء الأبيض وثورة 1924- محمد أحمد طه – قسم التاريخ، كلية التربية مروي، جامعة دنقلا- السودان- مجلة العلوم الاجتماعية- العدد 33 أيلول – سبتمبر 2024
7- كتاب (الغزو الإيطالي للحبشة والصراع الإوروبي في فترة ما بين الحربين العالميتين)- دكتور عبد الماجد يوسف – أستاذ التاريخ الأوروبي الحديث – جامعة الشارقة.
8- كتاب (السودان عبر القرون)- للمؤرخ السوداني الدكتور مكي شبيكة- أستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم .
9- الموقف المصري من الغزو الإيطالي لإثيوبيا – كريبسو ديالو – مترجم وباحث في العلوم السياسية المتعلقة بالشأن الأفريقي
شارك المقال: