آراء و تحليلات

الأكاديمية العسكرية و صياغة هوية الموظف المصري

من منظور السوسيولوجيا السياسية، يرى مراقبون أن هذا التوجه يندرج تحت ما يُعرف بـ "عسكرة المجال العام".

مشاركة:
حجم الخط:

تحليل: (محمد كمال/ آخر الكلام)

أثار التصريح الأخير للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حول الهدف من إلحاق الموظفين الجدد بالدولة في الأكاديمية العسكرية، نقاشاً واسعاً في أوساط الخبراء والمراقبين. السيسي الذي برر هذه الخطوة بضرورة “الانصهار” و”توحيد اللغة” بين موظفي الدولة، فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإدارة العامة في مصر، وما إذا كانت هذه الخطوة تمثل “هندسة اجتماعية” جديدة للجهاز الإداري.

عسكرة” المجال العام.. جدل التوقيت والهدف

من منظور السوسيولوجيا السياسية، يرى مراقبون أن هذا التوجه يندرج تحت ما يُعرف بـ “عسكرة المجال العام”. فبدلاً من التركيز على التدريب المهني التخصصي الذي يتطلبه العمل المدني، يتم استدعاء “المؤسسة العسكرية” كحاضنة لغرس الانضباط والولاء.

ويشير الخبراء إلى أن هذا التحول قد يكون سلاحاً ذا حدين؛ ففي حين يُنظر إليه كأداة لرفع كفاءة الانضباط، يرى آخرون أنه يقوض الثقافة البيروقراطية المدنية القائمة على التعددية والتخصص، ويستبدلها بثقافة “الامتثال” التي لا تتوافق بالضرورة مع طبيعة العمل الخدمي.

مخاوف من “التفكير الجماعي” (Groupthink)

أحد أبرز التحفظات التي طرحتها الأوساط الأكاديمية يتعلق بـ “توحيد اللغة”. ففي حين تبحث المؤسسات الحديثة عن التنوع لتعزيز الابتكار، يخشى مراقبون من أن فرض “لغة واحدة” و”قالب سلوكي موحد” قد يؤدي إلى ظاهرة “التفكير الجماعي“.

هذه الظاهرة، التي تدرسها علوم الإدارة، تؤدي غالباً إلى تراجع النقد البنّاء داخل المؤسسات، حيث يميل الموظفون إلى تهميش آرائهم الشخصية أو الخبرات التخصصية لصالح الامتثال للتوجهات العامة، مما قد يجعل الجهاز الإداري “منفذاً للتعليمات” بدلاً من كونه “محركاً للتطوير“.

الدولة “مُربياً” أم “صاحب عمل”؟

توقف محللون أمام عبارة “بنبقى معقولين” التي وردت على لسان الرئيس، واعتبروها تحمل دلالات أبوية تجاه الموظف العام. هذا الخطاب يعكس رؤية ترى الدولة في دور “المُربي” الذي يُقوّم سلوك الموظف، بدلاً من الرؤية الإدارية التقليدية التي ترى الدولة “صاحب عمل” يتعاقد مع كفاءات لتقديم خدمات محددة وفق معايير قانونية وفنية.

هل نحن أمام “بيروقراطية عسكرية”؟

في محاولة لتقييم هذا التوجه، يطرح خبراء الإدارة تساؤلات حول ما إذا كانت هذه “العسكرة الناعمة” ستؤدي إلى تحسين الأداء أم تعقيده. ويستحضر هؤلاء نظرية عالم الاجتماع ماكس فيبر حول البيروقراطية العقلانية، التي تُبنى على التخصص والقواعد المحددة، محذرين من أن طغيان الهوية المؤسسية العسكرية على الهوية المدنية قد يؤدي إلى بطء في اتخاذ القرارات التي تتطلب مرونة إدارية عالية.

يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه الشارع الإداري والسياسي: هل ستنجح هذه “الخلاطة المؤسسية” في خلق جهاز إداري أكثر كفاءة وانضباطاً؟ أم أنها ستقيد الإبداع المؤسسي؟

في انتظار نتائج هذه التجربة على أرض الواقع، يتفق الخبراء على أن نجاح أي إصلاح إداري يعتمد بالأساس على “تعدد الأصوات” و”الاستقلالية المهنية”، وهو التحدي الحقيقي الذي يواجه الإدارة المصرية في المرحلة المقبلة.

 

شارك المقال: