مقالات
السفير معصوم مرزوق
السفير معصوم مرزوق

دبلوماسي وسفير سابق

سماسرة الثورة

لقد تفتحت الزهور في ميدان التحرير، فانتشر الشذي بطول مصر وعرضها ، إلا أن تلك الزهور الذكية تحتاج أيضاً إلي أن تشرع أشواكها كي لا تقطف قبل أوانها

مشاركة:
حجم الخط:

 

لا زلت أتذكر إطلالاته عبر الفضائيات العربية والأمريكية وهو يحض علي ذبح العراق، وفي مرات أخري يبرر ويفسر الفساد والإفساد، ويكاد لعابه بين شدقيه يكشف سائل البترو/دولار مختلطاً بدماء أطفال العراق.

أنه “المثقف” النطًاط الذي لا يستقر علي مبدأ أو موقف ، ولا يعرف الخجل،

كنت – ولا زلت – أري هذا النوع من ” المثقفين ” كنوع من السماسرة ، فالسمسار يسعي بكل وسيلة للترويج لسلعة حتي وإن كانت فاسدة، وهو وسيط كل ما يهمه هو أن يحصل علي “عمولته” أو “عمالته” من الطرفين، والقواد يلعب هذا الدور أيضاً حين يتوسط في بيع “الشرف”

كنت أنتظر ” إطلالة ” هذا السمسار وأشباهه بعد 11 فبراير الماضي ، ولم يخيب ظني ، فقد سارع بالظهور كي يحلل ويفلسف ما دار في ” المحروسة ” ، وبما يتناقض بشكل كامل مع تحليلاته وفلسفاته السابقة علي مر السنين قبل هذا التاريخ ..

يعتمد هذا ” المثقف ” النطاط في نجاحه كسمسار علي ضعف ذاكرة الناس ، فمن لديه القدرة أو الوقت أو حتي الإهتمام لمراجعة كل ما قاله أو كتبه ذلك السمسار ، وحتي إذا واجهه أحد بمواقفه السابقة فأنه يغمض عينيه وقد يدمع أسفاً وهو يدعي الوقوع في خديعة أو مؤامرة ، مبدياً الندم وراجياً المغفرة، والناس في بلادنا قلوبهم طيبة، جد طيبة.

تلك الأقلام الحربائية التي تزغرد الآن فوق السطور مهللة بثورة الشباب وإدعاء الحكمة بأثر رجعي، سقط عنها برقع الحياء.

لقد أسهمت سطوركم المسمومة في خداع الحاكم والمحكوم، فكم زينتم للحاكم سطوته وتباريتم في التفسير والتضليل، فظن أهل الحكم أنهم لا ينطقون عن الهوي، وأن جموع الشعب راضية سعيدة هانئة، وكيف لا، إذا كانت النخب المعتبرة تعكس – زيفاً وإدعاءاً – سعادة الشعب بحكمة الحاكم وعدله، ولم تتأخروا في وضع الكثير من السم في القليل من العسل كي تخدروا عقول الأمة ووعيها، وكيف لا ، والناس تتطلع إليكم بإعتباركم أفضل العقول وأخلص القلوب.

انقلبت تلك السطور الآن كي تخلع ثوبها القديم مسارعة بوضع الثوب الجديد قبل ضبطها عارية مفضوحة، وكان أشرف لها لو اكتست ببعض حمرة الخجل وتمسكت بمواقفها السابقة، لو احترمت عقول القراء واعتذرت بوضوح عن جرائم القلم السابقة، أن تلك الأقلام السمسارة مثلها مثل النظام القديم يجب أن تختفي.

أخشي أن الأمر يبدو وكأن روح الثورة قد انطلقت مثل سهم ، فسقط ” النظام ” جثة هامدة، وبينما واصلت الروح إنطلاقها إلي عنان الآفاق، تزاحم “السماسرة” حول ما تبقي من “جيفة” السلطة الخامدة يتعاركون ويتدافعون، يلعقون ديدانها من أجل الظفر بنصيب من الفريسة.

من اللافت للنظر أن كل الأغنيات والأناشيد هذه الأيام هي ميراث فترة الستينات، ومرحلة عبور قناة السويس، وأظن أنها ملحوظة جديرة بالإهتمام، فهي تؤكد أنه في زمن السماسرة عجز الفن والإبداع أن يقدم أي إلهام وطني ذي قيمة، وعندما انطلقت روح مصر، كان عليها أن تغترف من مخزونها الحقيقي الذي كان مدفوناً تحت ركام من العفن.

أن زمن التطهير لا بد أن يبدأ فوراً ، قبل أن تلتف ثعابين الحواة حول طفل الخلاص البريئ ، ولا أعني بالطبع محاكم التفتيش ونصب المشانق، وإنما الفرز الصحي الذي يضمن تسليط الضوء علي هؤلاء السماسرة الخفافيش، كي يمكن عزلهم بعيداً عن الرأي والوعي العام، لأن شرف 25 يناير لا يمكن أن تلوثه رغبات الإنتقام أو تضيع وقته الثمين في متاهات صيد السحرة والسماسرة.

لقد تفتحت الزهور في ميدان التحرير، فانتشر الشذي بطول مصر وعرضها ، إلا أن تلك الزهور الذكية تحتاج أيضاً إلي أن تشرع أشواكها كي لا تقطف قبل أوانها، وهي مهمة ثقيلة ولكنها ضرورية، لأن النقاء الثوري يشبه لحظة تطهر لا تدوم طويلاً، وحين ينصب سوق الصفقات السياسية سوف يسارع السماسرة المحترفون كي يروجوا لأسوأ بضاعة وأرخصها، وهم يجيدون ذلك ، وقد فعلوه كثيراً ، ويكفي النظر إلي تاريخنا الحديث كي ندرك هذه الحقيقة، فقد كانت الحقبة الناصرية وهجاً ثورياً أضاء مصر وما حولها، وتحقق بقوة الدفع الثوري العديد من الإنجازات علي المستوي المحلي والإقليمي والدولي ، حتي تزاحم السماسرة حول قيادات الثورة حتي اصطدم قطارها بهزيمة منكرة في يونيو 1967، وفي مايو 1971 أعلن السادات “ثورته” علي مراكز القوي، وانطلق إلي عبور مجيد عام 1973، ثم .. ثم سارع السماسرة مرة أخري كي يلتفوا علي السلطة وينتزعوا ثمار دماء الشهداء ويرصونها أرصدة في بنوكهم.

لقد حدث ذلك مع كل الثورات تقريباً، والأسباب عديدة، أهمها أن الثوري الحقيقي يتعفف عن التنازع حول “جيفة ” السلطة، ويترفع علي المكاسب الأنانية الضيقة، ويتوهم أن لعبة السياسة تدار بقواعد مثالية، لذا يقال أن ” الثورة تأكل أولادها “

أحذر من هؤلاء السماسرة الذين بدأت رؤوسهم في الصعود، أنهم في الغرف المغلقة الآن يبرمون الصفقات ويحددون مقدار العمولة والعمالة، يعصرون نفس الخمور القديمة كي يعبئوا بها قوارير جديدة، ثم يصبوا منها في عقول الناس، يحملون رايات الثورة ، ويتجرعون بعض إكسير الشجاعة كي يتصدروا المشهد بمعسول الكلام ووردي الوعود ..

أن الغفران ممكن ، ولكن النسيان خطيئة، فمن شيمة الفرسان أن يغفروا للعدو المنكسر المنهزم، ولكن من الغفلة أن يتعامي الفرسان في نشوة النصر عن حماية مواقعهم، فتتكرر أخطاء وانتكاسات الماضي، وأرجو من شبابنا الطاهرين ألا يستمعوا لصوت الحكمة المزعومة من شفتين اكتهلا، تباً لخيول العجز وأبقار الزمن الماضي وقرود السلطان، تباً لسماسرة العهد الماضي والحاضر والمستقبل، تباً لبائعي الخوف والخنوع في أسواق العبيد.

أيها الأبناء: خطوة صغيرة للخلف كي تتأملوا إلي المشهد كله، وتتضح لكم محافل السماسرة، تاريخهم مسطور عبر السنين مهما حاولوا اليوم محوه وإخفاؤه، خطوة للخلف كي تقرأوا من زيفوا وعي الناس، وسجدوا للسلطان كي يلقي لهم بكيس عمولتهم أو عمالتهم، أنتم أذكي من أن تسقطوا في نفس الحفرة التي سقط فيها آباؤكم.

(مقال  نشرته في مارس 2011 ويحمل معان كثيرة دالة ولا تخفي علي القارئ الحصيف)

شارك المقال: