مقالات
د. عبود مصطفى عبود
د. عبود مصطفى عبود

كاتب وباحث

سادة التلاوة (9) عاصم بن أبي النجود 

المدرسة الكوفية في طورها الأول كانت متأثرةً بأثر ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما، وتميل في بعض أصولها إلى وجوه أداءٍ معينة، مع التزامها الكامل بالرسم العثماني

مشاركة:
حجم الخط:

الإمام القارئ عاصم بن أبي النجود رحمه الله، وهو من أئمة القراءة بالكوفة، ومن طبقة التابعين؛ فقد أدرك جماعة من الصحابة وأخذ عن كبار التابعين، فكان سنده قريبًا من عصر النبوة، بوسائط قليلة معروفة في كتب هذا الشأن.

هو عاصم بن بهدلة الأسدي الكوفي. و”بهدلة” اسم أمه، وأما “أبو النجود” فهي كنية أبيه، فاشتهر بالنسبة إليها. وهذه من دقائق الضبط في التراجم التي تُذكر صيانةً للاسم وتمييزًا له عن غيره.

أخذ عاصم القراءة عرضًا وتلقيًا عن التابعي الجليل أبو عبد الرحمن السلمي، ولازمه زمنًا، كما أخذ عن زر بن حبيش. وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على عدد من الصحابة، منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وجلس يُقرئ الناس في مسجد الكوفة زمنًا طويلًا ذُكر أنه بلغ نحو ستين سنة. كما يتصل سند زرٍّ بأثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وبهذا تجتمع في قراءة عاصم آثار المدرسة الكوفية المبكرة، بسندٍ متصلٍ معروف.

والمدرسة الكوفية في طورها الأول كانت متأثرةً بأثر ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما، وتميل في بعض أصولها إلى وجوه أداءٍ معينة، مع التزامها الكامل بالرسم العثماني. وهي — كغيرها من مدارس الأمصار — لم تكن “مذهبًا” بالمعنى الاصطلاحي المتأخر، بل كانت دائرة تلقٍّ واستقرار أداء في بلدٍ بعينه، يتشكل عبر السند والملازمة.

ومن أشهر من أخذ عنه القراءة راويان استقر بهما نقل قراءته في كتب القراءات: شعبة بن عياش وحفص بن سليمان. وكان شعبة أسنَّ من حفص وأقدم أخذًا، حتى نقل أهل الفن تفضيله في الضبط عن بعض النقاد؛ فقد عُرف عند طائفة منهم أنه أضبط لقراءة عاصم. غير أن رواية حفص انتشرت انتشارًا أوسع في العصور اللاحقة لأسباب تعليمية وتاريخية، منها اشتغاله بالإقراء في بغداد، ثم اعتماد المصاحف المطبوعة في الدولة العثمانية لروايته، فغلبت في أكثر بلاد المسلمين. وهذا الانتشار لا يدل في ذاته على تفضيلٍ في أصل القراءة، بل هو نتيجة مسار النقل والتدريس عبر القرون.

وقد أُدرجت قراءة عاصم ضمن القراءات السبع التي دوّنها ابن مجاهد في القرن الرابع الهجري، ثم ضمن العشر عند من وسّع الدائرة. وهذا الإدراج عملٌ اصطلاحي متأخر، لا يغيّر من حقيقة أن عاصمًا في عصره كان إمام قراءة بالكوفة، له اختيار مستقر في الأداء، تلقاه عنه أصحابه، ثم نُقل بالسند جيلاً بعد جيل.

وقراءته — كسائر القراءات المتواترة — توافق قراءات الأئمة الآخرين في جملة الأصول الكلية، من حيث الالتزام بالرسم العثماني وأمهات قواعد الأداء، وإنما يقع الاختلاف في بعض الأصول الجزئية وفي فرش الحروف، أي في مواضع مخصوصة من الكلمات التي يحتملها الرسم. وهذه الاختلافات منقولة بالسند، داخلة في دائرة الأداء المأثور، لا اجتهادًا لغويًا مجردًا.

وخلاصة القول: إن عاصم بن أبي النجود يمثل حلقةً مركزية في تاريخ التلاوة بالكوفة، جمع بين قرب السند، واستقرار الاختيار، وتكوين طبقة من الرواة حملوا قراءته إلى الأجيال اللاحقة. ومكانته في مشروع “سادة التلاوة” ثابتة باتصال نقله، وببقاء قراءته حيّة في الأمة إلى يوم الناس هذا، دون مبالغة في المدح، ودون إسقاطٍ لمفاهيم متأخرة على زمنه.

شارك المقال: