كاتب وكتاب

سادة التلاوة(5) سالم مولى حذيفة رضي الله عنهما

مع هذه المكانة الثابتة بالنصوص، لا يُعرف لسالم قراءة منسوبة إليه بسند مستقل، ولا مدرسة قرائية تشكّلت حوله بعد عصر الصحابة. ووفاته المبكرة — باستشهاده في اليمامة

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: د. عبود مصطفى عبود

في سياق مشروع “سادة التلاوة”، وبعد تناول من ثبتت لهم المرجعية القرآنية بالنصوص الصحيحة، ننتقل إلى ترجمة الصحابي الجليل سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه، أحد الأربعة الذين أُحيل إليهم في الحديث الصحيح في باب الأخذ والتلقي.

ثبت في “الصحيح” من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل». وهذه شهادة نبوية صريحة في باب التلقي، لا تحتمل التأويل، ولا تُحمَّل أكثر مما تدل عليه. فدلالتها أن سالمًا كان في حياة النبي ﷺ مرجعًا في أخذ القرآن أداءً وضبطًا، بحيث يُحال إليه من أراد التلقي الصحيح.

وأما نسبه، فهو سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة رضي الله عنه. وكان أبو حذيفة بن عتبة قد تبنّاه في الجاهلية، فلما نُسخ التبنّي بقوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} عاد إلى نسبة الولاء، فقيل: سالم مولى أبي حذيفة. ووصف “المولى” هنا وصف اجتماعيٌّ لا ينقص من قدره شيئًا، بل إن ورود اسمه في حديث الأخذ مع كبار الصحابة دليل بيّن على أن معيار المرجعية في القرآن كان الضبط والإتقان، لا الحسب ولا النسب.

وكان سالم من السابقين إلى الإسلام، ومن المهاجرين، وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ. وقد ثبت في “الصحيح” أنه كان يؤمّ المهاجرين الأولين في مسجد قباء، وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك قبل قدوم النبي ﷺ إلى المدينة. وهذه الواقعة ذات دلالة علمية دقيقة؛ إذ تقديمه للإمامة في الصلاة — مع وجود كبار الصحابة — يدل على تقدّمه في حفظ القرآن وجودة أدائه. وقد ثبت في “صحيح مسلم” من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يؤمُّ القومَ أقراؤهم لكتاب الله». فهذا النص هو الميزان الذي يُفهم في ضوئه تقديم سالم رضي الله عنه للإمامة؛ إذ إن الإمامة لم تكن تُناط بالاعتبارات الاجتماعية أو بالسنّ المجرد، بل بالأقرأية، أي بالأضبط أداءً والأكثر حفظًا.

وكان سالم من أهل الصُّفّة، وهم طائفة من فقراء الصحابة كانوا يقيمون في مسجد النبي ﷺ، ملازمين له، مشتغلين بالعلم والقرآن. وذكر انتمائه إلى هذه الفئة يضيء بيئته العلمية؛ إذ كانت الصُّفّة من المواطن التي كثر فيها حفظ القرآن ومدارسه، دون أن يُزاد على ذلك ما لم يثبت بنص خاص في شأنه.

واستُشهد سالم رضي الله عنه في وقعة اليمامة سنة 12هـ في خلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ومقتله في هذه المعركة ليس تفصيلاً تاريخيًا عابرًا؛ إذ كانت اليمامة من المواطن التي قُتل فيها عدد كبير من القرّاء، وكان ذلك من الأسباب المباشرة التي دفعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الإشارة على أبي بكر بجمع القرآن خشية ذهاب شيء منه بموت حفظته. فذكر سالم في شهداء اليمامة يضعه ضمن طبقة الحفّاظ الذين كان لفقدهم أثر في تاريخ الجمع الأول.

ومع هذه المكانة الثابتة بالنصوص، لا يُعرف لسالم قراءة منسوبة إليه بسند مستقل، ولا مدرسة قرائية تشكّلت حوله بعد عصر الصحابة. ووفاته المبكرة — باستشهاده في اليمامة — تفسّر ذلك تفسيرًا تاريخيًا طبيعيًا. ومكانته إنما تثبت بالشهادة النبوية الصريحة، وبالوقائع العملية الثابتة، لا بوجود رواية مدونة متأخرة.

وقد رُويت عنه بعض الآثار الجزئية في القراءة في كتب التفسير والقراءات؛ فقد يورد محمد بن جرير الطبري في “تفسيره” بعض الأوجه منسوبة إلى عدد من الصحابة والتابعين، ومنهم سالم، كما يذكر ابن خالويه في مختصره وجوهًا من القراءات منسوبة إلى بعض الصحابة. وهذه الروايات من قبيل الآثار الآحادية الجزئية، لا تُثبت طريقًا متصلًا مستقلًا، ولا ترقى إلى مرتبة التواتر، وإنما تُدرس في إطارها الإسنادي المحدود، مع التفريق الصارم بين القراءة المتواترة وبين الوجه التفسيري أو الأثري.

وخلاصة القول: إن سالمًا رضي الله عنه مثال واضح على أن المرجعية القرآنية في عصر النبوة كانت تقوم على الحفظ المتقن، والملازمة، وجودة الأداء، لا على الاعتبارات الاجتماعية. وقد ثبتت له هذه المرجعية بنص صحيح صريح، وبأثر عملي ثابت، وبشهادة جيله.

وبهذا تتكامل — مع ترجمة أبي بن كعب رضي الله عنه — صورة الجيل المؤسس الذي حمل القرآن عن النبي ﷺ مباشرة، وأقرأ به الأمة في حياته، ومهّد الطريق لمن جاء بعدهم من التابعين الذين ستتبلور على أيديهم لاحقًا ملامح علم القراءات تدوينًا واصطلاحًا.

رضي الله عنهم أجمعين، وجزاهم عن القرآن وأهله خير الجزاء.

شارك المقال: