مقالات

سادة التلاوة (معاذ بن جبل) 4

ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن قاضيًا ومعلّمًا، وهي واقعة ذات دلالة قوية؛ إذ إرساله منفردًا إلى بلدٍ بعيدٍ ليعلّم الناس دينهم يدل على ثقةٍ بعلمه وضبطه

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: د. عبود مصطفى عبود

معاذ بن جبل رضي الله عنه
إذا تتبعنا النصوص الصحيحة الواردة في باب التلقي عن الصحابة، نجد أن الاسم الرابع الذي يثبت بنصٍّ صريح هو: معاذ بن جبل رضي الله عنه. وقد سبق الكلام في حلقات سابقة عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب، ويأتي الآن دور الرابع المذكور في الحديث الصحيح.

فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل». وورود اسم معاذ في هذا النص النبوي يضعه في طبقةٍ مخصوصة يُشار إليها في باب التلقي والضبط، بحيث يُرجع إليهم في أخذ القرآن أداءً وإتقانًا. ودلالة الحديث واضحة في الإحالة إلى مرجعيةٍ تعليمية في عصر النبوة، لا في إنشاء مذهبٍ قرائيٍّ مستقل، ولا في تأسيس مدرسةٍ اصطلاحية كما استقر لاحقًا في علم القراءات.

معاذ بن جبل من الأنصار، شهد بيعة العقبة، وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ، وعُرف بالعلم والفقه. وقد قال فيه النبي ﷺ: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل». وهذه الشهادة تتصل بفقهه وفقاهته في الأحكام، لكنها تدل كذلك على سعة علمه بالنصوص، ومن جملتها القرآن؛ إذ كان القرآن هو أصل الاستنباط ومادة العلم في تلك المرحلة. ولم يكن التفريق بين “قارئ” و“فقيه” بالمعنى الاصطلاحي المتأخر قائمًا في زمن الصحابة، بل كان العلم بالقرآن متداخلًا مع الفقه والعمل.

وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن قاضيًا ومعلّمًا، وهي واقعة ذات دلالة قوية؛ إذ إرساله منفردًا إلى بلدٍ بعيدٍ ليعلّم الناس دينهم يدل على ثقةٍ بعلمه وضبطه، ومن ذلك تعليمه القرآن.

غير أن المنهج العلمي يقتضي ألا نُحمّله ما لم يثبت بنصٍّ خاص؛ فلا نقول إنه أنشأ “مدرسة يمنية” في القراءة بالمعنى الاصطلاحي، بل نقول: كان من أوائل من نقلوا القرآن تعليمًا من المدينة إلى خارجها في حياة النبي ﷺ. وقد عرفت اليمن في العصور اللاحقة قراءً وعلماء، لكن لا يثبت بسندٍ متصل قيام سلسلة قرائية منسوبة إلى معاذ على نحو ما اشتهر في الكوفة مثلًا مع ابن مسعود رضي الله عنه.

وتوفي معاذ بن جبل رضي الله عنه في خلافة عمر بن الخطاب سنة 18 هـ في طاعون عمواس بالشام، أي قبل جمع المصحف في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، مما يقطع الطريق على أي توهّم بوجود موقف خاص له في مرحلة توحيد المصاحف. فهو من طبقةٍ سبقت ذلك التطور التاريخي.

ومن المهم التنبيه إلى أن حديث «خذوا القرآن من أربعة» لا يدل على حصر الإتقان في هؤلاء الأربعة، ولا على نفيه عمن سواهم من كبار الصحابة، وإنما يدل على أنهم كانوا في طبقةٍ يُحال عليهم في التعليم والتلقي بحسب ما اقتضاه الحال في زمن النبوة.

خلاصة منزلته أنه جمع بين العلم بالقرآن، والفقه في الدين، ومهمة التعليم خارج المدينة في حياة النبي ﷺ، فكان من النخبة القرآنية التي أشار إليها النص الصحيح. وبذلك تكتمل طبقة الأسماء الأربعة الواردة في حديث الأخذ: فهم جميعًا يمثلون النخبة القرآنية التي أشار إليها النبي ﷺ، ويشكّلون معًا اللبنات الأولى في بناء التلقي القرآني في الأمصار المختلفة، ضمن منهجٍ جماعيٍّ حافظٍ لوحدة النص، وبعيدٍ عن أي إسقاطٍ اصطلاحيٍّ متأخر.

د. عبود مصطفى عبود
الباحث والروائي
شارك المقال: