مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

زلـــــــــــــزال هــــــــــــــــرمز (7)الحرب التي لم تبدأ الآن ياولدي

كنت أجلس في الشرفة حين جاء نوار يحمل هاتفه، وعيناه غارقتان في سيل الأخبار والتحليلات. نوار ليس شابًا عاديًا في مثل عمره.. هو ابن جيل نشأ في عالم مفتوح على المعلومات.

مشاركة:
حجم الخط:

حــــــــــــــــــوار مع نــــــــــــــــــــوار (1)

في تلك الليلة، لم تكن شاشة الأخبار مجرد نافذة على الأحداث.
كانت أشبه بمرآة تعكس تاريخًا كاملاً من التوترات التي تراكمت في الشرق الأوسط لعقود طويلة.
كنت أجلس في الشرفة حين جاء نوار يحمل هاتفه، وعيناه غارقتان في سيل الأخبار والتحليلات.
نوار ليس شابًا عاديًا في مثل عمره.. هو ابن جيل نشأ في عالم مفتوح على المعلومات.
نصفه مصري من جهتي، ونصفه الآخر لبناني من شمال لبنان من جهة أمه , وقد تشكّلت رؤيته السياسية في بيئة لبنانية سنيّة تنظر بعين نقدية إلى حزب الله والنفوذ الإيراني في لبنان.
لهذا كان موقفه من إيران واضحًا منذ البداية: رفض سياسي وعاطفي في آنٍ واحد.
لكن ما يميّز نوار أنه لا يكتفي بالمواقف… بل يبحث دائمًا عن تفسير أعمق للأحداث.
جلس قبالتي وقال مباشرة: أبي… هل ما يحدث الآن حرب فعلًا؟ أم أننا نشهد فقط بداية صراع أكبر سيغيّر المنطقة كلها؟
 نظرت إليه قليلًا قبل أن أجيب.. قلت بهدوء: الحروب الكبرى يا نوار لا تبدأ عندما تُطلق أول صاروخ .. هي تبدأ عندما يختل التوازن الاستراتيجي بين القوى.
ثم أضفت: ما نراه الآن هو نتيجة تراكم طويل من ثلاثة ملفات انفجرت معًا:
1. البرنامج النووي الإيراني
2. الصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل
3. التحول في توازن القوة في الشرق الأوسط بعد الحروب العربية والانهيارات الإقليمية
فكر نوار قليلًا ثم قال: لكن اغتيال المرشد وضرب القيادات الإيرانية في الساعات الأولى…
هذا يعني أن الهدف كان إسقاط النظام نفسه، أليس كذلك؟

قلت: ليس بالضرورة.. أحيانًا يكون الهدف كسر القدرة على الرد وليس إسقاط الدولة.
لكن المشكلة أن إيران ليست دولة تقليدية في حسابات الحرب.
هي دولة بنت خلال أربعين عامًا نظام ردع غير تقليدي يعتمد على:
• الصواريخ الباليستية
• الطائرات المسيّرة
• شبكة حلفاء إقليمية
• وأدوات ضغط اقتصادية أهمها
• مضيق هرمز


ابتسم نوار ابتسامة خفيفة وقال: لكن هذا لا يغير حقيقة أن كثيرًا من العرب لا يتعاطفون مع إيران.
أنا مثلاً – وأنت تعرف ذلك .. نشأت في بيئة لبنانية تعتبر حزب الله سببًا في إدخال لبنان في حروب لا يريدها.
قلت له: وهذا موقف مفهوم , لكن في السياسة الدولية لا يكفي أن نسأل:من نحب ؟ السؤال الحقيقي هو: ما الذي سيحدث إذا اختفى أحد أطراف التوازن ؟
كان نوار يتابع الأخبار بصمت للحظة، ثم التفت إليّ وقال بنبرة تجمع بين الحيرة والحدة:
أبي… أنت تتحدث عن التوازن الإقليمي، لكن ماذا عن لبنان؟ أنا نشأت في الشمال اللبناني، وأعرف جيدًا كيف ينظر كثير من اللبنانيين إلى حزب الله وإيران , أليست هذه العلاقة نفسها سببًا في هشاشة الدولة اللبنانية؟
ابتسمت قليلاً قبل أن أجيب، لأن السؤال كان في صميم المعضلة اللبنانية منذ عقود: العلاقة بين إيران وحزب الله يا نوار ليست مجرد علاقة سياسية عابرة، بل هي واحدة من أكثر العلاقات الاستراتيجية تشابكًا في الشرق الأوسط , فحزب الله نشأ أساسًا في سياق إقليمي محدد .. في أوائل الثمانينيات، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، بدأت مجموعات لبنانية شيعية تتشكل في إطار مقاومة الاحتلال، وفي تلك اللحظة دخلت إيران على الخط عبر الحرس الثوري الذي أرسل مستشارين إلى منطقة البقاع، فكانت تلك بداية العلاقة التي ستتحول لاحقًا إلى تحالف استراتيجي طويل الأمد، لكن مع مرور الوقت، تطورت العلاقة من *دعم عسكري محدود* إلى شبكة أوسع تشمل:
• دعم مالي
• تدريب عسكري
• تنسيق سياسي
• وارتباط عقائدي وفكري.

هز نوار رأسه قليلاً وقال: لكن المشكلة أن هذا التحالف جعل حزب الله قوة عسكرية أكبر من الدولة نفسها.
قلت: وهنا تكمن المعضلة اللبنانية .. فلبنان دولة صغيرة ذات تركيبة طائفية معقدة، وأي قوة عسكرية كبيرة خارج إطار الدولة تؤثر بالضرورة على توازنها الداخلي.
من جهة، يرى أنصار حزب الله أن الحزب يشكل قوة ردع ضد إسرائيل وأنه حمى لبنان في أكثر من مواجهة , ومن جهة أخرى، يرى خصومه أن وجود سلاح خارج سلطة الدولة يضعف مؤسساتها ويجعل لبنان جزءًا من صراعات إقليمية لا يملك قرارها.
تنهد نوار قليلاً وقال: وهذا ما يشعر به كثير من اللبنانيين، أن لبنان أصبح ساحة لصراعات الآخرين.
قلت بهدوء: هذا الشعور ليس جديدًا .. فلبنان منذ الاستقلال يعيش دائمًا على تقاطع صراعات إقليمية ودولية: العربية، والإسرائيلية، والإيرانية، وحتى الدولية .. لكن العلاقة بين إيران وحزب الله جعلت لبنان جزءًا من معادلة الردع الإقليمية التي تقودها طهران , وهذا يعني أن أي مواجهة كبرى بين إيران وخصومها يمكن أن تنعكس فورًا على الساحة اللبنانية.
سكت نوار قليلاً ثم قال: إذن لبنان يصبح تلقائيًا جزءًا من الحرب حتى لو لم يرد ذلك؟
قلت: في كثير من الأحيان… نعم .. لأن حزب الله ليس مجرد حزب لبناني، بل هو أيضًا جزء من شبكة إقليمية تمتد عبر عدة جبهات .. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن فهم هذه العلاقة فقط من زاوية الصراع .. ففي نظر طهران، يشكل حزب الله أحد أعمدة استراتيجيتها الدفاعية في المنطقة، بينما يرى الحزب نفسه جزءًا من مشروع مقاومة أوسع .. المشكلة أن هذه المعادلة تضع الدولة اللبنانية في وضع صعب .. فالدولة تحتاج إلى:
 احتكار السلاح
 استقرار سياسي
 علاقات متوازنة مع العالم
بينما الصراعات الإقليمية تدفع لبنان مرارًا إلى حافة الأزمات.
نظر نوار إلى الأفق قليلاً وقال: أحيانًا أشعر أن لبنان يشبه سفينة صغيرة في بحر عاصف.
ابتسمت وقلت:هذا وصف دقيق .. فلبنان يمتلك مجتمعًا حيًا وثقافة سياسية نشطة، لكنه يعيش دائمًا تحت ضغط التوازنات الإقليمية.
ولهذا فإن مستقبل لبنان لن يتحدد فقط داخل بيروت… بل أيضًا في العواصم التي تتصارع حول المنطقة.

وساد بيننا صمت قصير، بينما كانت الأخبار القادمة من الخليج تتحدث عن تصاعد التوتر في مضيق هرمز.
حينها أدركت أن السؤال اللبناني الذي طرحه نوار ليس معزولًا عن بقية المنطقة.
ففي الشرق الأوسط، كل الملفات…
تعود في النهاية إلى بعضها البعض.
سكت نوار لحظة، ثم قال: تقصد أن سقوط إيران قد يخلق فراغًا خطيرًا في المنطقة؟
قلت: بالضبط , فإيران ليست مجرد دولة.. إنها:
دولة كبيرة ديموغرافيًا
قوة عسكرية إقليمية
عقدة جغرافية بين آسيا والشرق الأوسط
ومحور شبكة تحالفات تمتد من العراق إلى لبنان واليمن.
إذا انهارت فجأة، فلن تسقط وحدها .. بل قد تسقط معها معادلة التوازن الهشة في الشرق الأوسط.
نظر نوار إلى الأفق قليلًا ثم قال: لكن الرد الإيراني كان واسعًا… أكثر مما توقع كثيرون.
قلت: وهنا دخلنا المرحلة الأخطر من الحرب , لأن إيران أرادت أن تقول شيئًا واضحًا: إن هذه الحرب لن تبقى داخل حدودها.
ثم توقفت لحظة وقلت: والرسالة الأكبر لم تكن في الصواريخ… بل في مكان واحد فقط.
رفع نوار رأسه بسرعة : مضيق هرمز؟
ابتسمت : نعم.. ففي الجغرافيا السياسية، يا نوار، هناك أماكن صغيرة يمكنها أن تهز العالم كله.
ومضيق هرمز أحد هذه الأماكن.
نوار: أشعر أن المنطقة كلها تقف الآن على حافة شيء كبير.
قلت له: وهذا ما سنحاول فهمه…
ليس فقط كيف بدأت الحرب، بل إلى أين يمكن أن تقودنا.
وساد الصمت بيننا للحظات، بينما كانت الأخبار تتوالى على الشاشة، وكأن الشرق الأوسط كله يعيد كتابة تاريخه في تلك الساعات القليلة.
لكن الحوار الحقيقي مع نوار لم يبدأ بعد…
بل كان ينتظرنا في السؤال الأصعب.
من سينتصر… ومن سيدفع الثمن؟

شارك المقال: