زلزال هرمز (6) من مصدّق إلى هرمز

وهل عاد التاريخ من جديد؟
المشهد الأول: البرلمان الإيراني – طهران 1951
هناك لحظات في التاريخ لا تموت، بل تتخفّى ثم تعود بأقنعة جديدة. وحين يسأل الإيرانيون: “لماذا لا نثق في الغرب؟” فإن كثيرين منهم يعودون تلقائيًا إلى صيف 1953: رئيس منتخب يرفع راية السيادة على النفط، ثم يجد نفسه فجأة محاصرًا اقتصاديًا، مخترقًا إعلاميًا، ومُطاحًا بانقلاب رتّبته أجهزة استخبارات كبرى، لتعود السلطة إلى الشاه وتعود معها معادلة النفط القديمة. اليوم، ومع عودة الخليج إلى واجهة الاشتعال، وعودة “الممرات” وتهديدات الطاقة، يبدو السؤال مُلحًا: هل ما يحدث الآن امتداد لنفس منطق النفط… أم أن التاريخ يكرر نفسه بنسخة أشد قسوة؟
في صباح ربيعي من عام 1951، كانت القاعة الخشبية في البرلمان الإيراني تضجّ بأصوات النواب، بينما وقف رجل نحيل بملامح صارمة وعينين متعبتين من السهر الطويل، كان محمد مصدّق، الزعيم الوطني الذي أصبح رمزًا لحلم قديم في إيران: أن تستعيد البلاد ثروتها النفطية.

لم يكن النفط في تلك اللحظة مجرد مورد اقتصادي، بل كان قضية سيادة وطنية.
فمنذ اكتشاف النفط في بدايات القرن العشرين، ظلت شركة بريطانية – شركة النفط الأنجلو-إيرانية – تهيمن على الإنتاج والعائدات، بينما يحصل الإيرانيون على جزء ضئيل من أرباح ثروة تخرج من أرضهم.
رفع مصدّق صوته داخل البرلمان قائلاً إن الوقت قد حان لأن يصبح النفط ملكًا للشعب الإيراني. وبعد نقاشات عاصفة، صوّت البرلمان على تأميم صناعة النفط. في تلك اللحظة، بدا وكأن إيران فتحت صفحة جديدة في تاريخها.. في مارس 1951 صوّت البرلمان الإيراني على تأميم صناعة النفط التي كانت تهيمن عليها شركة Anglo-Iranian Oil Company (AIOC)، وتأسست شركة النفط الوطنية الإيرانية لاحقًا. كان محمد مصدّق رأس الحركة الوطنية وأصبح رئيسًا للوزراء، واعتبر التأميم استعادة للسيادة والثروة الوطنية.
لكن القرار الذي بدا انتصارًا وطنيًا داخل طهران كان يُقرأ في لندن وواشنطن على نحو مختلف تمامًا.

المشهد الثاني: مصافي عبدان – بداية العاصفة
على الضفة الأخرى من الخليج، كانت مصفاة عبدان، أكبر مصفاة نفط في العالم آنذاك، تعمل كمدينة صناعية عملاقة تديرها الشركة البريطانية.. عندما وصل قرار التأميم، دخلت بريطانيا في حالة من الصدمة السياسية والاقتصادية.
لم يكن النفط الإيراني مجرد استثمار عادي؛ كان ركيزة أساسية من ركائز النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط.
بدأت الضغوط فورًا: مقاطعة النفط الإيراني – حصار اقتصادي غير معلن – معارك قانونية في المحاكم الدولية – محاولات دبلوماسية لإجبار طهران على التراجع
لكن مصدّق ظل متمسكًا بقراره، مقتنعًا بأن استقلال إيران الحقيقي يبدأ من السيطرة على ثروتها.
هنا بدأت الأزمة تتحول من خلاف اقتصادي إلى معركة سياسية دولية.
المشهد الثالث: واشنطن تدخل اللعبة
في بداية الأزمة، لم تكن الولايات المتحدة متحمسة للتدخل المباشر , لكن مع تصاعد التوترات في طهران، واحتدام الصراع السياسي الداخلي، بدأ المسؤولون الأمريكيون ينظرون إلى إيران من زاوية مختلفة.
كان العالم يعيش ذروة الحرب الباردة، وكان شبح النفوذ السوفيتي يثير قلق واشنطن.. في تلك الأجواء، بدأ التفكير في أن استمرار الأزمة قد يفتح الباب لعدم الاستقرار في إيران… وربما لتغيير ميزان القوى في المنطقة.. وهكذا تحولت قضية النفط إلى ملف استخباراتي.
المشهد الرابع: عملية «أجاكس»… كيف أُزيح مصدّق عمليًا؟
لم يكن إسقاط حكومة محمد مصدّق نتيجة انتفاضة عفوية في الشوارع، كما حاولت بعض الروايات أن توحي لاحقًا. فخلف المشهد المضطرب في طهران كانت هناك عملية سرية تُدار بدقة من خلف الستار.
في صيف عام 1953، وضعت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA بالتعاون مع جهاز الاستخبارات البريطاني MI6 خطة لإزاحة مصدّق عُرفت باسم عملية “أجاكس” (Operation Ajax)، وهي واحدة من أشهر العمليات السرية في تاريخ الحرب الباردة.
الفكرة الأساسية لم تكن إرسال جيش أجنبي لإسقاط الحكومة، بل تفكيكها من الداخل عبر مزيج معقد من الأدوات السياسية والإعلامية والأمنية.
بدأت العملية أولًا بحملة واسعة لتشويه صورة مصدّق داخل إيران.. انتشرت مقالات في الصحف تتهمه بالفوضى الاقتصادية، وتُلمّح إلى أنه يقود البلاد نحو حكم استبدادي أو نحو النفوذ الشيوعي. في الوقت نفسه، جرى تمويل شخصيات سياسية وقيادات محلية لتنظيم مظاهرات معارضة في شوارع طهران.. لكن العنصر الحاسم كان الجيش.

ففي الخطة التي أعدها الضابط في الـCIA كيرميت روزفلت، حفيد الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، جرى العمل على كسب ولاء عدد من الضباط الإيرانيين الكبار، وإقناعهم بأن بقاء مصدّق يشكل خطرًا على استقرار البلاد.. في منتصف أغسطس 1953، تحركت الخطة إلى مرحلتها النهائية.
أصدر الشاه محمد رضا بهلوي مرسومًا يقضي بعزل مصدّق وتعيين الجنرال فضل الله زاهدي رئيسًا للوزراء بدلاً منه. في البداية فشلت المحاولة، وفرّ الشاه من البلاد مؤقتًا، وبدا أن مصدّق انتصر.
لكن العملية لم تنتهِ.
بعد أيام قليلة، عادت الاضطرابات إلى شوارع طهران. خرجت مظاهرات جديدة، واشتعلت الاشتباكات بين أنصار الحكومة وخصومها. وفي خضم الفوضى، تحركت وحدات من الجيش الموالية للشاه نحو منزل مصدّق.. دارت معركة قصيرة، ثم انهارت الحكومة.
في مساء ذلك اليوم، أُعلن أن مصدّق لم يعد رئيسًا للوزراء، وأن الجنرال زاهدي تسلم السلطة بدعم من الجيش. وبعد أيام عاد الشاه إلى طهران منتصرًا.
أما مصدّق، الرجل الذي حاول أن يجعل النفط رمزًا لاستقلال إيران، فقد اعتُقل ثم حُكم عليه بالإقامة الجبرية حتى وفاته.

وهكذا انتهت تجربة أول رئيس وزراء إيراني منتخب حاول كسر احتكار النفط… في عملية سرية أصبحت لاحقًا مثالًا كلاسيكيًا على تدخل الاستخبارات في تغيير مسار الدول.

المشهد الخامس: النفط يعود… ولكن بثمن
بعد الانقلاب، أعيد ترتيب صناعة النفط الإيرانية بطريقة تضمن استمرار النفوذ الغربي.. لم تعد الشركة البريطانية وحدها المسيطرة، لكن شركات أمريكية وغربية أخرى دخلت في تحالف جديد لإدارة النفط الإيراني.. كان ذلك انتصارًا استراتيجيًا للغرب في زمن الحرب الباردة، لكنه ترك جرحًا عميقًا في الذاكرة السياسية الإيرانية.
ذلك الجرح ظل مفتوحًا حتى انفجر بعد ربع قرن في الثورة الإيرانية عام 1979.
القفزة إلى الحاضر: الخليج ومضيق هرمز.. بعد أكثر من سبعين عامًا، يبدو المشهد مختلفًا… لكنه يحمل صدى الماضي.
النفط ما زال في قلب المعادلة… ومضيق هرمز أصبح الشريان الذي يمر عبره جزء ضخم من طاقة العالم.. لكن الفرق أن الصراع اليوم لم يعد بين شركة نفط ودولة، بل بين قوى إقليمية ودولية تتنافس على النفوذ والأمن والطاقة.
الصواريخ والطائرات المسيّرة، العقوبات الاقتصادية، وحروب الممرات البحرية أصبحت أدوات الصراع الجديدة.. ومع كل أزمة في الخليج، يعود السؤال القديم نفسه:
هل النفط نعمة اقتصادية… أم لعنة سياسية؟

الخلاصة : هل انتهى عصر الاستقرار النفطي؟
من البرلمان الإيراني عام 1951 إلى شوارع طهران عام 1953، ومن مصافي عبدان إلى مضيق هرمز اليوم، ظل النفط عنصرًا مركزيًا في صراعات الشرق الأوسط.
لكن العالم الذي عرف في العقود الأخيرة نوعًا من الاستقرار النسبي في أسواق الطاقة يبدو أنه يدخل الآن مرحلة مختلفة.. مرحلة يصبح فيها النفط مرة أخرى سلاحًا سياسيًا واستراتيجيًا، لا مجرد سلعة في الأسواق.
وهنا يبرز السؤال الذي يواجه العالم اليوم: هل انتهى عصر الاستقرار النفطي الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة…أم أن ما نشهده ليس سوى فصل جديد من قصة قديمة بدأت منذ أن اكتشف البشر أن تحت رمال الشرق الأوسط كنزًا قادرًا على تغيير ميزان العالم؟








