آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

زلزال هرمز (25) من يحكم الخليج في زمن الصواريخ؟

لم يعد الخليج العربي في هذه اللحظة التاريخية مجرد منطقة ثرية محاطة بالتوتر. أصبح قلبًا اقتصاديًا عالميًا مكشوفًا أمام معادلة جديدة تُعاد صياغتها تحت ضغط الصواريخ والطائرات المسيّرة.

مشاركة:
حجم الخط:

الأمن مقابل الاقتصاد في لحظة إعادة تشكيل إقليمي

لم يعد الخليج العربي في هذه اللحظة التاريخية مجرد منطقة ثرية محاطة بالتوتر.

 أصبح قلبًا اقتصاديًا عالميًا مكشوفًا أمام معادلة جديدة تُعاد صياغتها تحت ضغط الصواريخ والطائرات المسيّرة.

حيث لم تعد التهديدات نظرية أو بعيدة، بل تحولت إلى واقع مادي يفرض نفسه على حسابات الأمن والاستثمار والتخطيط الاستراتيجي.

هذا في وقت تتداخل فيه المصالح الاقتصادية الضخمة مع هشاشة جغرافية تجعل من الموانئ والمطارات والمنشآت الحيوية أهدافًا مباشرة.

وهو ما يطرح سؤالًا مركزيًا لم يعد قابلًا للتأجيل: هل يمكن الحفاظ على نموذج “الازدهار المفتوح” في بيئة أمنية غير مستقرة؟

دبي: مركز مالي عالمي… أم نموذج تحت الاختبار؟

على مدار العقدين الماضيين، نجحت دبي في بناء نموذج اقتصادي فريد قائم على الانفتاح والمرونة وتحويل الموقع الجغرافي إلى رافعة استراتيجية.

حيث أصبحت الإمارة مركزًا ماليًا ولوجستيًا يخدم ما يزيد عن 2.5 مليار نسمة ضمن نطاق جغرافي لا يتجاوز 8 ساعات طيران.

استطاعت أن تستقطب أكثر من 30 ألف شركة دولية، وأن ترفع حجم التجارة الخارجية غير النفطية إلى نحو 2.2 تريليون درهم (حوالي 600 مليار دولار) في 2023.

فيما تجاوزت أصول مركز دبي المالي العالمي (DIFC) حاجز 700 مليار دولار، وهو ما جعلها واحدة من أهم المراكز المالية الصاعدة عالميًا إلى جانب سنغافورة وهونغ كونغ.

لم يعد الحديث عن دبي كمركز مالي عالمي قائمًا على افتراض الاستقرار فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بقدرتها

على امتصاص صدمة أمنية انتقلت إلى صميم بنيتها الاقتصادية.

ذلك بعد استهداف ميناء جبل علي – الذي يُعد شريانًا حيويًا يمر عبره ما بين 13 و15 مليون حاوية سنويًا، ويخدم شبكة تجارة تتجاوز قيمتها 350 مليار دولار عبر إعادة التصدير.

في لحظة تزامنت مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية وقرابة 30% من تجارة الطاقة المنقولة بحرًا.

ذلك أدى إلى تداخل صدمة مزدوجة: صدمة لوجستية وصدمة طاقة في آن واحد.
التقديرات الأولية – استنادًا إلى نماذج تعطل الموانئ وسلاسل الإمداد – تشير إلى أن أي توقف جزئي في عمليات جبل علي بنسبة تتراوح بين 20% و30% لمدة أسبوعين فقط.

يمكن أن يترجم إلى خسائر مباشرة وغير مباشرة تتجاوز 8 إلى 12 مليار دولار، نتيجة تأخير الشحنات، وإعادة توجيه السفن، وارتفاع تكاليف التخزين.

بينما يؤدي استمرار الاضطراب لأكثر من شهر إلى مضاعفة هذه الخسائر لتتجاوز 25 إلى 40 مليار دولار على مستوى التجارة الإقليمية المرتبطة بالإمارات.

هذا ما بدأ ينعكس بالفعل في ارتفاع أسعار الشحن البحري في المسارات الخليجية بنسبة 35% إلى 60%.

وفي قفزة مماثلة في أقساط التأمين على المخاطر الحربية التي انتقلت من مستويات هامشية إلى ما يقارب 1% إلى 2% من قيمة الشحنة، وهي نسبة مرتفعة في عالم التجارة الدولية.
ولأن اقتصاد دبي ليس اقتصاد ميناء فقط، بل اقتصاد شبكة مترابطة، فإن الصدمة انتقلت سريعًا إلى قطاع الطيران، حيث يعتمد مطار دبي الدولي- الذي يتعامل في الظروف الطبيعية مع أكثر من 85 مليون مسافر سنويًا- على استقرار المجال الجوي الإقليمي.

مع تصاعد المخاطر، بدأت شركات الطيران في تعديل مساراتها ورفع تكاليف التشغيل.

هذا قد يترجم، في حال استمرار التوتر، إلى خسائر تتراوح بين 5 إلى 10 مليارات دولار سنويًا في قطاع الطيران والخدمات المرتبطة به.

فضلًا عن تراجع متوقع في حركة الترانزيت التي تُعد العمود الفقري للنموذج الاقتصادي للإمارة.
أما القطاع العقاري – الذي ضخ ما يقارب 150 مليار درهم (أكثر من 40 مليار دولار) من الصفقات في 2023- فقد دخل بدوره مرحلة إعادة تسعير صامتة للمخاطر.

حيث تشير بيانات الأسواق إلى أن المستثمر الأجنبي – الذي يمثل نسبة كبيرة من الطلب – بدأ في التحول من نمط “الشراء طويل الأجل” إلى “الاستثمار الحذر قصير الأجل”

مما يعني عمليًا أن استمرار التوتر قد يؤدي إلى تباطؤ في التدفقات، أو على الأقل إلى ارتفاع العوائد المطلوبة مقابل المخاطر، وهو ما يضغط على الأسعار والسيولة في المدى المتوسط.
لكن الأثر الأخطر لا يكمن فقط في هذه الخسائر القطاعية، بل في التحول السياسي الذي تفرضه هذه التطورات، حيث لم تعد الإمارات – التي بنت نموذجها على “الحياد الاقتصادي” والانفتاح – قادرة على البقاء خارج معادلة الأمن الإقليمي بنفس الدرجة السابقة.

إذ أن استهداف بنيتها الحيوية يضعها أمام خيارين كلاهما مكلف: إما القبول بارتفاع دائم في المخاطر وتآكل تدريجي في جاذبية نموذجها، أو الانخراط في ترتيبات أمنية لحماية الملاحة في مضيق هرمز،.

 بدأت تلمّح إليه تقارير ومصادر قريبة من دوائر القرار، دون إعلان رسمي واضح حتى الآن.
لكن مجرد طرح هذا الاحتمال يعكس تحولًا عميقًا، لأن دخوله حيز التنفيذ يعني انتقال الإمارات من “مستفيد من الاستقرار” إلى “طرف في إنتاجه بالقوة”.

وهنا تتكشف الحقيقة الأكثر حدة: دبي لم تعد مجرد مدينة اقتصادية ذكية تدير المخاطر من بعيد، بل أصبحت جزءًا من مسرح هذه المخاطر.
يعني هذا أن بقاءها كمركز مالي عالمي لن يُحسم فقط بجاذبية قوانينها أو بنيتها التحتية، بل بقدرتها على العمل داخل بيئة إقليمية متوترة دون أن تفقد ثقة رأس المال العالمي،
وهي معادلة لم تُختبر بهذا الشكل من قبل.

زلزال هرمز (21) الأقصى في قبضة الشيطان 

زلزال هرمز (21) الأقصى في قبضة الشيطان 

زلزال هرمز  (22) صرخة قبل الارتطام العظيم

زلزال هرمز (24) طعنة في قلب الاقتصاد العالمي

السعودية: من قوة نفطية إلى دولة تُعيد هندسة أمنها السياسي والاقتصادي

إذا كانت دبي تختبر قدرة المركز المالي على البقاء تحت مظلة الخطر، فإن السعودية تختبر شيئًا أعمق وأثقل بكثير.
لأنها لا تواجه فقط سؤال جاذبية الاستثمار في بيئة متوترة، بل سؤال قدرة الدولة نفسها على حماية مشروعها التحولي من أن يُعاد اختزاله مرة أخرى في معادلة النفط والأمن الخام.

ذلك أن المملكة، التي بلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 1.24 تريليون دولار في 2024، لم تعد مجرد أكبر اقتصاد عربي أو أكبر مصدّر نفطي ذي طاقة فائضة مؤثرة في السوق.
بل أصبحت دولة راهنت، عبر رؤية 2030، على إعادة تركيب نفسها اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، وهو ما جعل الاستقرار الأمني شرطًا بنيويًا لاستمرار المشروع لا مجرد مسألة سيادية تقليدية.

هذا التحول يبدو واضحًا في أن الأنشطة غير النفطية باتت تمثل أكثر من 50% من الاقتصاد بحسب مؤشرات رؤية 2030.

وأن الناتج غير النفطي بلغ 680.9 مليار دولار، فيما سجلت الاستثمارات الأجنبية الوافدة 20.69 مليار دولار بنهاية 2024.

وانخفضت بطالة السعوديين إلى 7% – 7.5% تقريبًا بحسب المؤشرات الرسمية، وارتفع عدد السياح إلى نحو 116 مليون زائر في 2024 مع مساهمة مباشرة للسياحة تقارب 5% من الناتج المحليز

هذه الأرقام لا تعني فقط أن الاقتصاد يتنوع، بل تعني أن بنية الدولة نفسها أصبحت أكثر حساسية للصدمات الأمنية.

لأن كل نقطة نمو غير نفطي، وكل مشروع سياحي، وكل تدفق استثماري، وكل رهان على التمويل العالمي، يمكن أن يتضرر فورًا إذا عادت المملكة في نظر الأسواق إلى صورة “منطقة إنتاج نفط تحت تهديد النار”.

فمنذ بداية التصعيد، تعرّضت المملكة لسلسلة من الضربات التي استهدفت بشكل مباشر مراكز الثقل الاقتصادي، وعلى رأسها منشآت أرامكو.

حيث أدت ضربة بطائرات مسيّرة إلى تعطيل مؤقت لمصفاة رأس تنورة – أكبر مصفاة في المملكة بطاقة تتجاوز 550 ألف برميل يوميًا.

وهو ما انعكس فورًا في ارتفاع أسعار النفط عالميًا وإعادة توجيه الصادرات النفطية عبر مسارات بديلة ، كما استهدفت هجمات أخرى منشآت في ينبع والجبيل.

وهي مراكز تصدير حيوية، بما وضع شبكة التكرير والتصدير السعودية تحت ضغط عملياتي غير مسبوق .

لم يقتصر الأمر على البنية النفطية، بل امتد إلى المجال العسكري والأمني المرتبط مباشرة بالاقتصاد.

حيث تعرضت قاعدة الأمير سلطان الجوية لضربة صاروخية أدت إلى إصابة عشرات العسكريين الامريكيين وتضرر طائرات.

وهو ما يعكس أن البنية الدفاعية نفسها – التي تشكل مظلة الحماية للاقتصاد- أصبحت جزءًا من مسرح الاستهداف.

بالتوازي مع محاولات استهداف مطار الرياض الدولي، أحد أهم مراكز الربط الجوي في المنطقة، وهو ما يعني أن التهديد لم يعد محصورًا في النفط، بل طال النقل والتجارة والخدمات.

لكن الأثر الأعمق لم يكن في الضربات الفردية، بل في تفاعلها مع عامل أكثر خطورة، وهو تعطّل أو تهديد مضيق هرمز.

حيث أدت الحرب إلى خفض إنتاج النفط في دول الخليج – بما فيها السعودية- بمقدار وصل إلى 6.7 مليون برميل يوميًا في الأيام الأولى.

ثم تجاوز 10 ملايين برميل يوميًا لاحقًا، وهو ما يمثل صدمة تاريخية في سوق الطاقة.

دفعت الرياض إلى الاعتماد بشكل أكبر على خط الأنابيب الشرقي-الغربي نحو ميناء ينبع، الذي رفع صادراته إلى نحو 3 ملايين برميل يوميًا، لكنه يبقى حلًا محدودًا ومعرّضًا بدوره للمخاطر الجوية .

هذه التطورات لا تعني فقط خسائر مباشرة في الإنتاج أو ارتفاع الأسعار، بل تعني شيئًا أكثر تعقيدًا: إعادة

تسعير المخاطر السيادية للمملكة بالكامل.

حيث لم يعد المستثمر ينظر إلى السعودية باعتبارها فقط أكبر مصدر للنفط أو أكبر اقتصاد عربي.

بل باعتبارها أيضًا منطقة تقع ضمن نطاق استهداف مباشر في صراع عالي الكثافة.

هذا ينعكس في ارتفاع تكلفة التأمين، وزيادة علاوة المخاطر على الاستثمارات، وإعادة تقييم الجدوى الزمنية لمشاريع ضخمة ضمن رؤية 2030، التي يُقدّر حجمها الإجمالي بنحو 3.3 تريليون دولار، والتي بات 11 من أصل 14 قطاعًا رئيسيًا فيها معرضًا للاضطراب المباشر أو غير المباشر نتيجة الحرب .

هنا تتضح المفارقة الكبرى: فكلما نجحت السعودية في تنويع اقتصادها وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية – التي تجاوزت بالفعل 50% من الناتج المحلي –

كلما أصبحت أكثر حساسية للصدمات الأمنية.

لأن اقتصاد الخدمات والسياحة والاستثمار لا يتحمل نفس درجة المخاطر التي يمكن أن يتحملها الاقتصاد الريعي النفطي،.
وهو ما يجعل الضربات الأخيرة لا تهدد فقط تدفق النفط، بل تهدد فكرة التحول الاقتصادي نفسها، من حيث قدرتها على الاستمرار في بيئة إقليمية غير مستقرة.

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال داخل دوائر القرار السعودي يتعلق بكيفية الرد العسكري فقط، بل بكيفية إعادة هندسة العلاقة بين الأمن والاقتصاد، حيث تشير المؤشرات إلى اتجاه متسارع نحو:
تعزيز الدفاع الجوي متعدد الطبقات
تسريع توطين الصناعات العسكرية
تنويع الشراكات الأمنية بدل الاعتماد الأحادي
والانفتاح على مسارات تهدئة إقليمية لتقليل احتمالات الاستهداف
التحالف مع واشنطن: عودة كاملة أم توازن حذر؟
التحالف مع واشنطن: حماية مشروطة… أم شراكة قابلة للابتزاز؟
لم يعد النقاش داخل الخليج – وفي القلب منه الرياض- يدور حول جدوى التحالف مع الولايات المتحدة بقدر ما أصبح يدور حول طبيعة هذا التحالف وحدوده الفعلية تحت الضغط.

خاصة في ضوء التطورات الأخيرة التي كشفت، بشكل غير مسبوق، أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد تُقدَّم كضمانة استراتيجية صلبة.

بل كخدمة مشروطة تخضع لحسابات السياسة الداخلية الأمريكية وتبدلات قيادتها.

 تجلّى هذا بوضوح في التصريحات الأخيرة لدونالد ترامب، الذي لم يتردد في السخرية من القيادة السعودية والتلميح إلى أن حماية المملكة كانت – ولا تزال – مرهونة بالدفع والولاء.

في خطاب أعاد إلى الواجهة تصورًا صادمًا للعلاقة: حماية مقابل ثمن، لا تحالف بين شركاء.
هذه اللغة- التي تتجاوز الدبلوماسية إلى ما يشبه الابتزاز السياسي العلني- لم تمر مرور الكرام في دوائر القرار السعودي، لأنها تزامنت مع لحظة أمنية شديدة الحساسية، شهدت استهدافًا مباشرًا للبنية التحتية والمجال الحيوي للمملكة، ما طرح سؤالًا حادًا: إذا كانت واشنطن، بكل حضورها العسكري، لم تمنع الضربات، وإذا كان قادتها السابقون والحاليون يتعاملون مع الأمن الخليجي كسلعة تفاوض.

فما هو الشكل الواقعي للتحالف في المستقبل؟ وهل يمكن الاستمرار في الاعتماد على مظلة يُعاد تعريفها سياسيًا في كل دورة انتخابية أمريكية؟
في هذا السياق، تبدو السعودية وكأنها تتحرك بين خيارين كلاهما مكلف: العودة إلى صيغة “التحالف الكامل” مع واشنطن.

أو التوجه نحو نموذج أكثر توازنًا، يقوم على تنويع الشراكات الدفاعية والانفتاح على قوى أخرى، مع محاولة تخفيف التوترات الإقليمية لتقليل الحاجة إلى الحماية الخارجية.

ذلك الخيار الذي بدأت ملامحه تظهر بالفعل في سياسات الانفتاح والتهدئة خلال السنوات الأخيرة.

لكن الواقع يشير إلى أن المرحلة المقبلة لن تكون عودة بسيطة إلى أي من النموذجين، بل انتقال إلى صيغة هجينة أكثر تعقيدًا.

حيث تستمر الشراكة مع واشنطن بوصفها ضرورة استراتيجية، ولكن دون الثقة المطلقة التي كانت تحكمها سابقًا.

في الوقت نفسه، يتم بناء هامش استقلال أوسع – عسكريًا وسياسيًا- لتقليل كلفة الاعتماد الكامل، وهو ما يعني أن العلاقة الأمريكية الخليجية لم تعد علاقة “ضامن ومضمون”، بل علاقة تفاوض مستمر تحت ضغط الخطر.
ولم يعد السؤال: هل تعتمد الرياض على واشنطن؟
بل: إلى أي مدى يمكن الوثوق بحماية تُقدَّم بشروط… وتُسحب بخطاب؟

شارك المقال: