د. محمد محفوظ يكتب : الديكتاتور
الديكتاتور سواء كان فردا، أو يمثل طبقة، أو مفوض من مؤسسة، فإنه غالبا ما يظهر دامع العينين. رؤوفا رومانسيا، بشوشا ضاحكا ممازحا، عطوفا حالما، لين الجانب، متواضع متبسط

عندما تصبح الدموع والقهقهات
أداة من أدوات الحكم والسلطة
تبدو الصورة النمطية الشائعة عن شخصية الديكتاتور ، صورة مفارقة للواقع ومخالفة للحال .
فبينما تفيد تلك الصورة النمطية عن الديكتاتور ، بأنه ينبغي أن يكون متجهم الملامح وقاسي القسمات ، جاف في التعامل، متحجر المشاعر والانفعالات .
إلا أن خبرات الشعوب التي تأبى أن تحفظها ذاكرتها! تثبت أن الصورة الواقعية للديكتاتور ، وفي كثير من الأحوال، غالبا ما تكون مناقصة لتلك الصورة النمطية، بما لا يمنع من نعومة الديكتاتور ، وانبساط أساريره ، وميله للفكاهة والمزاح والقفشات .
وبما لا يمنع أيضا من سرعة بكائه ولمعان دموعه متأثرا بالبلايا والنكبات .
وفي التعريف السياسي ، فإن مصطلح الديكتاتورية يشير إلى تركيز كل سلطات الدولة :
– إما في يد ( فرد ) واحد .
– أو في قبضة ( طبقة ) معينة .
– أو في نطاق نفوذ ( مؤسسة ) بذاتها دون غيرها .
ولكن بينما يبدو المضمون الاصطلاحي للحكم الديكتاتوري واضحا وظاهرا، إلا أن ممارسته في أرض الواقع تتم من خلف (أقنعة ) تبدو مموهة وخادعة.
أقنعة ملامحها وقسماتها الأساسية هي : الدموع أو القهقهات
فالديكتاتور سواء كان فردا، أو يمثل طبقة، أو مفوض من مؤسسة، فإنه غالبا ما يظهر دامع العينين.
رؤوفا رومانسيا، بشوشا ضاحكا ممازحا، عطوفا حالما، لين الجانب، متواضع متبسط.
يترجل من موكبه ليربط على كتف رجل عجوز أو إمرأة مكافحة.

يحيط نفسه بالأطفال حنونا متوددا، أو يقيم المؤتمرات والندوات والمهرجانات لدعم بعض الفئات والأقليات وأصحاب الابتلاءات والاحتياجات والإعاقات .
دموع الديكتاتور أو قهقهاته ليست إلا أداة من أدوات الحكم والسلطة، لأنها تقدم المبرر والذريعة.
تنصب الفخ والخديعة لكل الخانعين، والخاضعين، والراكعين والساجدين لغير الله تعالى، والزاحفين ، والمتغافلين، ليجحدوا الحق الذي استيقنته عقولهم وقلوبهم، فيدلسون على أنفسهم والآخرين متسائلين :
كيف يمكن لديكتاتور أن تلمع دمعاته أو تتجلجل قهقهاته ؟!
ولكنهم يتناسون بأن ذلك الديكتاتور الذي تلمع دمعاته أو تتجلجل قهقهاته، هو ذاته الذي يلتئم في عهده القمع والاستبداد مع الفساد والإفساد .
لذلك، تسيل دموع الديكتاتور أو تتجلجل قهقهاته
لكن ينحدر الاقتصاد نحو الانهيار، وتتضخم وتتغول الأسعار، وتتسرب موارد البلاد وثرواتها في بالوعات الفساد والإهدار .
تسيل دموع الديكتاتور أو تتجلجل قهقهاته.
لكن يزداد الأغنياء غنى ونعيما واستكبارا، ويزداد الفقراء فقرا وبؤسا ومرارا .
تسيل دموع الديكتاتور أو تتجلجل قهقهاته.
لكن يستمر حبس المعارضين، وإرهاب المفكرين، واحتضان المطبلاتية والرقاصين والعاهرات والقوادين .
تسيل دموع الديكتاتور أو تتجلجل قهقهاته.
ولكن يستمر التآمر للتكويش على كل السلطات، فينبطح البرلمان، ويتقوقع القضاء، وتتوحش المؤسسات . فتكون النتيجة، تغول السلطات ، وغياب وانعدام المسئوليات .
ولذلك ، تبدو دموع الديكتاتور وقهقهاته مفارقة لواقع أي وطن ..
مناقضة لكوارثه ومهازله ومخازيه
خادشة لحياء نبلائه وفرسانه وثائريه
هاتكة لعرض مبادئه وقيمه وأوامره ونواهيه
جارحة بلا إنسانية لكل ما هو أصيل وجميل ونزيه
تبدو دموع الديكتاتور وقهقهاته مُهينة مُغتصِبة.
فاضحة، فاحشة، وقحة متجرئة، فجة مستهزئة، ساخرة مستهترة .
ولذلك
دموع الديكتاتور أو قهقهاته، لا تُنبت إلا شوكا، وشجرا مسموما، وزقوما طلعه كرؤوس الشياطين .
دموع الديكتاتور لا تنفتح لها أبواب السماء، ولا تنخدع بها قلوب الأمهات المكلومات في أبنائهن وبناتهن من الشهداء أو السجناء .
وقهقهات الديكتاتور لا تنشرح بها الصدور المكروبة ، ولا تمتلئ بها الجيوب المثقوبة ، ولا يبادلها القهقهة بمثلها ، إلا نفوس آثمة خائنة مجرمة بجيوب أصحابها التي انتفخت بالمال الحرام .
هي دموع لعنة على من يصدقها .. لأنه يسقط معها تحت حذاء الديكتاتور .
وهي قهقهات شؤم على من يجاريها ، لأن صداها لا يتردد إلا في هاوية بلا قرار .
دموع الديكتاتور ، دموع مصطنعة تخاصم البكاء ..
وقهقهات الديكتاتور ، قهقهات خشبية منزوعة الضحكات.
ولذلك ، لا يسقط الديكتاتور .. إلا عندما يراه الناس عاريا ..
عاريا من الأقنعة الضاحكة .. والأقنعة الباكية ..
ليظهر وجهه البغيض قبيحا فاجرا ..
فتترسخ بالنفوس كوامن الغل والكراهية ..
التي بتراكمها تمهد للانفجار ..
في لحظة … لابد .. آتية …….






