مقالات

د. محمد الغمري يكتب: اختبار لبنان

التصعيد الميداني المتزايد، والتصريحات الإسرائيلية التي تعكس توجّهًا نحو استعادة نموذج الضغط الحاسم كما جرى في غزة، يطرحان تساؤلات جدية حول قدرة هذه الهدنة على الصمود.

مشاركة:
حجم الخط:

هل نحن أمام هدنة حقيقية… أم مجرد تأجيل لانفجار أكبر؟

مع دخول هدنة الأسبوعين حيّز التنفيذ، لم يمض وقت طويل حتى واجهت اختبارها الأكثر حساسية على الجبهة اللبنانية.

فالتصعيد الميداني المتزايد، والتصريحات الإسرائيلية التي تعكس توجّهًا نحو استعادة نموذج الضغط الحاسم كما جرى في غزة، يطرحان تساؤلات جدية حول قدرة هذه الهدنة على الصمود.

في هذا السياق، تبدو تحركات بنيامين نتنياهو جزءًا من محاولة لرفع سقف الضغط وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك.

غير أن القراءة الأعمق تكشف أن ما يجري لا يمثل خروجًا عن الإطار العام للصراع، بل اقترابًا منه إلى حدوده القصوى.
فالهدنة الحالية لا يمكن فهمها بوصفها اتفاق سلام بقدر ما هي أداة لتنظيم الصراع وضبط إيقاعه.

ومن ثم، فإن التصعيد في لبنان لا يُعد خرقًا مباشرًا، بل اختبارًا عمليًا لقدرة هذا الإطار على العمل تحت الضغط.
نحن أمام ما يمكن تسميته “مسار الاحتواء المتوتر”؛ نمط من الصراع يسمح بدرجات محسوبة من التصعيد، لكنه يضع قيودًا تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

حصريا: حمدين صباحي يكتب: يوم انكسار الهيمنة وانتصار إرادة الشعوب

د. محمد الغمري يكتب: ترامب “الكابوي” حين تتحول الأسطورة إلى ترند

يتجلى هذا المسار عبر ثلاث آليات رئيسية:

أولها، ضغط محسوب لاختبار سقف التصعيد الممكن، حيث تسعى الأطراف إلى قياس حدود الفعل دون تجاوزها.
وثانيها، إعادة توزيع الضغط عبر الساحات، من خلال تحريك الجبهة اللبنانية لتوسيع مجال المناورة دون فتح حرب إقليمية.
وثالثها، ضبط غير مباشر للإيقاع، تمارسه قوى دولية – وفي مقدمتها الولايات المتحدة – للحفاظ على بقاء الاشتباك ضمن حدود قابلة للاحتواء.
ومع ذلك، فإن هذا التوازن يظل هشًا، ويعمل عند حافة الانكسار. فالفارق بين “الاختبار” و”الانفلات”” دقيق، وأي تصعيد غير محسوب قد يدفع المشهد إلى مرحلة جديدة.

ويمكن رصد لحظة التحول عبر عدد من المؤشرات، أبرزها:

اتساع نوعي في الضربات ليشمل أهدافًا استراتيجية، ارتفاع كبير في الخسائر البشرية بما يفرض ردودًا خارج الحسابات، انخراط مباشر لأطراف إقليمية رئيسية، أو تراجع فعالية الضغط الدولي الضابط.

عند تحقق هذه المؤشرات، لا يعود التصعيد اختبارًا، بل يتحول إلى مسار مختلف.

كما أن البعد الزمني يلعب دورًا حاسمًا؛ فما نشهده ليس تثبيتًا نهائيًا للتهدئة، بل مرحلة انتقالية قيد التشكل. فإذا نجح هذا النمط في امتصاص الضغط، فقد يتحول إلى صيغة مستقرة نسبيًا لإدارة الصراع. أما إذا فشل، فإن احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع تصبح أكثر ترجيحًا.

في هذا الإطار، تبدو محاولة استنساخ نموذج غزة في لبنان محدودة الإمكانية، نظرًا لاختلاف البيئة العملياتية وتشابك المصالح الإقليمية، ومن ثم، يتحول التصعيد إلى أداة ضغط واختبار، لا إلى مشروع حسم فعلي.

في المحصلة، لا يشكل لبنان ساحة لكسر الهدنة بقدر ما يمثل ساحة لقياس قدرتها على الصمود. كما أن ما تقوم به إسرائيل لا يعكس تكرارًا مباشرًا لنموذج غزة، بقدر ما يعكس اختبارًا لحدود الممكن ضمن الإطار القائم.

المعادلة الحاكمة تبدو واضحة:

إذا بقي التصعيد ضمن حدود الاختبار، يستمر مسار الاحتواء المتوتر.
أما إذا تحوّل إلى فرض وقائع جديدة، فإن التوازن ينهار ويدخل الصراع مرحلة مختلفة.

شارك المقال: