آراء و تحليلات

د. محمد الغمري يكتب: أبطال وخونة (5)

تكشف الشهادات المعاصرة للأحداث أن خاير بك تحرّك داخل سياق لم يعد غامضًا في دلالاته؛ إذ يشير محمد بن إياس إلى أن بعض الأمراء «مالوا إلى العثمانية لما رأوا من قوتهم وضعف الدولة» 

مشاركة:
حجم الخط:

خامسًا: خاير بك – الفعل في زمن التحوّل

إذا كانت تجربة طومان باي كما قدمتها في المقال السابق قد كشفت حدود الفعل داخل مسار منهار. 

فإن تجربة خاير بك تمثّل الحالة المقابلة: فاعل لا يختبر حدود الفعل، بل يعيد تعريفه عبر التكيّف مع مسار صاعد.

ومن ثم، فإن السؤال هنا لا يتعلق بقدرة الفعل على الصمود، بل بقدرة الفاعل على قراءة التحوّل والانحياز إليه في لحظة تجاوز فيها التحول نقطة الرجوع.

السياق الذي تحرك فيه خاير بك 

تكشف الشهادات المعاصرة للأحداث أن خاير بك تحرّك داخل سياق لم يعد غامضًا في دلالاته؛ إذ يشير محمد بن إياس إلى أن بعض الأمراء «مالوا إلى العثمانية لما رأوا من قوتهم وضعف الدولة» 

وهو ما يدل على أن التحوّل كان ظاهرًا لمن امتلك القدرة على قراءته. ومن موقعه في حلب، كان خاير بك في تماس مباشر مع هذا التحول، ما أتاح له إدراكًا مبكرًا لمسار القوة. 

إعادة تموضع داخل سياق 

على هذا الأساس، لم يكن فعله مجرد انحياز عابر، بل إعادة تموضع واعية داخل مسار متحوّل؛ إذ تشير الروايات العثمانية، كما عند كمال باشا زاده، إلى أن بعض القادة
«انضمّوا إلى السلطان لما تبيّن لهم رجحان كفّته» 
في دلالة على أن القرار كان استجابة لميزان قوة لا مجرد خيانة شخصية. وهنا يتحول الفعل من كونه خرقًا للولاء إلى كونه تكيّفًا مع اتجاه التاريخ في لحظة لم يعد فيها الحياد ممكنًا.

أبطال وخونة (1) المقدمة

أبطال وخونة (2) النهايات المريحة

أبطال وخونة (3) التراكم العثماني

أبطال وخونة (4) طومان باي الفعل في زمن الانهيار

النخبة تتكيف مع الوضع الجديد 

تؤكد الدراسات الحديثة هذا المسار؛ إذ يرى أندرو هيس أن بعض النخب «اختارت التكيّف مع النظام العثماني بدلًا من مقاومته»

بينما تشير جين هاثاواي إلى اعتماد العثمانيين على هذه النخب لضمان الاستقرار.

في سياق ذلك

مع انتقال السلطة إلى العثمانيين، دخل خاير بك طورًا جديدًا من الفعل السياسي، حين عُيّن واليًا على مصر.

وهو تحول نوعي نقل موقعه من طرف في صراع إلى فاعل في إدارة نظام جديد.

وتشير المصادر إلى أن هذه المرحلة شهدت قدرًا من إعادة الاستقرار، إذ يذكر ابن إياس أن
“الأحوال استقرت في أيامه، وسكنت الفتن بعد اضطراب عظيم”

وهو توصيف يكتسب دلالة خاصة لأنه يصدر عن المصدر ذاته الذي قدّمه بوصفه عاملًا في الانهيار.

القبول والشرعية 

وفي سياق متصل، يضيف أن “الناس سكنوا واطمأنوا بعد ما كانوا في خوف واضطراب”

بما يدل على أن المجتمع – رغم تحفّظه – استجاب عمليًا لعملية إعادة الضبط التي قادها خاير بك.

وهنا تتبدى مفارقة دالة: فالشخصية التي حُمّلت مسؤولية الهزيمة في السرد، أدّت في الواقع دورًا في تثبيت النظام الجديد.
غير أن هذا القبول لم يتحول إلى شرعية رمزية.

إذ ظلّت صورة خاير بك في الوعي الجمعي مرتبطة بلحظة السقوط، وهو ما حال دون اندماجه في الخيال الشعبي بوصفه حاكمًا مشروعًا.

ومن ثم، يمكن توصيف العلاقة بينه وبين المجتمع المصري بوصفها علاقة مزدوجة: قبول وظيفي فرضته الحاجة إلى الاستقرار، ورفض رمزي غذته الذاكرة المرتبطة بالهزيمة
ويكشف هذا التوتر عن طبيعة المجتمع في لحظات التحول، حيث لا يمتلك القدرة على إعادة تشكيل السلطة، فيميل إلى التكيّف مع الواقع الجديد، دون أن يعيد إنتاجه رمزيًا.

في ضوء ذلك، يمكن إعادة قراءة سلوك خاير بك ضمن إطار علائقي يربط الفعل بشروطه البنيوية والزمنية.

فقد انتقل من بنية مملوكية آخذة في التآكل إلى بنية عثمانية صاعدة، واتخذ موقعه الجديد في لحظة كان فيها ميزان القوة يميل بوضوح إلى الطرف المنتصر.

وبهذا المعنى، فإن فعله لا يُفهم بوصفه خروجًا عن الولاء، بل بوصفه إعادة تموضع داخل بنية متحوّلة.

أما موقف الشعب المصري منه ومن الحكم العثماني ففي المقال القادم من (أبطال وخونة) 

يتبع 

شارك المقال: