مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: هدنة إعادة كتابة مفاتيح القوة

ما يجري لا يتعلق بإيران وحدها، ولا بالولايات المتحدة وحدها، بل بمنظومة كاملة تبدأ من المضائق، وتمر بالطاقة، وتتشابك مع شبكات النفوذ الإقليمي، وتنتهي عند سؤال أكبر: من يكتب شكل النظام الدولي القادم؟

مشاركة:
حجم الخط:

صياغة أخطر مفاصل القوة 

في الظاهر، تبدو الهدنة توقفًا محسوبًا لإطلاق النار، لكن في العمق، نحن أمام لحظةٍ تُعاد فيها صياغة أخطر مفاصل القوة في العالم.
فما يجري لا يتعلق بإيران وحدها، ولا بالولايات المتحدة وحدها، بل بمنظومة كاملة تبدأ من المضائق، وتمر بالطاقة، وتتشابك مع شبكات النفوذ الإقليمي، وتنتهي عند سؤال أكبر: من يكتب شكل النظام الدولي القادم؟

زمن إعادة ترتيب 

هدنة الأسبوعين، بهذا المعنى، ليست زمن تهدئة، بل زمن إعادة ترتيب، تُقاس فيه المسافات بين القوة والقرار، ويُختبر فيه من يملك القدرة على تحويل التفوق إلى نتيجة، لا إلى مجرد عرض قوة.

وما يُطرح هنا لا يقوم على تثبيت نتيجة نهائية، بل على قراءة اتجاهات المشهد في لحظة مفتوحة على احتمالات متعددة، حيث تتقاطع الوقائع العسكرية مع الحسابات السياسية في نقطة شديدة الحساسية.

د. أيمن خالد يكتب: حرب هرمز ليست جزرًا بل مفاتيح العالم

د. أيمن خالد يكتب: أين ينتهي القانون ويبدأ الاشتباك؟

د. أيمن خالد يكتب: لماذا الهدنة ليست في صالح إيران؟

1) مضيق هرمز… مركز الثقل الذي لا يُرى

لا يمكن فهم ما يجري دون الوقوف عند مضيق هرمز، ليس بوصفه ممرًا بحريًا فحسب، بل بوصفه عقدة استراتيجية تختصر معادلة الطاقة العالمية بأكملها.
هذا المضيق، الذي تمر عبره نسبة مؤثرة من صادرات النفط العالمية، ليس مجرد جغرافيا، بل أداة تأثير في الاقتصاد الدولي، وساحة اختبار حقيقية لمن يملك القدرة على التحكم بالتدفق أو تعطيله.

إيران تدرك أن هرمز يمثل آخر أوراقها الثقيلة، والولايات المتحدة تدرك أن ترك هذا الممر خارج السيطرة المباشرة أو غير المباشرة يعني ترك النظام العالمي عرضة للاهتزاز.
ومن هنا، فإن كل التصعيد، وكل التهديد، وكل التفاوض، يدور في جوهره حول سؤال واحد:
من يملك القرار في هرمز؟

2) الطاقة… المعادلة التي تُترجم بها القوة

في عالم اليوم، لا تُقاس القوة فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل بقدرة الدول على التأثير في تدفق الطاقة وأسعارها.
أسواق النفط ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل مرايا تعكس عمق التوتر، واتجاهات القرار.

الولايات المتحدة، رغم حديثها المتكرر عن الاكتفاء، تدرك أن التحكم في سوق الطاقة يمنحها موقع القيادة، لا الاستقلال فقط.
وإيران، من جانبها، تعرف أن قدرتها على التأثير في هذا السوق—ولو عبر التهديد—تمنحها وزنًا يتجاوز حدودها الجغرافية.

لهذا، فإن أي هدنة أو اتفاق لن يُقاس بنصوصه المعلنة، بل بمدى قدرته على إعادة ضبط معادلة الطاقة العالمية بما يخدم توازنات القوة.

3) الأذرع الإقليمية… شبكة النفوذ الممتد

لا تتحرك إيران بوصفها دولة فقط، بل عبر شبكة ممتدة من الفاعلين في أكثر من ساحة، أبرزها العراق ولبنان واليمن.
هذه الشبكة ليست تفصيلًا هامشيًا، بل جزء من معادلة الردع، وأداة لتوسيع نطاق التأثير خارج الحدود التقليدية.

وجود هذه الأذرع يمنح طهران قدرة على:
• فتح جبهات متعددة
• استنزاف الخصوم دون مواجهة مباشرة
• وتعقيد أي حسابات عسكرية تقليدية

ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة صياغة التوازن لن تتوقف عند حدود إيران الجغرافية، بل ستمتد بالضرورة إلى هذه الدوائر، سواء عبر الاحتواء أو إعادة الضبط أو التفكيك التدريجي.

4) النووي والصواريخ… جوهر الردع لا هامشه

الملف النووي الإيراني لم يعد مجرد قضية تقنية، بل أصبح عنوانًا للسيادة، وأداة لإعادة تعريف موقع الدولة في النظام الدولي.
أما الصواريخ الباليستية، فهي ليست فقط وسيلة قتال، بل عنصر ردع نفسي واستراتيجي، يُعيد رسم حدود المخاطر لكل من يفكر في المواجهة.

الولايات المتحدة لا تسعى بالضرورة إلى إزالة هذه القدرات بشكل كامل، بل إلى تقييدها ضمن إطار يمكن التحكم به، بحيث لا تتحول إلى تهديد مفتوح.

وهنا يكمن جوهر الصراع:
ليس على وجود هذه القدرات، بل على حدود استخدامها، ومن يملك قرار ضبطها.

5) أمن الكيان الإسرائيلي… الثابت الذي لا يتغير

في قلب هذا المشهد المعقد، يبقى عامل واحد ثابتًا لا يتبدل:
أمن إسرائيل.
كل التحركات—العسكرية والسياسية—تُقرأ في النهاية من خلال هذا البعد.
فالولايات المتحدة لا يمكن أن تقبل ببيئة إقليمية تُهدد هذا الأمن بشكل مباشر أو مستمر،
وإسرائيل، من جانبها، ترى في أي تطور في القدرات الإيرانية تهديدًا وجوديًا لا يمكن التساهل معه، خصوصًا وأنها جربت الفعل الإيراني.

لذلك، فإن أي اتفاق قادم، مهما كانت صياغته، لن يخرج عن هذا الإطار،
بل سيُبنى—بشكل مباشر أو غير مباشر—على تثبيت هذه المعادلة.

6) الهدنة… تهيئة محسوبة لا نهاية للصراع

في ضوء هذا كله، تبرز قراءة مقلقة، لكنها واقعية، مفادها أن الهدنة قد لا تكون نهاية للتصعيد، بل مرحلة تهيئة محسوبة له.
فشدة التهديدات التي صدرت، والتي بلغت حد الحديث عن تدمير بنية الدولة الإيرانية، لا تنسجم مع منطق التهدئة الكاملة، بل مع منطق إعادة ترتيب الضربة.

وهنا يظهر فارق التموضع بوضوح:
طرف يمتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيًا واسعًا، وطرف يعتمد على الصمود والتشبيك الإقليمي.

في مثل هذه المعادلات، لا تكون الهدنة دائمًا استراحة، بل قد تكون المرحلة التي يُحسم فيها شكل المرحلة التالية.

الخلاصة

ما يجري في هدنة الأسبوعين ليس توقفًا للصراع،
بل إعادة توزيع لمفاصل القوة:
• المضائق
• الطاقة
• الشبكات الإقليمية
• الردع النووي
• وأمن إسرائيل

كلها تُعاد كتابتها في هذه اللحظة.

وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس دقة التحليل بتطابقه مع خبرٍ آني، بل بقدرته على فهم المسار الذي تتشكل فيه النتائج.

هذه ليست هدنة بين طرفين…
بل لحظة يُعاد فيها توزيع مفاتيح العالم.

شارك المقال: