خالد علي يكتب: الحكاية قبل الأخيرة منذُ يومِ المِحَنِ
لم تكن نجلاء هاشم ناشطةً سياسية، لا لأنها أقل وعيًا، ولا لأن السياسة عيبٌ أو نقص، بل لأن للحياة طرقًا أخرى للتضحية والصب

امرأةً تعلّمت مبكرًا أن الجسد قد ينكسر، لكن الروح إن آمنت لا تُهزم، فى منتصف ٢٠١٠ أصابها السرطان، فمدّ يده القاسية إلى صدرها، واستأصل الأطباء ثديها كما تُستأصل شجرةٌ من حديقة.
دخلت في رحلاتٍ طويلة مع الكيماوي، أيامٌ ثقيلة بطعم الحزن والتعب، وليلٌ طويل تتعلم فيه كيف تتنفس الألم، وكيف تبتسم رغم الغثيان والخوف.
حين بدأ شعرها يتساقط من تأثير جرعات الكيماوى، لم تصرخ، لم تبكِ، بل أمسكت بالخصل المتناثرة كمن يمزح مع القدر، ضحكت وقالت بخفةٍ مُدهشة:
«أهو كده أخفّ وأسرع». كانت تمثّل الشجاعة بإتقانٍ موجع، توزّع النكات لتُطمئن زوجها وأطفالها الصغار وأخواتها ووالدها، وتُخفي رجفة القلب بابتسامة واسعة.
سايرها زوجها، ضحك معها، هزّ رأسه كأن الأمر عابر، وكأن الفاجعة مجرد تفصيل. لكن ما إن أغلق باب غرفته خلفه، حتى سقط. انهار بصمت، بكى بكاء الرجال حين يفقدون القدرة على الحماية، حين يدركون أن الحب وحده لا يمنع الألم، وأن أقسى ما في المرض ليس ما يفعله بالجسد، بل ما يتركه في قلب من يحب.
ثم جاءت الثورة. وفي لحظةٍ بدت مستحيلة، قررت أن تعود إلى العمل الذى ساندها وتحمل غيابها، لم تنتظر الشفاء الكامل، كأنها قالت للحياة: «سأقابلك وأنا ناقصة الجسد، لكن كاملة الإرادة».
كانت تخرج من العمل منهكة، لكنها لا تعود إلى البيت كانت تحمل كاميرتها، وتذهب إلى الميدان. هناك، وسط الهتاف والوجوه المضيئة بالأمل، حدث شيء غريب… بدأت تتحسّن.ليس في التقارير الطبية، بل في عينيها…في ضحكتها التي عادت خفيفة…في خطواتها التي صارت أسرع…وفي شهيتها للحياة.
كانت تلك أسعد أيامها.كانت تشعر أنها حية بحق، وأن المرض تراجع خطوة حين تقدّم الحلم ألف خطوة. كانت تصوّر، تشهد، توثّق، وتقف إلى جوار زوجها في الميدان، تشدّ على يده، وتمنحه ما تبقى من قوتها وكأنها تقول:«إن كان جسدي يتآكل، فليكن ذلك ثمنًا للحقيقة».
كان زوجها من أبناء الميدان قبل أن يكون ابنَ البيت.
انحيازه الكامل للثورة وظروف عمله، كانا يفرضان عليه أن يبقى هناك ليلًا ونهارًا، يلاحق الطوارئ، ينام على عجل، ويعود إلى البيت كضيفٍ عابر لا يملك من الوقت إلا قُبلة سريعة على جبين أطفاله وزوجته، ونظرة اطمئنان.
لم تكن تشكو غيابه، ولا تحاسبه على التعب أو القلق، بل كانت شريكته في الغياب نفسه.كلما ظهر طارئ، كانت تسبقه بالكلمات: «اتحرك… روح شوف الناس». كانت تدفعه إلى العمل كأنها تحرس قناعته، تمنحه الإذن بالرحيل، وتبقى مع أسرتها بمنزل والدها راضية، مؤمنة أن بعض الحب يُقاس بالقدرة على التخلّي، وأن الوقوف خلف من يؤمن بقضية لا يقل بطولة عن الوقوف في الصفوف الأولى.
لكن جاء ديسمبر 2012 قاسيًا. داهمها المرض من جديد، فى بؤرة جديدة لا يمكن استئصالها، داهمها بلا إنذار، بلا رحمة، وكأن الجسد قال كلمته الأخيرة.
وشاءت الظروف أن جهة عملها مع بدايات ٢٠١٣ لم تعد قادرة على تحمل غيابها وأبلغوها قرارهم معتذرين، فانهارت نفسيًا، لأن الأمر لم يكن يتعلق بترك وظيفة ولا أجر، بل بإيقاع كانت تتشبث به، وتمنى نفسها بالعودة له سريعًا …كان تعلق انسانى ونفسى يبقيها واقفة، ويُشعرها أنها مازالت على قيد الحياة.
تراجعت الأيام، وتكاثف الألم، وانهار الجسد، وتنقّلت مع زوجها بين عيادةٍ ومستشفى، ومن غرفةٍ إلى عنايةٍ مركّزة، ومن دعاءٍ إلى رجاءٍ وتضرّع، حتى جاء الثالث عشر من أغسطس 2013. بمستشفى السلام الدولى وأثناء محاولة الأطباء سحب المياه التى تكاثرت على الرئة رحلت في صمتٍ يشبه التسليم، قبل مذبحة رابعة بيومٍ واحد.
ولم يتمكن زوجها من تَقبل العزاء، لأن المعزّون عجزوا عن الوصول إلى مسجد فريد شوقي بالدقي. كان ليلُ المدينة قد امتلأ بالأشباح، والحزن يخيّم على الشوارع، الوجوه شاحبة، والبيوت صامتة كأنها تحبس أنفاسها، والطرق موحشة كقلبٍ فُجع لتوّه.
رحلت نجلاء…وكأنها لم تحتمل أن ترى الوطن ينزف، فآثرت أن تسبقه إلى الغياب، وتترك وجعها الأخير معلّقًا في صدر مدينةٍ لم تعد قادرة على البكاء.
لم تكن نجلاء هاشم ناشطةً سياسية، لا لأنها أقل وعيًا، ولا لأن السياسة عيبٌ أو نقص، بل لأن للحياة طرقًا أخرى للتضحية والصبر.
كانت فقط إنسانة…مواطنة وموظفة وزوجة تعرف كيف يكون العمل الشاق، وكيف تكون السند، كانت أمًّا عظيمة، ويوم أن رحلت تركت قلبين صغيرين تعلما الفقد قبل أوانه، طفلًا كان في العاشرة وكبر فجأةً دون إذن، وطفلةً لم تُكمل حينها عامها السابع، ورفضت بالأمس دخول كلية الطب رغم أن مجموعها كان يسمح لها بذلك، وأصرت على أن تدرس علم النفس لتكمل طريق سلكته والدتها فيما قبل.
إلي نجلاء، وإلي كل إمرأة حمل قلبها في طياته “ندوب” الأيام، ومع ذلك تصرّ على أن يفوح عطراً، ويوزع الابتسامات كأنها هباتٌ سماوية…
سلامٌ عليك أينما كنتِ،
سلامٌ على صبركِ،
وسلامٌ على فيض عطائكِ الذي لا ينضب،
وسلامٌ لابتسامتكِ التي تُرمم أرواحنا بينما تحاولين أنتِ بصمتٍ أن تُرممي روحك.
من حكايات الثورة
(منذُ يومِ المِحَنِ)
تَبقَّتْ لى
دمعةٌ.
تترقرقُ فى عيونِى
على كِسرةِ خُبزٍ كُنّا نتَقَاسمُها
ورفْقةُ عُمرٍ
أُطبِقَ عليها الضبابُ
فى يومِ المِحَنْ
تَبَقّتَ لى
صُورةٌ
معلَّقةٌ على جُدرانٍ قَلبى
تَحْفظُ ما تبقى من رُوحىْ
تَغزٍلُ جسرًا من السكونِ
تَجعَلُ مِنَ الصمتِ مَلاذى
ومن الوحدةِ مَرفَئِى
تَبقّتَ لى
ذِكرى
من دفءِ عَينيكِ
ومَرَحِ صِبايَ
وقَمَرٍ شَاحِبٍ فى المغيبِ
يَرفُضُ أن يرفعَ رايَتهُ البيضاءَ
أو يُعلِنَ هَزيمَتَهُ وينْسحِبَ فى هُدوءٍ
تَبقّتَ لى
ضِحكَتانِ
بملامحَ عَذبةٍ
كابتسامةِ النَّهارِ
تُطمئنانِ العصافير
وتَرسُمان سَنَا الشمسٍ
فى وجهِ السماءٍ
تَبقّتَ لى
كَلِماتٌ
تَمْلأُ حَلْقى
تَنطِقُ بها أنْفَاسى
تَنطِقُ بها أحْلامى
(أُحِبُكِ
بقدرِ ما تَحَمّلتِ من ألمٍ
وأشتَاقُ إليكِ
بقدرِ ما مَنَحتِنى من حَياةِ)
من حكابات الثورة لخالد علي على فيس بوك
رابط المقال المختصر:





