حسن مدبولي يكتب: مصر تحت الهيمنة الرومانية
منذ اللحظة التي تلت معركة أكتيوم وسقوط كليوباترا، أدرك "أوكتافيوس أغسطس" أن مصر هي مفتاح الاستقرار السياسي في روما بفضل فائضها الزراعي.

صورة لمصر في العصر الروماني (وسائل التواصل)
النهب وتزييف الهوية
تمثل الحقبة الرومانية في مصر (30 ق.م – 641 م) النموذج الأكمل والأمثل لاقتصاديات الإمبراطوريات المستغلةالقائمة على النهب والاستنزاف.
لم تلحق مصر بالامبراطورية بوصفها إقليماً متميزا متكافئاً أو حتى مجرد ولاية عادية، بل جرى تحويلها إلى “مورد استراتيجي مغلق” خاضع للسيطرة الإمبراطورية الرومانية المباشرة، وتابع ذليل لها.
أوكتافيوس أدرك مكانة مصر
منذ اللحظة التي تلت معركة أكتيوم وسقوط كليوباترا، أدرك “أوكتافيوس أغسطس” أن مصر هي مفتاح الاستقرار السياسي في روما بفضل فائضها الزراعي.
فجعلها ضيعة خاصة بالإمبراطور، محرمة على أعضاء مجلس الشيوخ، ليخلق بذلك قطيعة إدارية وسياسية بين مصر وبقية أقاليم العالم القديم.
الحكم الرومانية بنية استعمارية
هذا بالاضافة إلى أن نظام الحكم الروماني لم يكن في جوهره نظاماً اندماجياً يسعى لصهر السكان والجنسيات في بوتقة المواطنة الواحدة، لآنه كان يمثل بنية استعمارية ذات هيمنة طبقية صارمة.
بالتالى تحولت مصر الرومانية إلى ما يمكن تسميته بـ “المزرعة الكبرى” التى غايتها الوحيدة تأمين تدفق “شحنة الحبوب السعيدة” إلى روما وقياصرتها وجنودها ،
ولكى يضمن النظام الرومانى بقاء واستمرار هذا التدفق المنهوب، تم فرض منظومة ضريبية هي الأكثر قسوة في التاريخ القديم.
تركيبة مصر الرومانية
حيث شملت “ضريبة الرؤوس” ونظام السخرة (الليتورجيا) الذي استنزف طاقة الفلاح المصري وامتص دمه ودم أبنائه، وهنا، لم تكن الإدارة الرومانية تمارس “حكماً” بالمعنى السياسي.
بل كانت تدير عملية “استخراج قسري” للفائض الاقتصادي، محولةً الغالبية العظمى من المصريين إلى عبيد وقوة عمل مسلوبة الإرادة داخل وطنها.
لإحكام السيطرة على مفاصل الخريطة المصرية بأكملها ومنعا لاستفاقة اهلها، اعتمدت روما على هندسة اجتماعية واعية خلقت مسافة شاسعة بين الحاكم والمحكوم.
التركيبة الاقتصادية بين السكان
في قمة الهرم تربّع المواطنون الرومان، تلتهم طبقة حضرية (متأغرقة) في الإسكندرية وبعض الحواضر، بينما قبع المصريون (أهل البلد) في قاع الهرم، محرومين من أبسط الامتيازات القانونية.
فى الوقت نفسه برزت فئات محلية لعبت دور السمسار أو “الوسيط” لتسهيل جباية الضرائب وإدارة الشؤون المحلية.
غير أن التدقيق التاريخى يكشف بوضوح أن هذه الفئات الطفيلية لم تكن تعبيراً عن المجتمع المصري أو امتداداً طبيعياً له، بل كانت “نتاجاً وظيفياً” وتمييزا دينيا عنصريا أفرزه الاحتلال لخدمة أغراضه، فعملت تلك الفئات كتابع مطيع وجامع للاتاوات الرومانية
مغالطات مصريون
لذا فمحاولة البعض اليوم ربط هذه الفئات الخائنة بـ “الأصل المصري” تعتبر مغالطة منهجية فادحة؛ فهذه الفئات كانت “نخباً تابعة” تستمد شرعيتها ووجودها من قربها من السلطة الأجنبية، لا من تمثيلها للكتلة الشعبية.
وهى لم يكن لها علاقة لها بالتراث الحضارى المصرى القديم التى فى الحقيقة لعبت الدور الأساسى فى تدميره، والقضاء على مظاهره ولغته القديمة بحجة الوثنية.
فالوصف الادق هنا هو النظر لهؤلاء لا كأصل للمصريين ،بل كبنى طفيلية، ومكونات سلطوية عابرة كانت ترتبط بالمحتل الأجنبى وتعمل على تحقيق اهدافه.
حتى المظاهر التي يُظن خطأً أنها تعبير عن “استقلال هوياتي” كاللغة القبطية، هي في الحقيقة شواهد على عمق الاستلاب الثقافي لا العكس.
المظاهر القبطية في مصر جزء من حضارتها القديمة
فاللغة القبطية، رغم كونها تعتبر إحدى صور التطور الأخير للغة المصرية القديمة، فإنها لم تظهر بشكلها الأبجدي إلا تحت وطأة الهيمنة اللغوية اليونانية، والتوجه الدينى الرومانى المستحدث، حيث استعارت تلك اللغة حروفها من المتغلب الثقافي لتواكب لغته الخاصة بالإدارة والحكم والتراتبية العليا.
فهى كلغة لم تكن تمثل شعبا عريقا، لكنها كانت عمل قسرى يمثل حالة “تكيف اضطراري” داخل بنية الهيمنة، وليست استقلالاً حضارياً.
كذلك الأمر بالنسبة للتقويم القبطي؛ فالبداية الزمنية لهذا التقويم (عام 284 م) ترتبط باعتلاء “دقلديانوس” عرش الإمبراطورية الرومانية. ورغم محاولات إعادة تأويل هذا التاريخ لاحقاً وربطه بذاكرة الشهداء، إلا أن أصله يظل اعترافاً بالإطار الزمني الإمبراطوري الروماني.
مما يعكس كيف استطاعت بنية الاحتلال التغلغل حتى في وعي النخبة المصرية المنبطحة وتحويله وتشكيله وفقاً للأجندة الرومانية.
الفتح الإسلامي والتركيبة المصرية
لذا فعندما جاء الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي،ليمثل اختبارا حقيقيا لمدى رسوخ البنى المرتبطة بالرومان.
انهار الحكم الروماني-البيزنطي بتسارع مذهل، وتلاشت معه تلك النخب الوسيطة وفئاتها الوظيفية بمجرد زوال الإطار الأجنبي الذي كان يدعمها.
وقد فضح هذا السقوط المدوي وكشف أن تلك الطبقات كانت مجرد “أذناب” للنظام، لا جذوراً للمجتمع.
بينما فى نفس الوقت استمرت الكتلة السكانية الأوسع ،وهم الفلاحون القدماء والمصريون الحقيقيون، في التكيف.
المنظومة الإسلامية بعد الفتح
وإعادة إنتاج ذاتها داخل المنظومة الحضارية الجديدة عقب الفتح الاسلامى ، مندمجة في الهوية العربية والإسلامية بتدرج طبيعي ومنطقى،
وهو تحول دراماتيكى أثبت أن “الثبات والرسوخ ” كان من نصيب الشعب، بينما كان “الزوال والمحق ” طال النخب التي ربطت مصيرها بالمحتل.
إن دراسة مصر في العصر الروماني تحررنا من سرديات التبرير وتكشف لنا حقيقة ساطعة: أن ما حدث لم يكن “تلاقحاً حضارياً”بل كان بنية قهر مركبة.
اما الادعاءات التي تحاول ربط النخب المرتبطة بالرومان بأصل الهوية المصرية فهى تتجاهل الفرق الجوهري بين “الاستمرارية الشعبية” و”البنى السلطوية الطفيلية”
إن تاريخ مصر الحقيقي هو تاريخ تلك الكتلة الشعبية الصامدة التي رفضت الذوبان في المحتل، وليس تاريخ الفئات التي كانت مجرد أداة في يد السادة ملاك “مزرعة مصر الرومانية”.






