بين استهداف الرمز وصلابة الدولة
لدفاع عن صلابة إيران لا يعني افتراض ثبات مطلق. الصبر السياسي ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل أداة تخضع لميزان القوى. إذا شعرت طهران بأن صورة الردع تتآكل، أو أن خصومها ينجحون في تحويل الحرب النفسية إلى قناعة دولية بضعفها،

ليست فكرة إعلان اغتيال السيد علي خامنئي، أو تسريب خبر عن استهدافه، مجرد مناورة إعلامية عابرة، بل هي اختبار مركزي لفهم طبيعة الصراع الدائر، حيث تتحول الرموز إلى ساحات قتال موازية. حين يُطرح اسم قائد دولة بحجم إيران في سياق الاغتيال، فإن الهدف لا يكون الجسد فقط، بل المعنى الذي يمثله، والاستمرارية التي يجسدها، والردع الذي يتكثف في صورته. غير أن السؤال الأعمق ليس هل يمكن تنفيذ خدعة كهذه، بل هل يمكن أن تحقق غايتها في بيئة سياسية صلبة، خبرت الاغتيال والحصار والحرب المباشرة وغير المباشرة منذ أربعة عقود.
الخداع الاستراتيجي ليس جديدا في تاريخ الحروب. لقد استخدمته المملكة المتحدة بمهارة خلال الحرب العالمية الثانية لتضليل أدولف هتلر، لكن المقارنة تحتاج إلى تدقيق. آنذاك كان الصراع شاملا، والجبهات مفتوحة، والتدفق الإعلامي مضبوطا إلى حد بعيد. اليوم، في عصر الفضاء الرقمي، أي إعلان اغتيال غير حقيقي لرأس دولة سيصطدم فورا باختبارات التحقق، وسيعرّض الجهة التي أطلقته لفقدان مصداقية يصعب ترميمها. الحرب النفسية المعاصرة سلاح ذو حدين، لأن الكذب المكشوف لا يربك الخصم بقدر ما يكشف عجز صاحبه.
الرهان على أن إعلاناً كهذا قد يدفع القيادة الإيرانية إلى رد متسرع يفترض قراءة انفعالية لشخصية الدولة. غير أن التجربة الإيرانية منذ عام 1989، أي منذ تولي خامنئي القيادة عقب رحيل روح الله الخميني، تشير إلى نمط مغاير، قوامه إدارة التوتر لا الانجرار إليه. حتى في لحظات مفصلية، مثل اغتيال قاسم سليماني عام 2020، جاء الرد الإيراني محسوبا، موجها، ويهدف إلى تثبيت معادلة ردع جديدة دون فتح باب حرب شاملة. هذا لا يعني غياب التصعيد، بل يعني ضبطه ضمن إيقاع مدروس، يراكم النقاط ولا يبددها.
هنا تتجلى زاوية الصمود. إيران لم تبنِ سرديتها السياسية على شخص واحد، مهما كان موقعه، بل على منظومة مؤسساتية وأمنية وعقائدية تعتبر نفسها في حالة اشتباك طويل الأمد. لذلك فإن محاولة استهداف الرمز، سواء فعليا أو نفسيا، تصطدم ببنية ترى في الاستهداف دليلا على صحة مسارها لا علامة ضعف. كل تهديد يتحول إلى مادة تعبئة داخلية، وكل تسريب عن اختباء أو تعقب يُعاد توظيفه بوصفه دليلا على حجم القلق لدى الخصم.
لكن الدفاع عن صلابة إيران لا يعني افتراض ثبات مطلق. الصبر السياسي ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل أداة تخضع لميزان القوى. إذا شعرت طهران بأن صورة الردع تتآكل، أو أن خصومها ينجحون في تحويل الحرب النفسية إلى قناعة دولية بضعفها، فإنها قد تعيد تموضعها بطريقة تفاجئ من راهن على انكفائها. غير أن الفارق هنا أن التحرك، إن حصل، سيكون في الغالب ضمن استراتيجية تراكمية، لا قفزة عاطفية.
ثمة بعد آخر أكثر عمقا. مجرد تداول سيناريو اغتيال خامنئي يعكس إدراكا بأن المواجهة مع إيران لم تعد عسكرية صرفة، بل صراعا على الصورة والهيبة. حين يُراد رسم قائد بوصفه محاصرا أو مهددا في مخبئه، فالمقصود إضعاف تمثيله الرمزي أمام جمهوره وأمام حلفائه. غير أن التجربة الإيرانية مع العقوبات، والحصار، والتهديد المستمر، خلقت ثقافة سياسية ترى في الحصار دليلا على الفاعلية لا العكس. الصورة التي يُراد لها أن توحي بالحصار قد تتحول، في السردية المقابلة، إلى صورة صمود تحت النار.
الأرجح أن ما يجري ليس محاولة بدائية لاستدراج رجل إلى فخ، بل لعبة غموض محسوب. كل طرف يختبر حدود الآخر، يضغط دون أن يكسر، ويصعد دون أن يعلن حربا شاملة. في هذا السياق، تصبح إيران أمام معادلة دقيقة، تثبيت الردع دون التورط، إظهار الجاهزية دون كشف الأوراق، تحويل التهديد إلى عنصر تعبئة داخلية، مع الحفاظ على قنوات المناورة مفتوحة.
في النهاية، معيار القوة ليس في القدرة على إطلاق شائعة مدوية، بل في القدرة على امتصاصها دون ارتباك. الدولة التي تنهار أمام خبر كاذب دولة هشة، أما الدولة التي تستوعبه وتعيد توظيفه ضمن سرديتها فهي دولة تدرك أن الحرب النفسية جزء من معركة أطول. ومن هنا، فإن اختبار الصمود الإيراني لا يُقاس بغياب التهديد، بل بطريقة التعامل معه.
المواجهة الحقيقية لا تُحسم في لحظة إعلان أو نفي، بل في إدارة الزمن، في من يفرض إيقاع التصعيد ومن يحتفظ بقراره السيادي تحت الضغط. وهناك، في صلابة البنية لا في صخب التصريحات، يتحدد معنى الدعم والصمود





