مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

الهوى، والمواطن الخفيف، ومستقبل الأوطان

الأمر لا يتعلق بالكرة وحدها، بل يمكن لأي بديل آخر أن يؤدي الدور ذاته: مسلسل، ترند، خصومة افتراضية، معركة وهمية تُدار بكفاءة عالية. الفكرة بسيطة: لا تُسكت الناس أشغلهم

مشاركة:
حجم الخط:

لا يكون الإنسان عادلًا حين يقوده هواه، ولا مستقيمًا حين يستعير عقله من نشرة أخبار، أو من هتاف جماعي أهوج،
والتحذير من الإنصياع للهوى قديم، لكننا نتعامل معه كتحذير صحي على علبة دخان ،نقرأه، ونهز رؤوسنا بحكمة، ثم نواصل النفخ بعمق ،
لذلك لم يكن خداعنا يومًا مهمة معقدة، ولم يحتج أحد إلى عبقرية شريرة لاختراقنا، فقط تطلب الأمر معرفة بسيطة بمفاتيحنا: ما الذي يحمّسنا، ما الذي يخيفنا، وما الذي يجعلنا ننسى،والباقي يتكفّل به “المواطن الخفيف متطوعا” فهو كائن طيب يحمل قلبًا وطنيًا كبيرًا، وعقلًا عصفورى التكوين.

وقديمًا قيل إن جيوشًا دخلت بلادنا لأن أجدادنا انشغلوا بالقطط السوداء والحيوانات المقدسةأكثر مما ينبغي،قد تكون الحكاية مبالغًا فيها، لكن الملاحظ انه حين يتزاحم الرمز والوطن،لا نفكر برهة،ولا حتى يختلط علينا الأمر ،بل نسارع بالانحناء للرمز وتمريره.

وعندما جاءت كليوباترا. لم تحتج إلى مدفع، ولا إلى بيان رقم واحد. يكفي افتتان محسوب،ومزاج عام يميل حيث تميل العيون. فالدول لا تسقط دائمًا بالقوة؛ أحيانًا تسقط بالفتنة والإعجاب.
أما في العصر الحديث فلم نعد نحتاج إلى ملكة فاتنة، يكفينا جدول الدوري.
وفتنة كرة القدم تتمثل فى قدرتها المدهشة على أن تصبح وطنًا بديلًا لساعتين، ننسى بعدها لأى وطن نتحمس.

فهدف في الدقيقة التسعين يعيد للناس إيمانهم بالحياة.

كذلك مباراة واحدة كفيلة بأن تنقلنا من سؤال: لماذا ترتفع وتتوحش الأسعار ؟
إلى سؤال: لماذا لم يحتسب الحكم ضربة الجزاء؟
بينما تصريح لاعب محدود الفكر يغطى على أخبار استمرارية رئيس الوزراء فى منصبه ،
وشائعة انتقال مهاجم من ناد الى منافسه تطغى على كوارث وأحداث كبرى لها علاقة بالجغرافيا والمنابع ،

الأمر لا يتعلق بالكرة وحدها، بل يمكن لأي بديل آخر أن يؤدي الدور ذاته: مسلسل، ترند، خصومة افتراضية، معركة وهمية تُدار بكفاءة عالية. الفكرة بسيطة: لا تُسكت الناس أشغلهم، ولا تمنعهم من النقمة،لكن امنحهم موضوعًا أسهل للغضب.
والمواطن الخفيف ليس غبيًا هو فقط يفضّل المعارك الآمنة التي يمكن الفوز بها بالصراخ. فهو يحب أن ينتصر في المدرجات، لأن الانتصار هناك مضمون نسبيًا. أما الأسئلة الثقيلة – عن السياسات، والاقتصاد، والخيارات الكبرى – فهي تحتاج صبرًا لا يتناسب مع العصر ،

شارك المقال: