مقالات

المسحراتي الذي نفتقده

ظلت فكرة المسحراتي فلكورية بسيطة طوال قرون منذ عرفها المصريون في العصر الفاطمي، فالفكرة الأصلية تقوم على إيقاظ الصائمين للسحور عن طريق الطرق على ألة صوت

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: علي أبو هميلة

ظلت فكرة المسحراتي فلكورية بسيطة طوال قرون منذ عرفها المصريون في العصر الفاطمي، فالفكرة الأصلية تقوم على إيقاظ الصائمين للسحور عن طريق الطرق على ألة صوت ضخمة يتم ذلك قبل شروق النهار وأذان الفجر بوقت يكفي لتسحر الصائم.
في النصف الثاني لستينات القرن العشرين فكرت اللإذاعة المصرية في تطوير الشكل الغالب للمسحراتي، فقدمت الإذاعية الشهيرة أمال فهمي الفكرة مقترحة أسم الشاعر الكبير صلاح جاهين الذي كان يقدم معها فوازير رمضان عبر أثير إذاعة البرنامج العام، لكن الشاعر العارف بقيمة رفاقه من الشعراء طرح أسم فؤاد حداد كأجدر منه على القيام بالمهمة الكبيرة.
ذهب جاهين له حاملا الفكرة، فانتقل فؤاد حداد بها إلى أفاق آخرى لم تكن في ذهن القائمين عليها، ومن البساطة للفكرة إلى عمقها بدأ فؤاد حداد أولى مواسمه في رمضان عام 1965، فكانت صرخة المسحراتي لإيقاظ الأمة بكاملها.
مواسم ست قدمها فؤاد حداد في المسحراتي بما يعادل 180 حلقة إذاعية، ظلت هذه الحلقات تقدم إذاعيا وتليفزيونيا حتي نهايات القرن العشرين، لم يكتف بفكرة التسحير وكون المسحراتي يدق بطبلته وموسيقاه ليوقظ الصائمين الذين كانوا يناموا مبكرا ليتناولوا طعام السحور، بل دعاهم لليقظة لقضايا الأمة و في القلب منها قضيتنا الكبرى قضية فلسطين
ياقدس تتفجر الجراح
والصبر حرب وأيوب صلاح .. ياأخت من مكه والبطاح
قلبى انضرب للعرب وصاح .. لابد من فتح فى الصباح
المشى طاب لى .. والدق على طبلى
ناس كانوا قبلى .. قالوا فى الأمثال
الرجل تدب مطرح ماتحب
وأنا صنعتي مسحراتي في البلد جوال
لم يكتف حداد بذلك بل غاص في أعماق التاريخ الإسلامي ليقدم لنا نماذج إسلامية منيرة مثل عمربن الخطاب الفاروق والذي يمثل النموذج للعدل والزهد، وسعى لكي يقدم في كل حلقة من حلقات العمل خلال السنوات الست لكي يقدم قيمة فريدة
مســحـراتي مـنـقـراتي محاضراتي .. تجلي العقول
في عصر ذري .. لازم نقري
شعر المعري .. ولازم نقول
أولى ابتدائي .. ألفي وبائي
أكرم أبائي .. الناس أصول

مسحراتية بعد فؤاد حداد
جعل فؤاد حداد فكرة كتابة المسحراتي صعبة على كل من جاء بعده خاصة أنه قدم معها عملين كبيرين هما في نور الخيال وصنع الأجيال في تاريخ القاهرة الذي يحكي تاريخ القاهرة في ألف عام من خلال نماذج المقاومة والنضال ضد الاستبداد والاحتلال، وكذلك عمله الفريد عن صحابة الرسول الكريم صل الله عليه وسلم المعنون باسم الحضرة الذكية
يا اهل الأمانه والندى والشوق، يا مجمّعين
الشمل الحضره الزكية، أوِّل ما نبدي
القول نصلّي على النبي .. المصطفى سيّد ولد عدنان
آه يا مُنَى عَيْني مُنَى عَيْني .. يا سيّدي يا ابن الذبيحينِ
انت الأمين في هلال محرّم هاجر .. ذكر هلال نادى على الأم هاجر
إذ هَرْوَلَت بينَ الصفا والمرْوَه .. وبكت ليالي واسماعيل لم يَرْوَ
بتواجه الريح اللي تعوِي وتجلد .. وحجر وظلمه وخوف وشمس ورم

فؤاد حداد مع الشعراء جمال بخيت وهشام السلاموني والأعلامي محمود سعد في مجلة صباح الخير

هذه الأعمال قدمت للإذاعة المصرية في سنوات تقديم المسحراتي فالأول قدم 1969، العام قبل الإخير للمسحراتي، وبعدها بعام قدم هذا العمل الفريد الحضرة الذكية، والذي يتناول التاريخ الإسلامي من خلال الرسول وصحابته، كل هذه الأعمال والتي خصصت لرمضان من كل عام جعلت الإقتراب من عمل كالمسحراتي محفوفا بشكوك الأقتراب من إبداع حداد أو الابتعاد عنه، فما من تجربة لشاعر إلا وقورنت بعمل والد الشعراء فؤاد حداد.
كان معظم من حاولوا تقديم المسحراتي مرة آخرى أما أصدقاء للشاعر الذي لا تزال بصمته واضخة على العمل أو تلاميذ له، من هؤلا الذين قدموا المسحراتي بعد رحيل حداد الشاعر الكبير عمر الصاوي، وهو واحد ممن عايشوا حداد واقتربوا منه، حاول الصاوي أن يبتعد هن موضوعات حداد أو يتناولها بصورة آخرى ونماذج جديدة، واختار أن يقدم النموذج الشعبي سواء من خلال الصنايعية، أو الأحياء الشعبية وأجواءها الرمضانية،
فاتت ليالي كريمه وبعد منها العيـد
رد الفطاطـري وهوّ جاي من بعيــد
“واللهْ وراح توحشنا يـا بو السيْـد”
يـا بـو علـي خليـنـا فى التفـاريــح
هـات العجـل والبمـب والمراجيــح
علشــان نطيّـر شعـرنا فـي الريـــح
مثل هذا النموذج الذي يقدمه عن الفطاطري وليلة العيد، ورغم أن حداد قدم حلقة عن كعك العيد إلا إن تناولها كان عن عمل الكعك في المنازل وطقوسها، كذلك قدم الصاوي في حلقاته نماذح وطنية، مثل التي قدمها حداد في ديوان في نور الخيال فكانت حلقة المسحراتي عن شاعر الثورة العرابية عبد الله النديم، وبالتأكيد يحق لكل مبدع تناول شخصيات تاريخية من زاويته ورؤيته.
إسكندريـه قالـت لـي: إنـده عرابـــي
تنظـر بعيـد وتقـول: يا جـاه النبــــي
يـا قــوة الله اللـــي تسنــد بـابــــــي
وقف النديم بيدافــع .. وعرابى علّى المدافع
والشمـس واقفـه تنظــر المعــركــــه
ما لقتـش واحـد من ولادها اشتكـى
كانت تجارب الصاوي التي بدأت بعد رحيل حداد نهاية عام 1985، لها تميزها أيضا، لكن هذا التجربة وتجارب آخرى لم تزحزح حداد عن قمته التي تربع عليها منذ موسمه الأول في العمل الذي نفتقده في رمضان، وقد يطرح تساءل هل نحن في حاجة في ظل وسائل التواصل الاجتماعي وكل هذا الإنتاج الدرامي والتليفزيوني المتواجد على الشاشات العربية في رمضان إلى المسحراتي؟ ومن يوقظ والناس في كافة الأنحاء لا تنام؟
نحن بحاجة حقا إلى المسحراتي الوظيفة التي ابداعها له فؤاد حداد، ومن جاء بعد فجميعهم حاولوا في الوظيفة، أيقاظ وطن راح في سبات كبيرعن قضاياه وأحلامه، ويحتاج لآلاف من المسحراتية ليقظوه، إن أمة تقتحم مقدساتها كل يوم وخاصة في الشهر الكريم وتكتفي بالإدانة والشجب لهي أمة تحتاج موقظين، لا يتوقفون عن العمل طرال الليل والنهار لتنهض وترى مستقبلها.
مسحراتي انترنت

كاتب المقال مع الشعراء أمين حداد ومحمد بهجت وبهاء جاهين

في عام 2001 كنت على موعد مع نموذج جديد للمسحراتية مع الشاعر الصديق جمال بخيت، وكان العام الذي سبقه قد شهد محاولة مع الشاعر سامح العلى لتقديم نوع جديد من المسحراتي، حينما اختار العلي أن نقدم معا القصص الشعبية بما فيها من أساطير كفكرة جديدة تقدم للمسحراتي، وهي بالفعل جديدة لم تقدم مثل حسن ونعيمة، شفيقة ومتولي، فاطمة وعلوان، وإيزيس واوزريس، وغيرها من قصص التراث الشعبي، ولم تجد الفكرة أذانا صاغية في ماسبيرو، وظلت حبيسة أدارجي وسامح العلي حتى قدم منها نماذج مسرحية على مسرح البالون بالقاهرة بعنوان الأولة في الغرام.
أما جمال بخيت فقد أحتار مساحة آخرى ليقدمها حينما كتب في عام 2001 مسحراتي العرب، وتلك منطقة أيضا جديدة مع شاعر تنطق كل حروفه بانتمائه العربي، هذا ليس بعيدا عن أغلب شعراء العامية ولكن الفكرة لدي بخيت كانت جديدة وأيضا حديثة تتوجها حلم الوحدة العربية.
والعقل لما يفوز..على كل ليل مهزوز

وينور القاهرة ..الهادرة القادرة

لما فى لحظة تعوز ..يملى هوانا المسك

ويدلنا الارابيسك ..على أول التنوير

طفل وزمانة عسير .. بالجبه والقفطان

يتهز فى الازهر .. ويرتل القرآن ..تثبت الأركان.
الفكرة تطرح كل ما هو يوحد الأمة العربية من أفكار وشخصيات وتراث معماري أو تاريخي، اختصر جمال بخيت دهاليز التليفزيون المصري الذي كان قد بدأ يغير أتجاهاته وقدم العمل لشبكة تليفزيون العرب، ورغم موافقات مبدئية للعمل، حينما تواصل معي من داخل الشبكة وذهبت على موافقة للعمل إلا أن هناك من أوقف العمل، ولم ينتج، واكتفى بخيت بعد ذلك بتقديم نماذج منه سواء في احتفاليات ثقافية رمضانية أو لقاءات تليفزيونية.
التجربة الأخيرة التي عاصرتها لإنتاج المسحراتي كانت عام 2004، وكانت مع الشاعر محمد بهجت، حينما فكر في تقديم عمل يتناسب مع عصر الانترنت، قدم معي للتليفزيون المصري مسحراتي دوت كوم، وهو العمل الذي أنتجته القناة الثالثة، وقام بتلحين العمل الملحن أحمد الحجار، كانت المحاولة استخدام الوسائل الحديثة في محاولة الإيقاظ، من خلال الشاعر والملحن اللذان يقومان بكتابة النص، واداءه عبر الانترنت سواء اليوتيوب أو صفحات الفيس بوك، وتوتير.
التجربة رغم اكتمالها تليفزيونها وتقديمها إلا أنها لم تنجح في الوصول للجمهور عبر هذه الوسائل، فقد كانت تحتاج جهدا تسويقيا لا يتناسب مع موافقات متأخرة وإنتاج أواخر الأيام والساعات قبل رمضان، ويبقي أن رغم كل الجهود إلا أن النوايا الصادقة لإنتاج عمل كالمسحراتي لم تعد موجودة حتى إن وجد من يستطيع أن يقترب مما قدمه فؤاد حداد وملحن كبير بحجم سيد مكاوي. ليظل العمل من الأعمال التي نفتقدها على مائدة الإنتاج الرمضاني فلا يتبقى لمن يشعر بالحنين إلا تقديم مقاطع منها إذاعية على حوائطهم على التواصل الاجتماعي.

المصدر: الجزيرة مباشر نت

شارك المقال: