علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقنيات
هيفار حسن.
هيفار حسن.

الذكاء الاصطناعي واللغة العربية.. هل نفقد القدرة على تمييز الكاتب الحقيقي؟

يمكن لأدوات متخصصة تحليل المؤشرات اللغوية والأسلوبية لتقدير احتمال كتابة نص بواسطة الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا تستطيع هذه الأدوات إثبات مصدر كل نص بصورة قاطعة. وتزداد صعوبة الكشف باللغة العربية بسبب تنوع اللهجات ونقص البيانات المرجعية وتطور النماذج اللغوية.

مشاركة:
حجم الخط:

هل تستطيع اكتشاف النصوص التي يكتبها الذكاء الاصطناعي؟ دراسة تكشف مفاجآت

مركز بيو للأبحاث — الدراسة الأصلية

كشفت دراسة حديثة لمركز بيو للأبحاث في الولايات المتحدة أن 10% من صفحات الإنترنت الإنجليزية،

ضمن عينة جُمعت في يوليو 2026، أظهرت مؤشرات واضحة على استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابتها أو تعديلها.

وارتفعت النسبة إلى أكثر من الثلث عند الاقتصار على صفحات العينة المنشورة بعد إطلاق «تشات جي بي تي»،

ما يثير تساؤلات بشأن قدرة القراء على التمييز بين المحتوى البشري والآلي.

وفي تقرير نشرته «بي بي سي نيوز عربي»، استعرضت الصحفية هيفار حسن نتائج الدراسة وآراء

متخصصين في معالجة اللغة الطبيعية والصحافة الرقمية، بحثًا عن إجابة لسؤال أصبح حاضرًا في تجربة القراءة اليومية:

هل يمكن معرفة من كتب النص، الإنسان أم الذكاء الاصطناعي؟

ولا تتوقف القضية عند الكشف عن هوية الكاتب؛ إذ تمتد إلى مستقبل اللغة العربية،

وتأثير الاعتماد المتزايد على الأدوات الذكية في مهارات الكتابة والإبداع والتفكير المستقل.

هل تستطيع التمييز بين ما يكتبه الإنسان وما ينتجه الذكاء الاصطناعي؟

دراسة أمريكية: الذكاء الاصطناعي يترك بصمته على صفحات الإنترنت

حلل مركز بيو للأبحاث نحو 490 ألف صفحة إلكترونية باللغة الإنجليزية، ضمن دراسة نُشرت في 20 أغسطس 2026،

لقياس انتشار المؤشرات المرتبطة بالمحتوى المنتج أو المعدّل باستخدام الذكاء الاصطناعي.

واعتمد الباحثون على أرشيف «كومن كرول» الإلكتروني، الذي يحتفظ بنسخ من صفحات الإنترنت،

إلى جانب أداة متخصصة في تحليل أنماط الكتابة.

وأظهرت النتائج أن نحو 10% من صفحات عينة يوليو 2026 تحمل مؤشرات مهمة على الكتابة أو التحرير بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

لكن النسبة ارتفعت إلى أكثر من الثلث بين صفحات العينة التي أمكن تحديد نشرها بعد إطلاق «تشات جي بي تي» في نوفمبر 2022.

ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن ثلث محتوى الإنترنت بالكامل أصبح مكتوبًا بالذكاء الاصطناعي.

فالدراسة اقتصرت على صفحات باللغة الإنجليزية، كما اختلف نطاق الصفحات التي شملها كل حساب إحصائي.

وبالتالي، تعكس النتائج اتجاهًا متزايدًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى،

لكنها لا تقدم تقديرًا شاملًا لجميع اللغات أو صفحات الإنترنت.

هل تترك النصوص المولّدة آليًا علامات تكشف مصدرها؟

مع الانتشار المتزايد للمحتوى المولّد آليًا، يتساءل القراء والباحثون عن إمكانية اكتشاف النصوص

التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي.

غير أن هذه المهمة ليست سهلة؛ فالأنظمة الحديثة تستطيع إنتاج نصوص تتشابه بدرجة كبيرة مع الكتابة البشرية،

سواء في المفردات أو بناء الجمل أو طريقة عرض الأفكار.

ولذلك، لا يعتمد الباحثون على علامة واحدة لاكتشاف النصوص، بل يفحصون مجموعة من المؤشرات اللغوية والأسلوبية.

وتشمل هذه المؤشرات تكرار كلمات معينة، وطريقة تركيب الجمل، وأنماط استخدام علامات الترقيم،

فضلًا عن بعض السمات التي تظهر بصورة متكررة في المحتوى المولّد آليًا.

وفي هذا السياق، أظهرت دراسة مركز بيو أن استخدام الشرطة الطويلة في النصوص الإنجليزية تضاعف تقريبًا منذ عام 2023.

كما رصد الباحثون ارتفاعًا في استخدام مفردات وتراكيب لغوية ترتبط بأنماط الكتابة التي تفضلها بعض النماذج.

لكن وجود هذه العلامات لا يثبت وحده أن النص مكتوب بالذكاء الاصطناعي.

فالبشر يستخدمون الأساليب نفسها أيضًا، بينما قد تخطئ أدوات الكشف في تصنيف النصوص البشرية أو الآلية.

لذلك، تعتمد عملية التمييز على تحليل مجموعة من المؤشرات مجتمعة، وليس إصدار حكم اعتمادًا على كلمة أو علامة ترقيم منفردة.

خبيرة: اكتشاف النصوص الآلية أصعب باللغة العربية

تؤكد هدى بوعمر، أستاذة معالجة اللغة الطبيعية وتعلم الآلة المشاركة في جامعة كارنيغي ميلون بالدوحة،

أن اكتشاف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي ممكن من الناحية النظرية.

لكن المهمة تصبح أكثر تعقيدًا مع التطور المستمر للنماذج اللغوية.

وتوضح، في تصريحات لبي بي سي، أن أدوات الكشف المستخدمة مع اللغة الإنجليزية أكثر تطورًا مقارنة بنظيراتها العربية.

ويرتبط هذا التفاوت بعدة عوامل، أبرزها نقص قواعد البيانات المرجعية الكبيرة باللغة العربية،

إلى جانب تنوع أنماط الكتابة بين الفصحى واللهجات العامية.

إضافة إلى ذلك، قد تنتج أنظمة الذكاء الاصطناعي نصوصًا تبدو أكثر انتظامًا من الكتابة البشرية،

وهو ما يزيد صعوبة اكتشاف مصدرها.

وفي المقابل، تواجه أدوات الكشف تحديًا آخر يتمثل في قدرة الإنسان نفسه على كتابة نصوص دقيقة ومنظمة،

قد تتشابه مع الأسلوب الذي تستخدمه النماذج.

وبالتالي، لا يمكن اعتبار سلامة اللغة أو انتظام الأسلوب دليلًا كافيًا على أن النص مولّد آليًا.

اللغة العربية أمام تحديات البيانات واللهجات

على صعيد آخر، يواجه تطوير الذكاء الاصطناعي باللغة العربية تحديات تتعلق بطبيعة اللغة وتنوعها الثقافي والجغرافي.

وبحسب هدى بوعمر، فإن كمية البيانات الرقمية العربية المتاحة لتدريب النماذج لا تزال أقل بكثير من نظيرتها الإنجليزية.

كما تزيد الفروق بين اللغة الفصحى واللهجات المحلية من تعقيد عملية التدريب،

خصوصًا مع محدودية البيانات الموثوقة التي تمثل اللهجات العربية المختلفة.

وتضاف إلى ذلك طبيعة البنية الصرفية للغة العربية، التي تتسم بتعدد الاشتقاقات والتراكيب.

وفي محاولة لمعالجة بعض هذه التحديات، شاركت بوعمر مع باحثين آخرين في مشروع «مدار» (MADAR).

ويهدف المشروع إلى تطوير موارد لغوية رقمية تدعم عشرات اللهجات العربية،

بما يساعد الباحثين على بناء أدوات أكثر قدرة على التعامل مع التنوع اللغوي.

ومع ذلك، لا تقتصر التحديات على الجوانب التقنية.

فقد أشارت نهى ميللر، الأستاذة في جامعة الشارقة والمتخصصة في الإعلام العربي والصحافة الرقمية،

إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تواجه أيضًا صعوبة في فهم السياقات الثقافية.

وتوضح أن النظام قد ينتج نصًا سليمًا من الناحية اللغوية، لكنه يعكس تصورات ثقافية غربية لا تتناسب بالضرورة مع البيئة العربية.

ومن هنا، ترى ميللر أن تحسين قدرات الذكاء الاصطناعي العربي يتطلب الاهتمام بالثقافة والسياق،

وليس الاكتفاء برفع مستوى الدقة اللغوية.

هل يساعد الذكاء الاصطناعي العرب على الكتابة بالفصحى؟

في المقابل، يرى نزار حبش، أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة نيويورك أبوظبي والمتخصص في معالجة اللغة العربية،

أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصة مهمة لتسهيل الكتابة باللغة الفصحى.

ويستند هذا الرأي إلى طبيعة الاستخدام اللغوي في المجتمعات العربية، حيث يتعلم معظم الأفراد لهجاتهم المحلية بصورة تلقائية،

بينما يتطلب إتقان الكتابة بالفصحى تدريبًا وممارسة.

ولذلك، يمكن للأدوات الذكية أن تساعد المستخدم على تحويل أفكاره أو عباراته العامية إلى نص عربي فصيح وواضح.

كما تتيح هذه التقنيات للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الصياغة التعبير عن أفكارهم بطريقة أكثر تنظيمًا.

ومن وجهة نظر حبش، قد تكون هذه المساعدة ذات قيمة خاصة للغة العربية، لأنها توسع فرص استخدامها في التواصل والكتابة.

لكن هذه الفوائد لا تلغي التحديات المرتبطة بمدى اعتماد المستخدم على النظام في التفكير وصياغة الأفكار.

من الرسائل إلى الصحافة.. الذكاء الاصطناعي يغير أدوات الكتابة

لم تعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي مقتصرة على التجارب التقنية أو الاستخدامات المتخصصة.

فمنذ إطلاق «تشات جي بي تي»، أصبح كثير من المستخدمين يستعينون بهذه الأدوات في كتابة الرسائل الإلكترونية

والنصوص القصيرة، إلى جانب الترجمة وتحرير المحتوى.

كما امتدت الاستخدامات إلى إعداد الوثائق الرسمية، وتصحيح الأخطاء اللغوية،

وتلخيص النصوص، وإنشاء المسودات الأولية للمقالات والتقارير.

وبحسب نزار حبش، لا تتوافر إحصاءات كافية تسمح بتحديد حجم هذه الاستخدامات بين الناطقين بالعربية بصورة دقيقة.

ومع ذلك، يرجح أن أنماط الاستخدام العربية لا تختلف كثيرًا عن الاستخدامات المنتشرة باللغات الأخرى.

وفي الوقت نفسه، يرى أن الفائدة قد تكون أكبر لدى بعض المستخدمين العرب،

خصوصًا عندما تساعدهم الأدوات على الانتقال من اللهجة المحلية إلى الكتابة بالفصحى.

لكن اتساع هذه الاستخدامات يثير سؤالًا آخر: هل يؤدي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي

إلى تحسين مهارات الكتابة، أم إلى إضعافها تدريجيًا؟

الذكاء الاصطناعي والإبداع.. المساعدة أم التفكير بالنيابة عن الإنسان؟

يرى نزار حبش أن تأثير الذكاء الاصطناعي على مهارات الكتابة يعتمد بالدرجة الأولى على طريقة استخدامه.

فإذا اعتمد المستخدم على النظام لإنتاج أفكار لا يفهمها، فقد يحصل على نص يبدو متماسكًا ومقنعًا،

دون امتلاك معرفة حقيقية بمضمونه.

أما إذا استخدمه لمراجعة أفكاره وتطويرها واختبار حججه، فقد يساعده ذلك على تحسين جودة التفكير والكتابة.

وبالتالي، لا تكمن المشكلة في الاستعانة بالتقنية نفسها، بل في تحويلها إلى بديل كامل عن المجهود العقلي.

ومن هنا، يميز حبش بين استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه مساعدًا في الكتابة،

والاعتماد عليه لإنتاج الأفكار والتعبير عنها دون مشاركة فكرية حقيقية من الإنسان.

وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من أن يؤدي الاستخدام المفرط لهذه الأدوات إلى تراجع مهارات التفكير المستقل

والقدرة على تطوير الأفكار.

وفي المقابل، يمكن للاستخدام الواعي أن يعزز الإبداع، عبر مساعدة الكاتب على مراجعة أفكاره وتوسيعها وتحسين عرضها.

هل تتجه الكتابة العربية نحو أسلوب موحد؟

تطرح نهى ميللر احتمالًا آخر يتعلق بالتأثير المتبادل بين الذكاء الاصطناعي والكتابة البشرية.

فمع تزايد استخدام هذه الأدوات في التحرير والترجمة والتلخيص، قد تتأثر أساليب الكتابة الصحفية العربية

بالأنماط اللغوية التي تنتجها النماذج.

وتشير ميللر إلى أن الأنظمة الحالية تميل غالبًا إلى إنتاج نصوص باللغة الفصحى،

بدلًا من التعامل مع جميع اللهجات العربية بالدرجة نفسها من الكفاءة.

وبالتالي، قد يسهم انتشار هذه الأدوات في ظهور أسلوب رقمي أكثر ميلًا إلى الفصحى.

لكن الباحثة تؤكد أن إثبات هذا الاحتمال يتطلب دراسات طويلة المدى.

وفي الوقت نفسه، تحذر من أن الاعتماد المفرط على الأدوات الذكية قد يؤدي إلى تشابه الأساليب وتكرار التراكيب اللغوية.

وتوضح أن العلاقة بين الصحفي والذكاء الاصطناعي أصبحت تفاعلية؛

فالنماذج تتعلم من النصوص البشرية، بينما يستعين الصحفيون بمخرجاتها في الكتابة والتحرير.

ومن ثم، يبرز تساؤل بشأن ما إذا كانت هذه العلاقة ستزيد التنوع اللغوي والإبداع، أم تدفع المحتوى نحو أنماط أكثر تشابهًا.

كيف يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر فهمًا للعربية؟

للحد من هذه المشكلات، ترى هدى بوعمر أن تطوير النماذج العربية يحتاج إلى تغيير في أساليب تصميمها،

وليس مجرد زيادة حجم البيانات المستخدمة في التدريب.

فالعربية، وفقًا للباحثة، تضم الفصحى ولهجات متعددة، تختلف في المفردات والتراكيب والسياقات الثقافية من بلد إلى آخر.

ولذلك، ينبغي تدريب الأنظمة على نصوص حقيقية تعكس هذا التنوع، مع إشراك باحثين

ومتحدثين عرب من مناطق مختلفة منذ المراحل الأولى للتطوير.

إضافة إلى ذلك، تؤكد أهمية دعم الأبحاث العربية المتخصصة في معالجة اللغة الطبيعية،

بدلًا من الاكتفاء بتعريب تقنيات صُممت أساسًا للإنجليزية.

وفي المقابل، يرى نزار حبش أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشجع المستخدمين العرب على الكتابة بلغتهم،

بدلًا من التحول إلى الإنجليزية أو الفرنسية.

ومع ذلك، يحذر من مخاطر الاعتماد الكامل على الأدوات الذكية، خصوصًا عندما يؤدي إلى إضعاف

الإبداع والمعرفة الأساسية والقدرة على الاحتفاظ بالمعلومات.

وفي نهاية المطاف، تبرز أمام مستقبل الكتابة العربية معادلة تجمع بين الفرص والتحديات.

فبينما تتيح التقنيات الحديثة الكتابة بصورة أسهل وأكثر دقة، تظل قيمة النص مرتبطة بالأفكار والمعرفة التي يقدمها صاحبه.

وهكذا، قد لا يصبح السؤال الأهم مستقبلًا هو ما إذا كان النص قد كُتب بواسطة إنسان أو آلة،

بل ما إذا كان صاحبه قد استخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز تفكيره، أم تركه يفكر ويكتب نيابة عنه.

 

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك

التعليقات (1)

  • Edward Smith 13 ساعة مضت

    Hello,

    The way people search online is changing. Along with Google, more people are using AI platforms, voice assistants, and conversational search to find businesses.

    Because of this, traditional SEO alone may not be enough.

    We offer a combined SEO + AEO strategy to improve visibility across Google, voice search, conversational queries, and AI-powered search.

    If you’d like to strengthen your online presence, we’d be happy to share our service proposal and pricing.

    Let me know if you’d like to receive the details.

    Best regards,

    Edward