ترجمات

الحرس الثوري الإيراني: من رماد الحرب إلى قمة السلطة

طهران تخوض معركة بقاء غير مسبوقة، والحرس الثوري يتموضع لملء الفراغ

مشاركة:
حجم الخط:

نشرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية تقريرًا استند إلى مقابلات مع مسؤولين وباحثين ومصادر إيرانية مطلعة، تناول مستقبل الحرس الثوري الإيراني في ظل الحرب المتصاعدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويشير التقرير إلى أن الحرس الثوري، الذي خرج من حربه الطويلة مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي أكثر قوة ونفوذًا، يواجه اليوم اختبارًا جديدًا قد يعزز مكانته داخل النظام الإيراني إذا تمكن من الصمود.

حرب قاسية واختبار وجودي

تعرض الحرس الثوري خلال الأسابيع الأولى من الحرب لضربات قاسية. فقد اغتيل المرشد الأعلى علي خامنئي، كما فقدت القيادة العسكرية للحرس عددًا من كبار قادتها نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، بينما دُمّر مقره الرئيسي في طهران.

ورغم هذه الخسائر الكبيرة، ما يزال الحرس الثوري، وهو أكبر جهاز أمني في الجمهورية الإسلامية، يحتفظ بقدرته على إدارة العمليات العسكرية على أكثر من جبهة.

وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار في إيران إن البلاد قد تخرج من هذه الحرب أكثر تشددًا، مشيرة إلى أن الحرس الثوري مرشح لتعزيز نفوذه داخل الدولة في المرحلة المقبلة.

دولة داخل الدولة

منذ تأسيسه عقب الثورة الإيرانية عام 1979، لم يعد الحرس الثوري مجرد قوة عسكرية تقليدية، بل تحول إلى مؤسسة متعددة الأدوار تمتد نفوذها إلى السياسة والاقتصاد والأمن.

فالحرس يمتلك جهازًا استخباراتيًا واسعًا، ويدير شبكة اقتصادية ضخمة، إضافة إلى قوة بشرية تُقدّر بمئات الآلاف، فضلًا عن علاقاته الواسعة مع حلفاء إقليميين وجماعات مسلحة في الشرق الأوسط.

ويقول محسن ميلاني، أستاذ العلوم السياسية ومؤلف كتاب عن صعود إيران الإقليمي، إن الحرس الثوري والمؤسسة الدينية في إيران شكلا طوال العقود الماضية جناحين أساسيين للنظام السياسي.

أما ولي نصر، المسؤول الأمريكي السابق وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، فيرى أن التوقعات الغربية بانقسام الحرس أو تفككه مبالغ فيها، مؤكدًا أن عناصره يعتبرون أنفسهم حماة النظام والدستور.

خسائر كبيرة لكن العمليات مستمرة

تكبد الحرس الثوري خسائر كبيرة مع بداية الحرب، إذ قُتل قائده حسين سلامي في الساعات الأولى من اندلاع المواجهة في يونيو، كما قُتل خليفته لاحقًا في قصف استهدف مجمع خامنئي في طهران.

وتشير تقارير إلى أن أحمد وحيدي، أحد القادة المخضرمين في حرب الثمانينيات، قد يتولى إدارة العمليات العسكرية حاليًا بشكل غير معلن.

ورغم هذه الضربات، تمكن الحرس من تنفيذ هجمات استهدفت قواعد ومنشآت أمريكية وسفارات، كما أطلق موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل.

وفي ظهور نادر على التلفزيون الرسمي، قال أمير حيدري، نائب قائد مقر خاتم الأنبياء، إن إيران لن تنهي الحرب إلا بعد فرض إرادتها على خصومها والرد على اغتيال قادتها.

فراغ في قمة السلطة

أدى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي إلى فراغ دستوري غير مسبوق في إيران. وتدير البلاد حاليًا قيادة مؤقتة تضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورجل دين بارز، ورئيس السلطة القضائية.

لكن محللين يؤكدون أن الحرس الثوري والجيش النظامي يلعبان الدور الأبرز في إدارة المجهود الحربي.

كما أن العديد من الشخصيات السياسية البارزة في إيران تنحدر في الأصل من صفوف الحرس، ومن بينهم علي لاريجاني، أمين مجلس الأمن القومي الأعلى، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

ويرى خبراء أن الحرس الثوري سيؤدي دورًا مؤثرًا في اختيار المرشد الأعلى الجديد إذا وصل النظام إلى مرحلة اتخاذ هذا القرار.

ومن بين الأسماء التي يجري تداولها في هذا السياق مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، الذي تربطه علاقات قوية بكبار قادة الحرس.

القرار الأصعب: إنهاء الحرب

يعتقد ولي نصر أن الاختبار الحقيقي للنظام الإيراني لن يكون في ميدان القتال، بل في لحظة اتخاذ القرار السياسي الحاسم: هل تنتهي الحرب؟ وهل تقبل إيران وقف إطلاق النار؟

فمثل هذه القرارات كانت سابقًا بيد المرشد الأعلى وحده، وهو ما يجعل غيابه عاملًا مؤثرًا في طريقة صنع القرار داخل النظام.

ومع ذلك، تشير مصادر مطلعة إلى أن القيادة الإيرانية وضعت قبل اندلاع الحرب إطارًا للتعامل مع سيناريوهات محتملة، بما في ذلك وقف إطلاق النار.

ويقول ميلاني إن الجمهورية الإسلامية لم تعد نظامًا يعتمد على شخص واحد، بل تحولت إلى منظومة مؤسسية معقدة تضم مراكز قوى متعددة وأجهزة أمنية واستخباراتية متشابكة.

رواية الانتصار المحتملة

إذا انتهت الحرب وبقي النظام الإيراني قائمًا، فمن المرجح أن يسعى الحرس الثوري إلى تقديم ما حدث باعتباره انتصارًا سياسيًا.

ففي الرواية التي قد يروج لها داخل إيران، سيؤكد الحرس أنه واجه الولايات المتحدة، القوة العسكرية الأكبر في العالم، وإسرائيل، دون أن يرضخ أو يعلن الاستسلام.

ويشير محللون إلى أن مثل هذا الخطاب غالبًا ما يحظى بقبول واسع داخل إيران، حيث تُحوَّل الخسائر العسكرية إلى رواية صمود تعزز شرعية النظام وتدعم نفوذ مؤسساته الأمنية.

شارك المقال: