إذا صفت رأت (9)
في حي بن يقظان لـ ابن طفيل لا نجد سلسلة أحداث درامية بالمعنى التقليدي¹.. لا حروب.. لا صراعات اجتماعية.. لا شبكة شخصيات معقدة. النص يقوم كله تقريبًا على شخصية واحدة

المقام التاسع
الطواف في السرد الصوفي
أحمد عبد الجواد
حين تتحول الحكاية إلى رحلة وعي
الحكاية في أغلب أشكال السرد الإنساني تبدأ من حدث.. تتطور عبر صراع.. وتنتهي إلى نتيجة واضحة. القارئ ينتظر دائمًا أن يحدث شيء.. أن تتحرك الشخصيات.. أن تتبدل الظروف.. أن تتصاعد العقدة ثم تنحل. غير أن من يقترب من السرد الصوفي يكتشف شيئًا مدهشًا.. الأحداث تكاد تختفي.. الحركة الخارجية تكاد تتلاشى.. ومع ذلك يشعر القارئ بأنه يسير في رحلة عميقة ومستمرة.
هذا هو التحول الكبير الذي أحدثه الخطاب الصوفي في فكرة السرد نفسها، الحكاية لم تعد تُبنى على ما يحدث في العالم.. بل على ما يحدث داخل الوعي.
في حي بن يقظان لـ ابن طفيل لا نجد سلسلة أحداث درامية بالمعنى التقليدي¹.. لا حروب.. لا صراعات اجتماعية.. لا شبكة شخصيات معقدة. النص يقوم كله تقريبًا على شخصية واحدة.. تتحرك في فضاء طبيعي هادئ، ومع ذلك يشعر القارئ بحركة هائلة، لأن الحركة ليست في الخارج، بل في تطور الإدراك نفسه.
الطفل الذي يبدأ بالنظر إلى الأشياء بوصفها ظواهر حسية.. ينتقل تدريجيًا إلى فهم قوانين الطبيعة.. ثم إلى التساؤل عن مصدر الوجود.. ثم إلى تجربة تأملية عميقة. السرد هنا لا يروي قصة حياة.. يروي رحلة وعي. الزمن لا يُقاس بالسنوات.. يُقاس بدرجات الفهم.
هذا النموذج يمثل أحد أقدم أشكال ما تسميه الدراسات الحديثة “الرواية المعرفية” أو “رحلة الإدراك”.. وهو شكل سيظهر لاحقًا في الأدب الأوروبي بعد قرون طويلة.

في منطق الطير لـ فريد الدين العطار نجد شكلًا آخر من السرد الصوفي².. الطيور تسافر بحثًا عن ملكها.. الطريق طويل.. العقبات رمزية.. كل مرحلة تمثل حالة نفسية أو روحية. القصة في ظاهرها رحلة جماعية.. في باطنها تحليل دقيق لتحولات النفس الإنسانية.
الأحداث هنا ليست هدفًا في ذاتها.. إنها مرايا.. كل موقف يكشف طبقة من الوعي. حين تعجز بعض الطيور عن الاستمرار.. لا يقدَّم ذلك كفشل درامي.. بل كدلالة على حدود الإدراك. النهاية نفسها لا تُغلق الحكاية.. تفتحها على اكتشاف جديد.. أن البحث عن الحقيقة هو الحقيقة نفسها.
في حكايات شهاب الدين السهروردي الرمزية نجد سردًا يقوم على الرؤية الداخلية أكثر من الفعل³ شخصيات تسافر في عوالم نورانية.. تواجه كائنات رمزية.. تعبر فضاءات غير واقعية. هذه العوالم لا تُقرأ بوصفها خيالًا هروبيًا، بل بوصفها تمثيلًا بصريًا لحالات الوعي.
السرد هنا يشبه الحلم الواعي، القارئ لا يتابع أحداثًا منطقية، يتابع تحولات نفسية تُجسّد في صور رمزية.

في نصوص محيي الدين بن عربي تظهر بنية سردية مختلفة تمامًا، بنية تقوم على “المنامات” و ”المشاهدات”⁴ لا وجود لبداية تقليدية أو نهاية مغلقة، المشهد يظهر فجأة ينكشف فيه معنى، ثم ينقطع، هذه القطع السردية القصيرة تشبه ما تسميه الدراسات الحديثة “السرد التأملي”.. حيث تصبح اللحظة أهم من الحدث.
حتى في كتب المناقب والسير الصوفية نجد هذا النمط واضحًا، حكايات عن لقاءات قصيرة، مواقف تبدو عادية، كلمة واحدة تغيّر مسار شخصية كاملة. التركيز لا يكون على الحدث الخارجي، بل على أثره الداخلي.
من خلال هذا الطواف الواسع يتضح أن السرد الصوفي يختلف جذريًا عن السرد التقليدي في ثلاث نقاط مركزية.
النقطة الأولى: أن الحركة فيه داخلية لا خارجية البطل لا ينتصر على خصم، ينتصر على جهله أو خوفه أو غفلته، الصراع ليس بين شخصيات، بل داخل الوعي نفسه.
النقطة الثانية: أن الزمن فيه غير خطّي، القارئ لا ينتقل من بداية إلى نهاية واضحة.. بل يتحرك في حلقات يعود إلى الفكرة نفسها من زاوية أعمق، كما يحدث في التأمل.
النقطة الثالثة: أن النهاية فيه مفتوحة، السرد الصوفي لا يقدّم حلًا نهائيًا، بل يترك القارئ في حالة بحث مستمر كأن الحكاية تبدأ في ذهنه بعد أن تنتهي على الصفحة.

هذه الخصائص الثلاث تمثل ثورة مبكرة في مفهوم السرد.. ثورة لم ينتبه إليها النقد العالمي إلا متأخرًا.. حين بدأت الرواية الحديثة في القرن العشرين تبتعد عن الحدث الخارجي وتقترب من تيار الوعي والتحليل النفسي.
القارئ المعاصر يستطيع أن يرى انعكاس هذا النمط بسهولة في حياته اليومية كثير من التحولات الكبرى التي يعيشها لا تحدث عبر أحداث درامية، بل عبر إدراك مفاجئ، قراءة كتاب، لقاء عابر، لحظة تأمل صامتة، حياته من الخارج قد تبدو ثابتة، بينما داخله يتغير باستمرار.
السرد الصوفي يلتقط هذه الحقيقة الإنسانية العميقة، يجعلها محور الحكاية، يحوّل النص إلى مساحة يتحرك فيها الوعي لا الأجساد.
ورد المقام الحكاية الصوفية لا تسأل ماذا حدث تسأل ماذا تغيّر فيك وأنت تقرأ.
الحواشي
ابن طفيل، حي بن يقظان، تحقيق جميل صليبا وكامل عياد، دار الأندلس، بيروت.
Farid al-Din Attar, The Conference of the Birds, translated by Afkham Darbandi & Dick Davis, Penguin Classics.
شهاب الدين السهروردي، رسائل الإشراق، تحقيق هنري كوربان، طهران.
William Chittick, The Self-Disclosure of God: Principles of Ibn al-Arabi’s Cosmology, SUNY Press.
رابط المقال المختصر:







