أيمن خالد يكتب: ترشيح المالكي هل يدفع الأكراد إلى مغامرة؟
ليس من السهل على أي طرف كردي أن يختار بين الإبقاء على العلاقة مع طهران من بوابة المالكي، أو الحفاظ على الامتيازات الأميركية التي تشمل أمنًا

مواجهة متوقعة للعراق بترشيح المالكي رئيسا للوزراء
في لحظة سياسية لا تحتمل التردد، يُوضع الإقليم الكردي أمام خيار بالغ الحساسية: هل يدعم نوري المالكي في طريقه إلى تشكيل الحكومة العراقية الجديدة؟ أم يحسم تموضعه النهائي إلى جانب الرؤية الأميركية التي تعتبر المالكي “خيارًا سيئًا” يعيد إنتاج الانقسام ويهدد الاستقرار الهش في بغداد؟ المسألة لم تعد مجرّد اصطفاف سياسي داخلي، بل تحوّلت إلى اختبار للهوية الاستراتيجية لإقليم كردستان وموقعه من معادلات القوة في الشرق الأوسط المتحوّل.
المالكي في ذاكرة أربيل: جراح لم تندمل
منذ سنوات حكمه الأولى، مثّل نوري المالكي عقدة تاريخية للعلاقة بين بغداد وأربيل. سواء في ملف الرواتب، أو البيشمركة، أو إدارة النفط، أو الموازنات الاتحادية، ظلّ المالكي بالنسبة لقيادات كردية عديدة رمزًا لسياسة “الخنق المالي والتهميش السياسي”. ذروة التوتر كانت في أعقاب استفتاء الاستقلال عام 2017، حين دعّم المالكي موقفًا تصعيديًا أسهم في فرض إجراءات عقابية على الإقليم، وأعطى إشارات بأن بغداد تتعامل مع كردستان كـ”طرف متمرّد” لا شريك اتحادي.
هذا السجل ليس تفصيلًا بسيطًا، بل هو خزّان ذاكرة يُستدعى الآن في اجتماعات الأحزاب الكردية لتحديد موقفها من ترشيحه. فهل نسي الأكراد كل ذلك؟ أم أن الحسابات تغيّرت بفعل تشابك الملفات داخليًا وخارجيًا؟
ترامب يحذّر: دعم المالكي إهانة للولايات المتحدة
التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي عبّر فيها عن رفضه لترشيح المالكي، لم تكن مجرد “موقف رأي”، بل بدت كرسالة ضغط واضحة على جميع الأطراف، لا سيما الكردية منها. واشنطن تنظر إلى حكومة المالكي الثالثة — إن شُكّلت — باعتبارها مدخلًا لإعادة تعويم النفوذ الإيراني في العراق، وإغلاق المجال أمام أي ترتيب مستقر تديره الولايات المتحدة من بعيد، خاصة بعد انسحابها من بعض القواعد وتراجعها عن التدخل المباشر.
الدعم الكردي للمالكي، من وجهة نظر أميركية، يعني خرقًا لمنظومة التحالفات التي بنتها واشنطن خلال عقدين، ويُظهر الإقليم وكأنه “يبيع شراكته الإستراتيجية” مقابل صفقة سلطة مؤقتة. وهنا يكمن الخطر: هل الإقليم مستعد لدفع ثمن غضب واشنطن؟
وحدة الصف الكردي على المحك
الاجتماع المرتقب في كردستان لاتخاذ قرار بشأن موقف الإقليم من ترشيح المالكي، لا يُنتظر منه فقط صياغة رأي سياسي، بل اختبار وحدة الصف الكردي ذاته. فالحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، يبدو أقرب إلى خيار الامتناع أو التريّث، بينما الاتحاد الوطني الكردستاني يُلمح إلى قبول المالكي ضمن تسوية تضمن له استمرار نفوذه في بغداد.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاف الرؤية، بل في ما بعد القرار. أي انقسام علني في الموقف الكردي، سيُضعف موقع الإقليم التفاوضي داخل بغداد، وسيفتح المجال أمام المالكي لتوظيف هذا الانقسام لمصلحته، كما حدث في مرات سابقة. والأسوأ، أن دعم أحد الحزبين له قد يُحرج الآخر أمام الحليف الأميركي.
خيارات الإقليم: البراغماتية أم الصدام؟
ليس من السهل على أي طرف كردي أن يختار بين الإبقاء على العلاقة مع طهران من بوابة المالكي، أو الحفاظ على الامتيازات الأميركية التي تشمل أمنًا، واقتصادًا، ودعمًا سياسيًا. فالولايات المتحدة ما زالت تدير شبكة الضغط على بغداد، بما في ذلك ملف النفط الكردي، وسقف الحماية الاقتصادية، وشراكات الطاقة مع شركات أميركية في الإقليم.
بالتالي، فإن أي مغامرة بدعم مرشّح مرفوض أميركيًا ستُفهم باعتبارها قطيعة غير معلنة مع واشنطن. والإقليم، بواقعيته السياسية المعروفة، يدرك أنه لا يستطيع خوض معركة مفتوحة مع دولة بحجم الولايات المتحدة، خاصة في لحظة إقليمية حرجة يتداخل فيها ملف “قسد” السوري مع ملف أربيل.
ما الذي قد ترجّحه أربيل؟
على ضوء ما سبق، تبدو الخيارات محدودة. دعم المالكي قد يمنح الإقليم مكاسب مؤقتة في تشكيل الحكومة، لكنه سيكلفه كثيرًا على المدى المتوسط من حيث الشراكات الدولية. التحييد الذكي — عبر عدم التصويت أو وضع شروط سياسية واضحة — قد يكون الخيار الأرجح. فهو يُرضي بغداد دون استفزاز واشنطن، ويبقي الباب مفتوحًا أمام التفاوض من موقع متزن.
لكن حتى هذا الموقف، يحتاج إلى تنسيق عميق بين الحزبين الكرديين، ووضوح تام في الرسائل التي تُرسل للعاصمة ولواشنطن في آنٍ معًا.
خاتمة: القرار الكردي… بين المعادلة والعزلة
الموقف الكردي من ترشيح المالكي ليس تفصيلًا محليًا، بل قرار استراتيجي يُقرأ في طهران وواشنطن وأنقرة وتل أبيب. إنه اختبار لفهم الإقليم لتوازنات القوة الإقليمية والدولية، ولقدرته على إدارة التناقضات دون أن يخسر الجميع.
إذا اختار الأكراد دعم المالكي، فقد يربحون ترتيبا مع الحكومة… لكنهم قد يخسرون مظلة الحماية الأميركية. وإذا قرروا الرفض المطلق، فقد يواجهون عراقًا تقوده حكومة لا تكنّ لهم الود.
إنها لحظة فارقة… من تلك اللحظات التي تُحدد شكل العلاقة بين المكونات العراقية والدول الكبرى لسنوات قادمة.
هل سيتصرّف الإقليم كفاعل ذكي متوازن؟ أم ينجرّ إلى لعبة الاصطفافات الخاسرة؟
الجواب… في اجتماع كردستان المرتقب.
رابط المقال المختصر:






