علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
ترجمات
Laurent Bonnefoy
Laurent Bonnefoy

من صنعاء إلى الرياض.. لماذا يعيد أنصار الله توجيه هجماتهم نحو السعودية؟

يرى الباحث الفرنسي لوران بونفوا أن هجمات الحوثيين على السعودية خلال 2026 تعكس حسابات سياسية وعسكرية يمنية، وليس فقط التحالف مع إيران. ويربط التصعيد بالخلاف حول مطار صنعاء، والصراع التاريخي مع الرياض، وتزايد نفوذ الحركة في باب المندب، وسعيها إلى تقديم عملياتها باعتبارها دفاعًا عن المصالح اليمنية.

مشاركة:
حجم الخط:

اعتبر الباحث الفرنسي لوران بونفوا أن تصاعد هجمات الحوثيين على السعودية يكشف تحولًا في استراتيجية الحركة اليمنية،

التي تسعى إلى تقديم مواجهتها مع الرياض باعتبارها صراعًا مرتبطًا بالمصالح الوطنية اليمنية،

وليس مجرد استجابة لتوجيهات إيرانية. وفي تحليل نشره موقع «ذا كونفرسيشن»،

ربط بونفوا هذا التحول بهجوم مطار الرياض، والصراع حول مطار صنعاء، وتزايد النفوذ الحوثي في مضيق باب المندب.

Yemen’s Houthis are bringing their war to Saudi Arabia – and reframing the narrative of being an Iranian proxy.

«ذا كونفرسيشن»: هجمات الحوثيين على السعودية تعيد رسم صورة علاقتهم بإيران

كشفت الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية عن تحول في طبيعة المواجهة الإقليمية،

مع تركيز حركة أنصار الله عملياتها العسكرية على الرياض، بالتزامن مع سعيها إلى إعادة صياغة صورتها السياسية

بوصفها طرفًا يمنيًا يتخذ قراراته وفق حساباته الخاصة، وليس مجرد وكيل لإيران.

وفي تحليل نشره موقع «ذا كونفرسيشن»، رأى الباحث الفرنسي لوران بونفوا أن استهداف مطار الملك خالد الدولي

بالرياض، في 10 أكتوبر 2026، يمثل أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول.

وأسفر الهجوم عن مقتل 13 شخصًا وإصابة أكثر من 300 آخرين، وفق الحصيلة التي ارتفعت

بعد وفاة أحد المصابين في اليوم التالي.

كما شكل الهجوم واحدًا من أعنف الاعتداءات على الأراضي السعودية منذ اندلاع الحرب

الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في فبراير الماضي.

وفي الوقت نفسه، أشار بونفوا إلى أن الهجمات جاءت ضمن تصعيد أوسع يعكس استمرار تداعيات الحرب اليمنية

خارج حدود البلاد، وما تفرضه من تحديات جديدة على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.

وكالة رويترز — هجوم مطار الرياض

هجوم مطار الرياض يكشف طبيعة التصعيد

لم يكن استهداف مطار الرياض حادثًا منفصلًا، إذ أعقبته هجمات صاروخية أخرى طالت مواقع داخل السعودية.

وبحسب بونفوا، فإن استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة يمنح الحوثيين

قدرة متزايدة على ضرب أهداف بعيدة عن مناطق سيطرتهم في اليمن.

كما يسمح لهم بممارسة ضغوط مباشرة على البنية التحتية السعودية، خصوصًا المطارات والموانئ والمنشآت المرتبطة بتصدير النفط.

غير أن استهداف المنشآت المدنية أثار إدانات دولية، وسط مخاوف من اتساع

المواجهة وتأثيرها على حركة الطيران وسلامة المدنيين.

وفي هذا السياق، أظهرت تغطيات رويترز أن الهجمات أدت إلى اضطراب الرحلات الجوية،

ودفعت السلطات السعودية إلى اتخاذ إجراءات أمنية إضافية.

هل يسعى الحوثيون إلى تغيير صورتهم كحليف لإيران؟

يرى بونفوا أن أحد أهم جوانب التصعيد الحالي يتمثل في الطريقة التي تقدم بها قيادة الحوثيين عملياتها العسكرية.

فمنذ سنوات، يصنف خصوم الحركة وعدد من المراقبين الدوليين الحوثيين باعتبارهم

حليفًا عسكريًا لإيران، وأداة ضمن صراعها الإقليمي مع السعودية.

لكن الباحث يعتبر أن هذا التوصيف، رغم استناده إلى علاقات فعلية بين الحركة وطهران،

لا يقدم تفسيرًا كافيًا لجميع قرارات الحوثيين.

فالحركة، بحسب تحليله، نشأت وتطورت ضمن ظروف سياسية واجتماعية

يمنية خاصة، قبل أن تصبح جزءًا مؤثرًا من التوازنات الإقليمية.

كما يرتبط عداؤها للسعودية بتاريخ طويل من الصراعات الداخلية والتدخلات العسكرية في اليمن.

من حركة يمنية إلى قوة عسكرية إقليمية

بدأ الحوثيون الظهور باعتبارهم حركة سياسية وعسكرية منظمة عام 2004.

وبعد سنوات من الصراع، سيطروا على العاصمة صنعاء عام 2014، ثم توسعت المواجهات مع الحكومة اليمنية

المعترف بها دوليًا والتحالف الذي تقوده السعودية.

ووفق التقديرات التي أوردها بونفوا، تسيطر الحركة على نحو ثلث الأراضي اليمنية التي يعيش فيها قرابة ثلثي السكان.

ورغم افتقارها إلى طائرات حربية تقليدية، فإنها طورت قدرات عسكرية تعتمد على الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة.

ولهذا، يعتبرها الباحث القوة المسلحة الأكثر نفوذًا داخل اليمن.

وفي المقابل، ساهم الدعم الإيراني في تطوير جزء من هذه القدرات. فقد أشار تحليل نشرته

رويترز في 15 أكتوبر إلى دور التكنولوجيا والتدريب والمكونات الخارجية، إلى جانب

القتالية التي اكتسبتها الحركة خلال السنوات الماضية.

الحرب على إيران.. لماذا تأخر تدخل الحوثيين؟

عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران في 28 فبراير 2026،

توقع مراقبون دخول الحوثيين سريعًا في المواجهة.

واستندت تلك التوقعات إلى العمليات البحرية التي نفذتها الحركة بين نوفمبر 2023 ومايو 2025،

والتي قدمتها باعتبارها دعمًا للفلسطينيين في غزة.

فقد أظهرت تلك العمليات قدرة الحوثيين على التأثير في الملاحة الدولية وسلاسل التوريد،

رغم محدودية مواردهم العسكرية مقارنة بالقوى الإقليمية الكبرى.

لكن الحركة لم تدخل المواجهة الجديدة فور اندلاعها.

وبحسب بونفوا، تجاهلت القيادة الحوثية، على ما يبدو، تقارير أفادت بأن مسؤولين إيرانيين

طلبوا منها في يوليو الماضي إغلاق مضيق باب المندب.

حسابات داخلية وراء تأخير التصعيد

يفسر الباحث هذا الموقف باعتباره انعكاسًا لحسابات سياسية تتعلق بشرعية الحركة داخل اليمن.

فبينما تستطيع قيادة الحوثيين تقديم عملياتها المرتبطة بغزة باعتبارها تعبيرًا عن التضامن مع الفلسطينيين،

فإن الانخراط المباشر في حرب لصالح إيران قد يكون أكثر صعوبة من حيث تسويغه أمام الجمهور المحلي.

كذلك يشير إلى اختلاف السياقين السياسي والمذهبي في إيران واليمن، وما لذلك من تأثير على الخطاب الذي تستخدمه الحركة.

ومن هنا، يرى بونفوا أن افتراض استجابة الحوثيين تلقائيًا لجميع المطالب الإيرانية يتجاهل تعقيدات المشهد اليمني.

ومع ذلك، لا ينفي هذا التحليل العلاقات العسكرية والسياسية بين طهران وأنصار الله،

أو احتمال استفادة إيران من هجماتهم على السعودية.

مطار صنعاء.. كيف بدأت المواجهة الجديدة مع الرياض؟

يربط بونفوا التصعيد الحوثي خلال النصف الثاني من عام 2026 بأزمة مطار صنعاء الدولي.

فالمطار، الواقع في مناطق سيطرة الحوثيين، ظل يعاني قيودًا شديدة على تشغيله منذ الضربات الإسرائيلية أواخر عام 2024.

وبحسب الباحث، حاولت الحركة خلال الصيف إعادة فتح المطار عبر تسيير رحلة مفاجئة إلى طهران، قبل عودتها إلى اليمن.

لكن الأزمة تصاعدت في 13 يوليو، عندما تعرض مدرج المطار للقصف بهدف منع طائرة قادمة من إيران من الهبوط.

واتهم الحوثيون السعودية بالمسؤولية عن الهجوم، بينما أعلنت القوات التابعة للحكومة اليمنية

المعترف بها دوليًا تنفيذ العملية، وقالت إنها استهدفت منع هبوط طائرة إيرانية.

وبالتالي، ينبغي التمييز بين نسبة الهجوم إلى السعودية في تحليل الكاتب، وإعلان القوات الحكومية مسؤوليتها عن تنفيذه.

من تقييد الطيران إلى استهداف المطارات السعودية

يرى بونفوا أن حادثة مطار صنعاء منحت الحوثيين مبررًا سياسيًا لتوسيع مواجهتهم مع الرياض.

فمن وجهة نظر الحركة، لا تقتصر القيود على حركة المدنيين والسفر، بل تمتد إلى قدرتها على ممارسة السلطة داخل مناطق سيطرتها.

كما يشير الباحث إلى أن إغلاق المطار حدّ من إمكانية انتقال عناصر الحركة إلى الخارج للتدريب، وربما الحصول على معدات عسكرية.

وفي المقابل، قدم الحوثيون هجماتهم اللاحقة باعتبارها ردًا على القيود المفروضة على مناطق سيطرتهم.

ويرى بونفوا أن هذه الاستراتيجية تستند إلى منطق المعاملة بالمثل، الذي تستخدمه

الحركة لتبرير استهداف الموانئ والمطارات والبنية الاقتصادية السعودية.

لكن هذا التفسير السياسي لا يمنح الهجمات على المدنيين أو الأعيان المدنية مشروعية قانونية.

فالقانون الدولي الإنساني يحظر تعمد استهداف المدنيين والمنشآت المدنية،

بصرف النظر عن دوافع الانتقام أو الادعاءات المتبادلة بين الأطراف.

الحوثيون يستعيدون خطاب المواجهة التاريخية مع السعودية

بحسب التحليل، أعاد الحوثيون خلال أغسطس 2026 توجيه خطابهم السياسي نحو السعودية، باعتبارها خصمًا تاريخيًا مباشرًا.

وجاء هذا التحول بعد فترة من التهدئة الفعلية والمفاوضات التي استمرت أكثر من ثلاث سنوات.

فمنذ التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية عام 2015، ظلت العلاقة بين الطرفين أحد المحاور الأساسية للحرب اليمنية.

لكن بونفوا يعتقد أن الحوثيين باتوا يستخدمون تجربة القصف والحصار السابقة لإضفاء شرعية سياسية على عملياتهم الحالية.

وفي المقابل، كانت الرياض تسعى، وفق تقديره، إلى تقليل انخراطها في النزاعات الإقليمية الطويلة، بما فيها المواجهة اليمنية.

استراتيجية عسكرية وأهداف سياسية

يشير المقال الأصلي إلى أن استراتيجية الحوثيين الجديدة تحقق هدفين سياسيين.

الأول هو نقل مسؤولية الأزمة الاقتصادية والإنسانية في مناطق سيطرتهم إلى الحصار والقيود المرتبطة بالسعودية.

أما الثاني، فيتمثل في توفير مبرر لتوسيع المواجهة العسكرية خارج الأراضي اليمنية.

ويلاحظ بونفوا أن هذا الخطاب قد يسمح للقيادة الحوثية بصرف الانتباه عن إخفاقات الإدارة الداخلية وسوء الإدارة والفساد.

ومن ثم، لا يقتصر التحول على اختيار أهداف عسكرية جديدة، بل يشمل أيضًا إعادة بناء الرواية السياسية للحرب.

باب المندب.. ورقة ضغط استراتيجية ضد السعودية

إلى جانب الهجمات الصاروخية، تبرز سيطرة الحوثيين على مناطق ساحلية يمنية باعتبارها عاملًا مؤثرًا في المواجهة.

ففي سبتمبر 2026، حققت الحركة تقدمًا عسكريًا على الساحل الغربي لليمن،

شمل ميناء المخا ومناطق استراتيجية قرب مضيق باب المندب.

كما سيطرت على جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، الواقعة في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وأدت هذه التطورات إلى زيادة قدرتها على التأثير في حركة السفن عبر البحر الأحمر،

الذي يمثل طريقًا مهمًا لصادرات النفط والتجارة السعودية.

ووفق تقرير لصحيفة «ذا ناشونال» في 12 سبتمبر، تراجعت حركة السفن عبر المضيق إلى نحو 15 عملية عبور يوميًا،

مقارنة بنحو 30 في اليوم السابق، عقب تقدم الحوثيين.

هل تتحول الملاحة إلى أداة ضغط اقتصادي؟

يرى بونفوا أن النفوذ الحوثي المتزايد في باب المندب يمنح الحركة وسيلة ضغط لا تقل أهمية عن قدراتها الصاروخية.

فالمضيق يمثل نقطة اتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن، كما يرتبط بطريق التجارة المؤدي إلى قناة السويس.

ولذلك، فإن اضطراب الملاحة فيه قد ينعكس على حركة النفط والسلع وتكاليف النقل والتأمين.

وفي الوقت نفسه، تزداد أهمية هذا المسار بالنسبة إلى السعودية مع استمرار التوترات حول مضيق هرمز.

لكن النفوذ العسكري على المضيق لا يعني السيطرة المطلقة على جميع حركة السفن،

إذ يظل مرورها مرتبطًا بعوامل أمنية وعسكرية وتجارية متعددة.

تفاهمات مع واشنطن وتصعيد ضد الرياض

يلفت التحليل إلى أن الحوثيين تعاملوا مع الولايات المتحدة بطريقة مختلفة عن تعاملهم مع السعودية.

ففي مايو 2025، توصلت الحركة إلى تفاهم مع إدارة ترامب لوقف الهجمات المتبادلة،

بعد تصعيد عسكري أمريكي استهدف مواقع حوثية.

كما أوقفت الحركة هجماتها على السفن المرتبطة بإسرائيل عقب إعلان وقف إطلاق النار في غزة خلال أكتوبر 2025، بحسب المقال.

وفي سبتمبر 2026، تحدثت تقارير عن لقاء جمع دبلوماسيين أمريكيين وممثلين للحوثيين في سلطنة عُمان.

وأكدت رويترز، نقلًا عن خمسة مصادر مطلعة، انعقاد الاجتماع في السفارة الأمريكية بمسقط.

وبحسب مصدرين، أبلغ ممثلو الحوثيين الجانب الأمريكي أنهم لا يعتزمون استهداف السفن الأمريكية،

وأنهم ملتزمون بالتفاهم السابق.

كما نقل أحد المصادر استعداد الحركة للامتناع عن مهاجمة السفن التجارية، باستثناء السفن السعودية.

لماذا تختلف حسابات الحوثيين تجاه الرياض؟

يفسر بونفوا هذا التباين باعتباره دليلًا على وجود قدر من البراغماتية في قرارات الحركة.

فبينما أبدت استعدادًا للتفاوض مع واشنطن، واصلت التصعيد العسكري ضد السعودية.

ويرى أن ذلك يعكس اعتبار الرياض الخصم المباشر في الحرب اليمنية، وليس مجرد طرف ضمن الصراع الإيراني الأمريكي.

وفي المقابل، تشكل الهجمات الحوثية ضغطًا إضافيًا على السعودية،

التي تواجه بالفعل تداعيات الحرب الإقليمية ومخاطر تهدد صادرات الطاقة.

ومن وجهة نظر الباحث، تعتقد القيادة الحوثية أن الجمع بين التهديدات الصاروخية

والنفوذ البحري يمنحها قدرة أكبر على الضغط السياسي والاقتصادي.

هل تدخل المنطقة مرحلة جديدة من المواجهة؟

لا يقدم بونفوا توقعًا حاسمًا بشأن مستقبل التصعيد.

لكنه يحذر من أن استمرار الهجمات المتبادلة قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أطول من المواجهة العسكرية،

مع احتمال اتساع نطاق الأطراف المنخرطة فيها.

كذلك يطرح تساؤلات بشأن موقف الولايات المتحدة، التي أبدت ترددًا في الدخول مجددًا في حرب إقليمية واسعة.

وفي المقابل، لا تزال السعودية تواجه معضلة تحقيق الردع العسكري دون الانزلاق إلى حرب طويلة جديدة.

ومع ذلك، يؤكد الباحث أن تحليل التوازنات العسكرية لا ينبغي أن يحجب معاناة المدنيين اليمنيين.

فالحرب المستمرة منذ أكثر من عقد دمرت أجزاء واسعة من البنية التحتية،

وفاقمت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في بلد كان بالفعل من أفقر دول المنطقة قبل اندلاع الصراع.

وبذلك، يرى بونفوا أن فهم التصعيد الحالي يتطلب النظر إلى الحوثيين باعتبارهم

جزءًا من صراع يمني تاريخي، إلى جانب ارتباطاتهم الإقليمية بإيران.

فالتحول الأبرز، وفق تحليله، ليس انقطاع علاقة الحوثيين بطهران،

بل محاولتهم إعادة تعريف دوافع عملياتهم العسكرية ضد السعودية وإبراز استقلالية قرارهم السياسي.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك