مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: انكشاف المعنى

المشكلة أعمق من خلل استخباري أو تكتيكي. نحن أمام خلل في ترتيب العالم داخل الوعي. جزء كبير من الخطاب السياسي والإعلامي في المنطقة، وعنها، لم يعد يرى إسرائيل كفعل مستمر، بل كحالة قائمة بذاتها،

مشاركة:
حجم الخط:

حين يُقال إن الجيش الإسرائيلي أُجبر على إخلاء عشرات الإصابات نتيجة كمين نفذه حزب الله في جنوب لبنان، فالمسألة لا تتعلق بالعدد، ولا حتى بالفعل العسكري بحد ذاته، بل بانهيار طبقة كاملة من المعنى كانت تغطي هذا الصراع لعقود.

ما يسقط هنا ليس جنديا، بل يقين. اليقين بأن هناك طرفا يملك حق المبادرة الدائمة، وحق التعريف، وحق أن يُرى فعله كأصل، بينما يُختزل فعل الآخر إلى استثناء، إلى انحراف، إلى خطأ يجب تفسيره وتبريره والاعتذار عنه. الكمين لا يضرب القوة فقط، بل يضرب هذه البنية الذهنية التي جعلت من العنف الأحادي حالة طبيعية، ومن الرد عليه حالة تحتاج إلى دفاع.

المشكلة أعمق من خلل استخباري أو تكتيكي. نحن أمام خلل في ترتيب العالم داخل الوعي. جزء كبير من الخطاب السياسي والإعلامي في المنطقة، وعنها، لم يعد يرى إسرائيل كفعل مستمر، بل كحالة قائمة بذاتها، كأمر واقع لا يُسأل عن بدايته ولا عن منطقه. كأن وجودها، وسياساتها، واعتداءاتها، كلها خرجت من دائرة النقاش، وأصبحت خلفية ثابتة، مثل الطقس، لا يُسأل لماذا يهطل، بل فقط كيف نتعامل معه.

هنا تبدأ الكارثة. حين يتحول الفعل إلى خلفية، يصبح الرد هو الحدث. يُقصف بلد، تُنتهك سيادته، يُعلن عن نوايا اقتطاع أرضه، ثم حين يأتي الرد، تنعقد المحاكم: هل كان ضروريا؟ هل كان متناسبا؟ هل خدم المصلحة؟ هكذا تُبنى محاكمة الضحية على أرضية لم تعد تعترف بوجود الجريمة أصلا.

الكمين، في هذا السياق، ليس مجرد عملية، بل لحظة تمرد على هذا الترتيب. هو إعادة إدخال الفعل إلى مكانه الطبيعي. إعادة تذكير بأن هناك من بدأ، وأن هناك من يرد، وأن العلاقة بينهما ليست نقاشا أخلاقيا معلقا في الفراغ، بل صراع مادي له شروطه وقوانينه.

لكن ما يجعل هذه اللحظة أكثر خطورة هو أنها تصطدم مباشرة مع منظومة سردية عملت طويلا على إعادة تعريف الصراع. هذه المنظومة، التي تشارك فيها قوى دولية وإقليمية ومحلية، ومعها أدوات إعلامية مثل قناة الجزيرة والعربية وقنوات الMTV والجديد ، لا تكتفي بنقل الحدث، بل تعيد ترتيب زمنه. تبدأ القصة من منتصفها، من لحظة الرد، من “الهجمات”، بينما يُدفع كل ما سبقها إلى الهامش، إلى ما قبل السرد.

حين يُقال “الوضع في لبنان”، يُمحى الفاعل. حين تُقدَّم الضربات كأفعال منفصلة، تُقطع عن سياقها. حين يُختزل الصراع إلى “توتر” أو “تصعيد”، يُسحب منه معناه الحقيقي: علاقة قوة غير متكافئة يحاول طرف فيها أن يفرض إرادته بالقوة، بينما يُجبر الطرف الآخر على أن يبرر حتى حقه في الرفض.

هنا لا يعود الكمين حدثا عسكريا فقط، بل صدمة إدراكية. لأنه يعيد وصل ما فُصل. يعيد ربط الرد بالفعل، والنتيجة بالسبب. يكشف أن ما قُدّم لسنوات كحقيقة مستقرة، لم يكن سوى سردية قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني جدي.

الأخطر أن هذه السردية لم تكن بريئة. هي لم تُنتج فقط سوء فهم، بل أنتجت موقفا سياسيا كاملا. موقفا يرى أن المشكلة في “المدّ” لا في الاحتلال، في النفوذ لا في العدوان، في ردود الفعل لا في الأفعال. هكذا يُعاد تعريف مصدر التهديد، لا بناء على الوقائع، بل بناء على ما يخدم توازنات معينة.

في هذا العالم المقلوب، يصبح من الطبيعي أن تُبنى السياسات على تجاهل الفعل الأساسي. أن تُدار الدول كما لو أن ما يجري على حدودها ليس حربا، بل “وضعا”. أن تُقاس الخطورة بمدى اقتراب طرف إقليمي، لا بمدى تغلغل قوة عسكرية داخل الأرض. أن تُوجَّه الغضبة السياسية نحو من يرد، لا نحو من بدأ.

الكمين، بهذا المعنى، لا يفضح فقط خصما، بل يفضح هذا التواطؤ مع الفكرة. يضع الجميع أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: إذا لم يكن هذا عدوانا يُرد عليه، فماذا يكون؟ وإذا لم يكن الرد مشروعا في هذا الحد الأدنى، فمتى يكون؟

ما يتغير هنا ليس ميزان القوى فقط، بل ميزان الإدراك. لأن أخطر ما يمكن أن يُهزم في أي صراع ليس الجندي، بل التعريف. حين ينجح طرف في فرض تعريفه للواقع، يصبح قادرا على تحويل الهزيمة إلى انتصار، والعدوان إلى دفاع، والجريمة إلى ضرورة.

لكن هذه القدرة ليست مطلقة. هي قائمة على تماسك السردية. وحين تتصدع هذه السردية، ولو لحظة، يظهر الواقع كما هو: عاريا، مباشرا، غير قابل للتجميل.

الكمين هو إحدى هذه اللحظات. لحظة لا يمكن فيها للغة أن تسبق الواقع. لحظة يُجبر فيها الجميع على رؤية ما حاولوا طويلا إعادة صياغته.

ولهذا، فالقضية ليست في عدد من أُصيبوا، بل في عدد الأوهام التي سقطت معهم

شارك المقال: