محمد قدري حلاوة يكتب: 1977 العام المر (الأخيرة)
كانت المفاوضات مشحونة مليئة بالأحداث الساخنة وصل " محمد إبراهيم كامل" وزير الخارجية الجديد "للإسماعيلية" ودار حوار قصير بينه وبين الرئيس وأنصرف السادات لعقد جلسة مغلقة مع " بيجين"

أنور السادات الرئيس المصري الأسبق (أرشيف)
البدايات التي لا تهم أحد
الحادي عشر من ديسمبر 1977، الجميع لا يتحدث الآن سوي عن المباراة الفاصلة الحاسمة المقامة اليوم بين “مصر” و ” تونس” كنا جميعا على أمل الوصول لكأس العالم بالأرجنتين 1978.
المنتخب المصري يكفيه التعادل على ستاد ” رادس” لتحقيق الحلم
المصريين جميعا على قلب رجل واحد، لا طوائف ولا خلافات سياسية أو صراعات طبقية عندما يلعب المنتخب المصري، هل يمن علينا هذا العام الساخن قرب نهاياته بخبر سعيد؟
للأسف الشديد الإجابة كانت بلا هزيمة ثقيلة أربعة أهداف مقابل هدف وحيد.
حالة من الحزن العارم لفقدان بطاقة التأهل، ثارت الصحافة الرياضية مطالبة بحل إتحاد الكرة وتسريح الفريق وإقالة المدرب مطالبة بإصلاح منظومة كرة القدم المصرية التي فشلت في التاهل لكأس العالم سوي مرة وحيدة في ٤٨ عاما.
هل أختلف الأمر والعناوين والحديث الآن بعد كل خروج مهين من التصفيات؟
بكيت بشدة يومها بالطبع، حلمت أن أشاهد منتخب بلادي يلعب ضد أساطير الكرة العالمية ” كيمبس” ” لاتو” “موللر” ” رينزنبرنك”
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
مر نحو أسبوعين، حدث هام في المدرسة، 25 ديسمبر/كانون الأول ” عيد الطفولة” تم تغيير ميعاده ليوافق يوم عيد ميلاد الرئيس السادات.
قبل أن يتبادر إلى الذهن التساؤل عن ذلك البارع في فنون المداهنة صاحب الفكرة والإقتراح _ وفي الحقيقة لا أتذكره بالتحديد _ يفقد السؤال جدواه إذا علمت أنه مجرد عازف صغير وسط جوقة عريضة زاعقة.
نظرة إلى الصحف والتلفاز تكفى لفهم الأمر، التلفاز يعرض دائما فيلم ” الناصر صلاح الدين” في إسقاط جلي وملحوظ.
التاسعة والربع _ بعد نشرة التاسعة مباشرة _ لقاء الرئيس المعتاد سنويا مع المذيعة ” همت مصطفي”
أما الجرائد فكانت تكاد تخصص كل صفحاتها لتغطية ذلك النبأ السعيد
إفتتاح بعض المشروعات في مسقط رأس الرئيس قرية ” ميت ابو الكوم ” المقالات المحتفية بالمناسبة متغنية بمناقب ” بطل الحرب والسلام”
إعلانات التهنئة من المصانع والشركات ولا مانع بالطبع من ترويج بضاعتها أيضا.
حتى أن إذاعة القرآن الكريم خصصت سهرة قرآنية عام ١٩٧٨ إحتفالا بعيد ميلاد الرئيس” المؤمن “
كتب الكاتب الصحفي” حافظ محمد ” مقالا في جريدة الاهرام عام ١٩٧٣ في ذكرى ميلاد الرئيس يتحدث فيه عن” العلامات القدرية لآيات الله في السادات حسب وصفه فيقول إن الله اختار له يوم ميلاده يوم ميلاد السيد المسيح.
الذي يحتفل به مئات الملايين في العالم الغربي” لم يشأ الكاردينال الإنيا” أسطفانوس الأول” بطريرك ” الأقباط الكاثوليك” في مصر إلا أن ينتهز تلك الفرصة ليكتب رسالة عيد الميلاد المجيد في جريدة الاهرام يوم ميلاد الرئيس ليقول:
” بارك الله قراركم الشجاع _ مبادرة السلام _ أيها الرئيس المحبوب وأيد خطواتكم وحقق أمانيكم.. فسيروا على بركة الله.. الذي شاء ان يجعل ذكرى ميلادكم في ذكرى ميلاد السيد المسيح.. له المجد الذي أكد قائلا” طوبى لصانعي السلام “
عمرو صابح يقرأ كتاب: هل كان عبد الناصر ديكتاتورا؟
أما عن برقيات التهنئة بالمناسبة فلا تسل
بالتأكيد يكون يوما عسرا على مصلحة البريد وعمال التلغراف
لم تكن عقولنا الصغيرة تهتم بكل تلك الأمور بعد كان يوما جديرا بالإحتفاء لا تتقيد فيه بالزي المدرسي.
أخذنا في تغيير نظام ” الفصل وضعنا ” الدكك” الدراسية بالعرض على شكل مربع، شرعنا بعدها في تعليق ” البلالين” وأوراق الزينة.
أرتدينا الوجوه الورقية، تسابقنا وتبارينا في تقديم المسابقات الفنية، أفضل ما في الأمر ” السبورة” الخالية من الدروس والشرح لا واجبات منزلية ثقيلة.
ناهيك عن تناول قطع” الجاتوه” اللذيذة وزجاجات ” السي كولا” بفورتها المنعشة.
لكن اللحظات السعيدة قصرة دوما وإلى فناء، بذلت مجهودا كبيرا في اللعب، أستقللت السيارة في طريق عودتي للمنزل ولم أشعر بنفسي سوي و ” عم عيد” يوقظني قائلا “وصلنا خلاص يا أستاذ كل سنة وأنت طيب هوه انت ملكش نفس إنت كمان ولا إيه؟ إشمعني الريس”
ذات اليوم الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1977
مناحم بيجين على رأس وفد إسرائيلي في مدينة الإسماعيلية.
كانت المفاوضات مشحونة مليئة بالأحداث الساخنة وصل ” محمد إبراهيم كامل” وزير الخارجية الجديد “للإسماعيلية”
ودار حوار قصير بينه وبين الرئيس وأنصرف السادات لعقد جلسة مغلقة مع ” بيجين” إلا أن كامل فوجئ بالسادات يستدعيه لحلف يمين تولي الوزارة أمام الوفد الإسرائيلي تعبيرا عن أجواء السلام الجديدة وهو الأمر الذي رفضه” كامل” بالمطلق.
عندما أستئنفت المفاوضات بين الطرفين كان ” بيجين” يلقى دروسا في القانون على مسامع الرئيس، من المعتدي في حرب 1967؟
ماهي الأرض التي يتوجب على إسرائيل إعادتها للمصريين؟
وماهو حكم القانون الدولي في ذلك؟
بدا رجلا مصرا على العودة لأطياف الماضي وصراعاته رغم حديث ” السادات” عن السلام والمستقبل وفي اليوم التالي وأثناء المؤتمر الصحفي العالمي المنعقد بعد نهاية الإجتماعيات بين الوفدين رد الرئيس الراحل على سؤال أحد الصحفيين عن نتائج اللقاء قائلا :
” بالنسبة للإنسحاب من سيناء حققنا تقدما أما بالنسبة للقضية الفلسطينية التي تعتبر لب المشكلة فموقف مصر انه بالنسبة للضفة الغربية وقطاع غزة فيجب أن تقوم الدولة الفلسطينية.
أما موقف إسرائيل فإن العرب الفلسطينين في جوديا وسماريا يتمتعون بالحكم الذاتي”
كان من المخجل حقا أن يتحدث” السادات بالمسميات العبرية للارض والمناطق الإسم يعني ضمنا حق الإمتلاك.
والأكثر أسفا ان يصبح الفلسطينيين مجرد سلالة وليس شعبا كانت مجاملة دبلوماسية فجة لضيفه المتبجح وسقطة سياسية كبيرة.
أخذت ملامح السلام القادم تتضح اكثر وأكثر
في مؤتمر” مينا هاوس ” المنعقد في الفندق الشهير في الخامس عشر من ديسمبر ١٩٧٧ قبل عشرة أيام من لقاء “الإسماعيلية “
وجهت الدعوة إلى لبنان وسوريا والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية لم يحضر أحد.
وأصر الوفد الإسرائيلي على إزالة العلم الفلسطيني من قاعة الإجتماع ومن الفندق وتم له ذلك بالفعل.
دولة لا تطيق وجود علم دولة أخرى ولا تعترف بها اصلا ترى هل يمكنها أن تمنحها أية حقوق؟
كان طريق السلام المنفرد واضحا للجميع وبات محتما السير فيه لم يعد هناك خيار آخر السادات بعد أن احرق كل مراكبه.
وأستمرت المفاوضات العبثية بضعة سنوات أخرى بلا طائل سوي ذلك السلام المنفرد.
ليلة رأس السنة الميلادية صوت ” منير” يشدو من جهاز “الكاسيت”
” إيه يا بلاد يا غريبة.
عدوة ولا حبيبة..
في الليل تصحى عيونك..
ونجومك مش قريبة..
بلاد معرفش ناسها..
ولا عارفاني بيبانها…
وماليش شبر في أساسها..
ولا طوبة في حيطانها..
وخطاوية غريبة..”
هل يمكن أن تسكننا الغربة داخل الوطن؟
هل يتأتي له أن يقسو علينا ويعانق الغرباء؟ مر العام 1977 مخلفا مذاقا مرا لا يبارح الحلق، مسلما إيانا لعام جديد حيث لا جديد سوي المزيد من طعم المرارة والعلقم.
خاتمة
إنتهي سرد أحداث عام ١٩٧٧ بكل ما حدث فيها وشكل علامات في تاريخ الوطن وما علق بذاكرة طفل صغير كان ما زال يتلمس خطواته في الحياة من بعد.. وتتبقي بضعة ملاحظات أراها ضرورية وواجبة :
أولا : أن كل ما سبق سرده هي وجهة نظر شخصية بحتة موثقة قدر الإمكان وبما يتناسب مع طبيعة الفيس بوك ولا اقصد به الإساءة لشخص أو زعيم أو مرحلة.
التوثيق غلب على السياق في أحيان كثيرةـ مختلطا بذكريات شخصية للمتابع والقارئ حق نقده – السرد – أو تفنيده ودحضه بالمعلومة والمرجع والحدث الموثقنوهذا لا تثريب عليه.
أما التسفيه من وجهة النظر والجهد و الرؤية دون دليل أو برهان فتلك معارك وهمية أعترف بإنسياقي إليها وأقر بالأسف لذلك والندم عليه.
ثانيا : أننا وبالتحديد في سياق مجتمعنا العربي لا نقبل الإختلاف ونحرفه على الفور لنحوله خلافا.
كل منحاز إلى حزبه وزعيمه ومثاله المقدس.
لا يقبل نقدا ولا مراجعة ولا تعقيب.. وهذا امر لا محل له في السياسة والتاريخ، لا يوجد أبيض او أسود فقط.
هناك مناطق مختلفة ألوان الطيف في التاريخ يراها كل من رؤيته وإنحيازاته وإنتماءه الفكري وحاسته النقدية.
للأسف الكتابة في مجال السياسة صارت مثل تشجيع الفرق الرياضية.
وإنحدرت من المنافسة الشريفة للتعصب البغيض ” زمالك”.. و ” أهلي”.. لابد أن يفوز طرف وينتصر.
ثالثا : رؤيتي لحصاد عصر السادات معارضة إلى حد كبير وقد أوضحت اكثر الأسباب فيما سبق سرده.
لم أتجني عليه أو أدعي روايات وهمية وكذلك لم انسب إليه بطولات مدعاة.
حاولت أن أكون متوازنا إلى حد كبير.
ويبقى ان نعترف ونقر للرجل بشجاعة قرار العبور وجسارته الذي منحنا لحظات فخر ومجد ونصر نفخر بها حتى الآن.
لا أراه خائنا كما وصفه بعض الأصدقاء، الإختلاف يكون في وجهة النظر السياسية ومآلاتها فقط ولا ينسحب ذلك للشخص أو نواياه.
بالتأكيد كان للرجل أسبابه ومعطياته السياسية التي بني قراراته على أساسها.
تلك القرارات التي نعارضها وننتقدها سياسيا وفكريا،دون أن نصل ” للتكفير السياسي” إن جاز التعبير.
رابعا : أن تلك السردية أرهقتني وأنهكتني للغاية
من قراءة وعودة للمصادر وتوثيق وإعتصار الذهن للتنقيب في مجاهله عن أطياف ذكريات.. المردود أحبطني للغاية.
لا أقيس الأمر بزيادة أو قلة عدد التفاعلات، ولكن بمناقشة الطرح.
بدلا من أن يجادلني بعضهم فيما بذلت فيه الوقت والجهد والعناء والكتابة والتعديل بالنقد والتصويب بالحجة والدليل.
يسألوني وماذا فعل عبد الناصر مع مجموعة منتقاة من التهم الملقاة المنتقاة المعلبة والتي يسهل تفنيدها والرد عليها.
هل انا مسئول عن الرجل- ناصر – وأفعاله وسياساته؟
هل كنت شريكه في الحكم مثلا؟
ثم ما علاقة كل هذا بالسردية الطويلة من آلاف الكلمات التي كتبتها وعشرات الساعات التي بذلتها دون فضل او منة او إنتظار الثواب.
مع كل إعتزازي وإفتخاري وحبي الذي لا أنكره ” لناصر” وعصره الذي لم يخلو من الأخطاء والخطايا القاتلة بالطبع.
خامسا : أعيد وأكرر أنا واحد من العامة من ” الحرافيش”
وأؤمن ان التاريخ تكتبه الشعوب وليس القادة المنتصرين، وأيضا أنا مجرد هاو لا أعمال منشورة لي ولا عضو في إتحاد الكتاب ولا ماشابه، َولا أنوي او أسعى.
إلى الميديا الحديثة وفرت لنا الإنطلاق في عالم الفضاء الإلكتروني. من حقي أن أطير في تلك السماء المفتوحة هي تسع الجميع.
ولكن هناك من يهوي غلق النوافذ، ومراقبة الطيور وإصطيادها أيضا.
ربما صوتها أزعجه، وقد يكون مظهر التحليق يثير فيه عحزا ويأسا عندما ينظر لقدميه ويتذكر القيود المسلسلة التي تقيدها من ماض مقدس وشخوص كالآلهة ويقين ساكن وإحتكار للحقيقة المطلقة.
سادسا : حان وقت الهدأة والخلود للراحة والسكينة، أريح وأستريح.
أكتفي بمشاركة بعض الذكريات، و بمتابعة الأصدقاء والمحبين، وهم بحمد الله كثر.
وإن كان لكلماتي المتواضعة أثر او مردود فهو فضل من الله ثم بوجودهم ودأبهم وصبرهم على القراءة والمتابعة والأخطاء والهنات.
هم مني وانا منهم يجمعنا طريق البحث عن الكلمة والمعنى، وهو طريق شاق لو تعلمون، هم فيه مثل الأشجار الوارفة التي تستظل بها كلما أضناك السفر وأنهكتك مشقة السبيل.
إلى عودة قريبة إن شاء الله
تقبلوا تحياتي ومودتي وتقديري وإحترامي.






