آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

محمد فؤاد يكتب: 48 ساعة نحو الحرب

أن اتخاذ قرار بهذا الحجم تحت ضغط زمني ضيق ليس مجرد خطأ تكتيكي محتمل، بل انزلاق استراتيجي قد يفتح أبواب حرب لا يمكن احتواؤها، ولا حتى التنبؤ بمساراتها.

مشاركة:
حجم الخط:

إنزال أميركي في إيران قد يشعل أخطر صراع إقليمي في القرن

في ظل العدّ التنازلي الذي أعاد ترامب التلويح به، متحدثاً عن مهلة لا تتجاوز 48 ساعة، لا يعود الحديث عن تدخل بري أميركي في إيران مجرد نقاش نظري أو استعراض خيارات على طاولة البنتاغون.

بل يتحول إلى احتمال فعلي محفوف بمستوى غير مسبوق من المخاطر.

أن اتخاذ قرار بهذا الحجم تحت ضغط زمني ضيق ليس مجرد خطأ تكتيكي محتمل، بل انزلاق استراتيجي قد يفتح أبواب حرب لا يمكن احتواؤها، ولا حتى التنبؤ بمساراتها.
المشكلة الجوهرية هنا لا تكمن في قدرة الولايات المتحدة على الدخول إلى إيران، بل في سوء تقديرها التاريخي المتكرر لما يحدث بعد الدخول.

هو خطأ تكرر في العراق وأفغانستان، لكنه في الحالة الإيرانية سيكون أكثر تكلفة وتعقيداً، لأن واشنطن لا تواجه دولة منهكة أو معزولة، بل نظاماً صُمم عقائدياً وعسكرياً ليقاتل تحت الضغط، ويحوّل أي اختراق إلى فرصة لاستنزاف خصمه.

وفق القراءة الاستخباراتية، فإن إيران لا تعتمد على نموذج جيش تقليدي فقط، بل على بنية مزدوجة يقودها الحرس الثوري، الذي لا يُعرّف نفسه كقوة دفاعية بل كأداة حرب غير متماثلة.

تعتمد على تفتيت المعركة، ونقلها إلى بيئات متعددة، واستخدام الجغرافيا كعنصر قتالي، وهو ما يجعل أي تدخل بري أقرب إلى الدخول في شبكة معقدة من المصائد العملياتية.

السيناريو الأول: ضربة جراحية تتحول إلى فخ مفتوح

هذا السيناريو يبدو مغرياً في ظل مهلة الـ48 ساعة، لأنه يتماشى مع فكرة “الضربة السريعة”

لكن الاستخبارات العسكرية تدرك أن المنشآت الحساسة في إيران، خاصة النووية والصاروخية، ليست أهدافاً مكشوفة، بل موزعة، محصنة، ومدفونة في عمق جغرافي معقد. 

ما يعني أن أي عملية إنزال لن تكون ضربة جراحية، بل بداية اشتباك مفتوح مع وحدات رد سريع تابعة للحرس الثوري، مدربة على قتال القوات الخاصة في بيئات مغلقة، وهو ما يحول العملية من نجاح تكتيكي محتمل إلى فخ عملياتي.

السيناريو الثاني: السواحل كحقول قتل للقوات المهاجمة

هذا هو السيناريو الذي غالباً ما يتم التقليل من مخاطره، رغم أنه من أخطرها عملياً.

لأن السواحل الإيرانية على الخليج ليست مجرد خطوط تماس، بل مناطق قتل محتملة.

مشبعة بمنظومات صواريخ مضادة للسفن، وأسراب زوارق سريعة، وطائرات مسيّرة، إضافة إلى ألغام بحرية يمكن نشرها خلال ساعات.
هذا ما يجعل أي قوة إنزال عرضة لضربات مركزة قبل أن تثبّت وجودها، في تكرار محتمل لكن أكثر تعقيداً من تهديدات مضيق هرمز التي طالما لوّحت بها طهران.

السيناريو الثالث: التوغل البري وإشعال الإقليم بالكامل

سواء من العراق أو عبر محاور أخرى.

 هذا السيناريو لا يعني فقط مواجهة داخل الأراضي الإيرانية، بل تفجير الإقليم بالكامل.

لأن استخدام أراضي الجوار سيحوّل هذه الدول إلى أهداف مباشرة.

ويفتح المجال أمام شبكات مسلحة مرتبطة بإيران لشن هجمات خلف خطوط القوات الأميركية، وهو تكتيك أثبت فعاليته بعد 2003 عندما تحولت خطوط الإمداد الأميركية في العراق إلى أهداف يومية، فكيف سيكون الحال إذا كان الخصم أكثر تنظيماً واستعداداً؟

السيناريو الرابع: حرب شاملة بلا خطوط نهاية واضحة

هنا ننتقل من مقامرة إلى مغامرة مفتوحة.
لأن هذا السيناريو يعني محاولة شل البنية العسكرية الإيرانية بالكامل.

هذا هدف يتطلب تفوقاً مطلقاً ومستداماً، وليس مجرد ضربة أولى ناجحة.

لكن العقيدة القتالية للحرس الثوري تقوم أساساً على امتصاص الصدمة الأولى،.

ثم الانتقال إلى حرب استنزاف طويلة، تعتمد على الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والضربات غير المباشرة، وهو ما يعني أن أي تقدم بري سيتحول سريعاً إلى حرب متعددة الجبهات، تمتد إلى الخليج، وربما إلى ما هو أبعد.

السيناريو الخامس: مهلة 48 ساعة… لعبة ردع قد تتحول إلى انفجار

هذا هو السيناريو الأكثر خطورة من حيث سوء الحسابات، لأن استخدام مهلة 48 ساعة كأداة ردع قد يتحول إلى عامل تفجير.

إذا قررت طهران أن أفضل وسيلة للتعامل مع التهديد هي استباقه.

هذا ما يدخل الطرفين في دوامة تصعيد لا يمكن إيقافها بسهولة، تماماً كما حدث في لحظات تاريخية تحولت فيها الإنذارات القصيرة إلى حروب شاملة بسبب خطأ في التقدير.

من الناحية الاستخباراتية:

تشير تقديرات متعددة إلى أن إيران أعدّت نفسها لسنوات لهذا النوع من السيناريوهات.

ليس فقط عبر تحصين منشآتها، بل عبر بناء شبكة رد إقليمي قادرة على نقل المعركة خارج حدودها خلال ساعات.

وهو ما يعني أن أي جندي أميركي يطأ الأرض الإيرانية لن يكون في مواجهة جبهة واحدة، بل أمام مسرح عمليات ممتد، حيث تختلط الجغرافيا بالعقيدة، والتكتيك بالسياسة.

الخرائط العسكرية في هذه الحالة لا تُقرأ فقط من زاوية خطوط التقدم، بل من زاوية “دوائر الخطر”.

حيث يمكن لأي نقطة تمركز أن تتحول إلى هدف لصواريخ قصيرة المدى، أو لهجمات بطائرات مسيّرة، أو حتى لعمليات تسلل خلفية.

وهو ما يجعل مفهوم السيطرة الأرضية نفسه موضع شك، لأن الأرض في العقيدة الإيرانية ليست مساحة تُحتل، بل بيئة تُستنزف.
التحذير هنا ليس نظرياً، بل مستند إلى خبرة تاريخية قاسية:

الولايات المتحدة لم تخسر حروبها لأنها عجزت عن الدخول، بل لأنها لم تستطع الخروج.

في إيران، قد لا تكون هناك حتى مرحلة “خروج” واضحة، لأن الحرب، إذا بدأت، لن تبقى داخل حدودها، ولن تنتهي وفق الجداول الزمنية التي تُرسم في غرف العمليات.

هنا تكمن الحقيقة الأكثر قسوة:

أي قرار أميركي بالإنزال البري في إيران، تحت ضغط مهلة سياسية، لن يكون مجرد خطأ، بل قد يكون الشرارة التي تشعل أكبر صراع إقليمي في القرن الحالي.

شارك المقال: