مقالات
محمد حماد
محمد حماد

كاتب صحفي

محمد حماد يكتب: عرب ما بعد الحرب (1)

غير أن اللحظة الراهنة، مع اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من رد إيراني طال عددًا من دول الخليج، كشفت عن تحول أكثر خطورة.

مشاركة:
حجم الخط:

حين يسقط النظام ولا يولد البديل:

كأن الواقع العربي يعيد إنتاج المأزق الدولي نفسه، ولكن في صورة أكثر حدة وأقل قدرة على الاحتمال.

نظام دولي يتهاوى 

في اللحظة التي يترنح فيها نظام دولي تأسس على نتائج الحرب العالمية الثانية، ثم استقر لعقود على مخرجات نهاية الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بقيادته.

يبدو العالم اليوم وكأنه يعيش لحظات احتضار ذلك النظام، دون أن يولد نظام بديل قادر على الحلول محله.

قديم يسقط ولا جديد 

إنها لحظة انتقال قاسية، يتراجع فيها القديم دون أن يتقدم الجديد، فتسود الفوضى بوصفها الحالة المؤقتة الوحيدة الممكنة.

الحال العربي ليس بعيدًا عن هذا المشهد، بل يكاد يكون نسخته الأكثر هشاشة.

نشأ النظام العربي هو الآخر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واستمر رغم ما تعرض له من عواصف وانقسامات.
إلى أن بدأ يتآكل تدريجيًا مع التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة.

وصولًا إلى نقطة الانفجار مع الغزو العراقي للكويت.

حيث لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى كسر في البنية نفسها.

أعقبه تشكل تكتلات فرعية متباينة، من مجلس التعاون الخليجي إلى مجلس التعاون العربي، في محاولة لتعويض غياب الإطار الجامع، لكنها في الواقع كانت تعبيرًا عن تفككه لا بديلًا عنه.

مع مرور الوقت، تعمّق هذا الانقسام.

اصطفافات داخل النظام العربي

ظهرت اصطفافات جديدة داخل النظام العربي، كان أبرزها الانقسام حول العلاقة مع إسرائيل.

حيث سعى ما يمكن تسميتهم بـ“عرب الاتفاقيات الابراهيمية” إلى إعادة تعريف المسار العربي، بل وقيادته، في اتجاه معاكس لما استقر عليه الوجدان السياسي العربي لعقود.

غير أن اللحظة الراهنة، مع اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من رد إيراني طال عددًا من دول الخليج، كشفت عن تحول أكثر خطورة.

فقد جاء الرد الإيراني، في جزء منه، نتيجة انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية من قواعد متمركزة على الأراضي الخليجية، وهو ما وضع هذه الدول في قلب الصراع، لا على هامشه.

هنا سقطت الفرضية التي قامت عليها ترتيبات الأمن في الخليج لعقود، التي قامت على نظرية الحماية الأمريكية.

تلك النظرية التي استندت إليها دول الخليج، واستثمرت فيها تريليونات الدولارات، باعتبارها ضمانة نهائية للأمن.

تبيّن في لحظة الاختبار أنها ليست سوى ترتيب مشروط، يعمل وفق أولويات لا تتطابق بالضرورة مع أمن هذه الدول، بل قد يحمّلها أعباء الصراع بدلًا من أن يرفعها عنها.

سؤال الأمن العربي 

عند هذه النقطة، لم يعد سؤال الأمن الجماعي العربي سؤالًا نظريًا، بل صار سؤالًا ضاغطًا، تفرضه الوقائع.

غير أن طرح السؤال لا يعني بالضرورة القدرة على الإجابة عنه.

ذلك أن حقائق الواقع العربي تجعل من هذا السؤال أقرب إلى المعضلة المستعصية.

عرب اليوم لا يختلفون فقط في الوسائل، بل منقسمون في تعريف العدو نفسه.

بينما لا يزال قطاع واسع يرى في إسرائيل العدو التاريخي الوجودي.

تميل قطاعات أخرى، خصوصًا في الخليج، إلى اعتبار إيران التهديد الأكبر، بل والنظر إلى إسرائيل بوصفها شريكًا ممكنًا أو حتى حليفًا موثوقًا في مواجهة هذا التهديد.

في مثل هذا السياق، لا يعود الانقسام سياسيًا فحسب، بل يتحول إلى انقسام في البوصلة الاستراتيجية ذاتها:

من هو العدو؟
ومن هو الحليف؟
وعلى أي أساس يُبنى الأمن؟

الأمر يتجاوز ذلك إلى حد طرح أفكار كانت تبدو، قبل سنوات قليلة، خارج نطاق التفكير.

مثل الدعوة إلى فك الارتباط بأي إطار عربي جامع، والارتكان إلى تحالفات إقليمية بديلة، يكون مركزها خارج العالم العربي.

مفارقة قاسية 

هكذا، نجد أنفسنا أمام مفارقة قاسية: لحظة تتزايد فيها الأخطار إلى حد غير مسبوق، في مقابل عجز متصاعد عن إنتاج موقف عربي موحد، أو حتى تعريف مشترك لطبيعة هذه الأخطار.

هل يمكن، في ظل هذا التباين العميق، الحديث عن أمن عربي جماعي؟ أم أن الواقع قد تجاوز هذه الفكرة، قبل أن تتاح لها فرصة التحقق؟

السؤال الأصدق الآن هو: كيف نبني هذا الأمن؟

لكن السؤال المؤلم هو: هل لا يزال ممكنًا الاتفاق على ما الذي نريد أن نحميه أصلًا؟

شارك المقال: