مقالات
محمد حماد
محمد حماد

كاتب صحفي

محمد حماد يكتب: إيران والشبح الذي هوى

الدولة التي حوصرت لعقود، وتحت ضغط مستمر، لم تسعَ إلى مضاهاة خصومها في كل شيء، بل راحن تبحث عن الزوايا التي يمكن من خلالها تعطيل تفوقهم، ولو جزئيًا.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تكن إصابة طائرة شبحية أمريكية مجرد حادث عسكري عابر يمكن احتواؤه في بيان تقني مقتضب، بل كانت لحظة كاشفة لخلل أعمق في التصورات التي حكمت هذا الصراع منذ بدايته.

”الشبح” هنا ليس مجرد طائرة، بل تعبير مكثف عن فكرة التفوق المطلق، عن القدرة على الضرب دون أن تُرى، وعلى السيطرة دون أن تُمس.

وحين يُصاب هذا الرمزـ حتى دون إسقاطه ـ فإن ما يتصدع ليس المعدن بقدر ما هي الصورة.

إيران، في هذه اللحظة، لا تقدم نفسها كقوة مكافئة تكنولوجيًا للولايات المتحدة، ولا تدّعي امتلاك أدوات الهيمنة ذاتها، لكنها تفعل ما هو أخطر: تُظهر أن هذه الهيمنة قابلة للاختراق.

الدولة التي حوصرت لعقود، وتحت ضغط مستمر، لم تسعَ إلى مضاهاة خصومها في كل شيء، بل راحن تبحث عن الزوايا التي يمكن من خلالها تعطيل تفوقهم، ولو جزئيًا.

إنها حرب لا تُخاض على مستوى التكافؤ، بل على مستوى الإرادة.

ما جرى لا يعني أن موازين القوة قد انقلبت، لكنه يعني أن هذه السيطرة لم تعد مطلقة، وأن السماء نفسها باتت ساحة نزاع لا مجالًا مضمونًا.

هنا تكمن خطورة اللحظة: حين تنتقل المعركة من يقين التفوق إلى احتمال الاختراق، يصبح كل تحرك مفتوحًا على مفاجآت غير متوقعة.

من أصاب الشبح؟
كيف وصلنا إلى لحظة يصبح فيها “الشبح” قابلًا للإصابة؟

الإجابة لا تكمن فقط في صاروخ أُطلق، بل في مسار طويل من التراكم، من التعلم تحت الضغط، ومن إعادة تعريف معنى الإرادة نفسها.

القوة، في صورتها الجديدة، لم تعد احتكارًا للتكنولوجيا الأكثر تقدمًا، بل صارت أيضًا قدرة على قراءة هذه التكنولوجيا، وفهم حدودها، وانتظار اللحظة التي تنكشف فيها.

بهذا المعنى، لا تبدو إيران في هذه الواقعة مجرد طرف في معركة، بل طرف يختبر قواعدها ويعيد رسم حدود الممكن فيها.

أما “الشبح” الذي هوى، فليس مجرد طائرة عادت بجرح، بل فكرة تلقت أول خدش علني: أن التفوق يمكن أن يُرى، ويمكن أن يُصاب.

التاريخ العسكري لا يُكتب فقط بفوارق التكنولوجيا، بل أيضًا بقدرة الدول على التعلّم والتكيّف وإدارة نقاط الضعف لدى الخصم.

إيران، في هذا السياق، تظهر كفاعل تعلّم كيف يقاتل داخل القيود، ةرغم الصعوبات والعقوبات . وهذا، في حد ذاته، هو التحول الأهم الذي ينبغي التوقف عنده.

#محمد_حماد
#أوراق_محمد_حماد
#عندما_سقطت_الشبح

سعر النسخة الواحدة من طائرات “إف 35” يبلغ نحو 110 ملايين دولار (رويترز)

شارك المقال: