علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

مجلس السلام أم مجلس إدارة الموت؟ ترامب يبيع الأوهام وإسرائيل تحصد أرواح غزة!

يطل نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لمجلس السلام، ليقدم مشهدًا يصلح لمسرحية سياسية عبثية.

مشاركة:
حجم الخط:

في غزة، لا يحتاج الموت إلى تصريح دخول، لكن السلام يحتاج إلى موافقة إسرائيل! الشهداء يعبرون إلى المقابر بلا تأشيرات، أما لجنة إدارة القطاع فلا تستطيع عبور البوابات. الأطفال يموتون بأسماء حقيقية، بينما تُولد في واشنطن لجان بأسماء براقة.

بين جثث الصغار وطاولات الكبار، يقف دونالد ترامب رئيسًا لمجلس يسمى «مجلس السلام» في واحدة من أشد المفارقات السياسية مرارة:

مجلس يمتلك سلطة الإعلان عن مستقبل غزة، لكنه لا يمتلك ضمان دخول من كُلّفوا بإدارة حاضرها!

وبينما تتزاحم أزمات ترامب السياسية وتتجه الأنظار إلى الانتخابات الأمريكية، تبدو غزة وكأنها ملف أُودع في درج الانتظار، إلى أن يتفرغ صانع السلام من حرائقه الأخرى!

أولًا: السلام بالأرقام.. والموت بالتقسيط!

دعونا نترك الخطب جانبًا، ونفتح دفتر الحساب الحقيقي.

بحسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، بلغت الحصيلة التراكمية حتى 17 أكتوبر 2026 74,469 شهيدًا و175,492 مصابًا منذ

بدء الحرب في أكتوبر 2023.

أما منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، فقد سُجل 1,511 شهيدًا و5,375 مصابًا، فضلًا عن انتشال 838 جثمانًا.

يا له من إنجاز يستحق أن تُضاء له القاعات!

وقف إطلاق نار يستمر خلاله سقوط القتلى، ومجلس سلام تتقدم فيه إحصاءات الضحايا أسرع من مشروعات الإعمار!

ولكي تكتمل المفارقة، أعلنت اليونيسف أن أكثر من 340 طفلًا قُتلوا منذ وقف إطلاق النار.

فهل أصبح السلام مجرد طريقة أكثر أناقة لإحصاء الموتى؟

ثانيًا: ترامب.. رئيس مجلس السلام الذي لا يستطيع فرض السلام!

يرأس ترامب مجلسًا دوليًا يفترض أن يشرف على تنفيذ خطته لغزة، بينما لا يزال الانسحاب الإسرائيلي متعثرًا، وإعادة الإعمار

محدودة، والترتيبات الأمنية معلقة.

ووفق رويترز، ظل الجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو ثلثي القطاع بعد عام من الاتفاق، بينما لم تتحقق أهداف أساسية من الخطة.

والمفارقة هنا ليست في تعقيد المفاوضات، بل في الفجوة بين حجم الوعود وضآلة النتائج.

إنها دبلوماسية يستطيع فيها الرئيس أن يعلن انتصار السلام أمام الكاميرات، ثم يترك الواقع يتولى تكذيب الإعلان!

ثالثًا: ملادينوف.. الممثل الأعلى الذي ينتظر مفتاح البوابة!

يطل نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لمجلس السلام، ليقدم مشهدًا يصلح لمسرحية سياسية عبثية.

فقد واجهت لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقبات إدارية وأمنية حالت دون انتقالها من القاهرة إلى غزة، بحسب تقارير تناولتها صحيفة «هآرتس»، بينما

تحدث ملادينوف عن شروط ينبغي استيفاؤها قبل دخولها.

يا للعجب!

مجلس دولي يرأسه الرئيس الأمريكي، ويخطط لمستقبل مليوني فلسطيني، لكنه يعجز حتى الآن عن ضمان انتقال اللجنة التي ستتولى إدارة شؤونهم!

ترامب يوزع المناصب في واشنطن، وملادينوف يناقش شروط الدخول، والفلسطيني ينتظر عند باب وطنه!

رابعًا: كوشنر وويتكوف.. مهندسا الأحلام فوق خرائط الخراب!

أما جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، فيتحركان داخل مشروع تتداخل فيه الدبلوماسية مع تصورات عمرانية واستثمارية طموحة.

تحدثت الخطط عن عشرات المليارات، وعن ساحل جديد ومشروعات ضخمة، بينما كشفت الغارديان أن إسرائيل تعطل إنشاء

قاعدة لقوة الاستقرار الدولية نفسها.

يا لهذه العبقرية!

نخطط لأبراج المستقبل، قبل أن ننجح في إقامة البنية الضرورية لبدء التنفيذ!

نرسم شرفات تطل على البحر، بينما آلاف العائلات لا تجد سقفًا يحميها من المطر!

لقد أصبح الحديث عن إعمار غزة يشبه إعلانًا عقاريًا فاخرًا نُشر بالخطأ فوق صفحة الوفيات.

خامسًا: غزة تجوع.. والمجلس يتغذى على المؤتمرات!

حذرت اليونيسف من أن نحو 800 ألف طفل ما زالوا نازحين، وأن عشرات الآلاف فقدوا أحد والديهم أو كليهما، بينما يعيش

كثيرون في خيام ومبانٍ خطرة.

كما حذرت رويترز من هشاشة التحسن الغذائي واحتمال انتكاسته مع اضطراب الإمدادات.

لكن الاجتماعات مستمرة، والتصريحات لا تنقطع.

كأن الطفل الجائع يستطيع تناول البيان الختامي على الإفطار، والاحتماء من برد الشتاء بصورة تذكارية لأعضاء المجلس!

سادسًا: إعادة إعمار غزة.. عندما تصبح الوعود مواد بناء!

في سبتمبر، أعلن مجلس السلام خطة أولية بقيمة 2.45 مليار دولار، تشمل 66 مشروعًا خلال ستة أشهر، بينما قُدرت احتياجات إعادة الإعمار الشاملة

بنحو 71.4 مليار دولار خلال عقد.

لكن الأموال المعلنة ليست مباني قائمة، والمخططات الملونة ليست منازل، والتعهدات ليست مستشفيات.

والأكثر سخرية أن الغارديان كشفت تقلص طموحات إعادة الإعمار إلى مشروع تجريبي محدود في جنوب القطاع.

هكذا انكمش الحلم من إعادة بناء غزة إلى محاولة بناء نموذج صغير منها!

أخيرًا: السلام لا يُقاس بالتصفيق.. بل بعدد الأحياء!

للإنصاف، ساهم الاتفاق في تبادل الرهائن والأسرى وتحسين دخول المساعدات، وهي نتائج حقيقية لا ينبغي إنكارها. لكن ذلك لا يلغي تعثر بقية الالتزامات ولا استمرار معاناة المدنيين.

فالمساءلة ليست ترفًا، ولا يحق لمجلس يحمل اسم السلام أن يكتفي بتعداد نواياه الحسنة.

غزة لا تطلب من ترامب جائزة، ولا من كوشنر مدينة من زجاج، ولا من ملادينوف تصريحًا جديدًا. إنها تطلب أن يتوقف القتل، وأن يدخل الدواء، وأن يعود

الناس إلى بيوتهم.

أما إذا استمرت الوعود معلقة والضحايا يتساقطون، فسيبقى السؤال الذي لا تجيب عنه المؤتمرات:

هل أُنشئ مجلس السلام لإنقاذ غزة من الموت، أم لإنقاذ الخطابات السياسية من الاعتراف بالعجز؟

وبينما يبحث المجلس عن إجابة، تواصل غزة دفع الثمن.

فالسلام الذي لا يحمي الأحياء، لن تستطيع كل بيانات العالم إقناع الموتى بأنه قد وصل!

شارك المقال:

شاركنا برأيك