قراءة متأنية في البيان السعودي التركي المشترك حول السودان
نص البيان على إطلاق عملية سياسية بقيادة السودانيين، تؤدي إلى تشكيل حكومة مدنية لا تشمل الجماعات والتنظيمات المتورطة في الجرائم بحق الشعب السوداني

زيارة الرئيس أردوغان إلى الرياض والقاهرة تبرز كأهم تحول في الجيوسياسية المنطقة منذ عقد.
بقلم: ناجي الكرشابي
جاء البيان السعودي التركي المشترك الصادر عقب زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرياض ولقائه بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ليحمل دلالات تتجاوز الإطار البروتوكولي المعتاد للعلاقات الثنائية، خصوصاً في ما يتعلق بملف الحرب في السودان. فالبيان، بنصوصه الواضحة وصياغاته الدقيقة، يعكس تحولاً نوعياً في مقاربة قوتين إقليميتين مؤثرتين وانتقالاً من إدارة التوازنات إلى تبني رؤية أقرب إلى استعادة الدولة ومؤسساتها وسيادتها.
اللافت في هذا البيان أنه لم يتعامل مع السودان بوصفه ساحة صراع هامشية، بل باعتباره ركناً أساسياً في معادلة الأمن الإقليمي، وأن أي خلل في بنيته السيادية ستكون له ارتدادات مباشرة على المنطقة بأسرها. ومن هنا يمكن قراءة البيان بوصفه خارطة طريق سياسية وأمنية، تضع محددات واضحة لمسار الحل، وتعيد تعريف أطراف الشرعية، وحدود العملية السياسية، وشروط إنهاء الحرب.
وحدة الدولة ورفض الكيانات الموازية
أبرز ما ورد في الفقرة الخاصة بالسودان هو التأكيد الصريح على التمسك بوحدة البلاد وأمنها واستقرارها وسيادتها، مقروناً برفض أي كيانات غير شرعية أو موازية خارج إطار مؤسسات الدولة. هذه الصياغة لا تحتمل التأويل، وتحمل رسالة مباشرة بأن أي محاولات لخلق سلطات أمر واقع أو إدارات مدنية مصطنعة في مناطق سيطرة الميليشيات لن تحظى بأي اعتراف إقليمي من الرياض وأنقرة.
الدلالة السياسية هنا عميقة، إذ إن البيان ينزع الغطاء عن كل المشاريع التي حاولت تسويق التمرد كطرف سياسي مكافئ للدولة، ويعيد تثبيت مفهوم أن الشرعية لا تُنتج بقوة السلاح، ولا تُكتسب عبر السيطرة المؤقتة على الجغرافيا، وإنما من خلال مؤسسات الدولة المعترف بها.
منع التدويل وتجفيف منابع السلاح
تشديد البيان على ضرورة منع تحول السودان إلى ساحة نزاعات وأنشطة غير قانونية، ومنع دخول الأسلحة الأجنبية بشكل غير مشروع، يعكس إدراكاً سعوديا تركيا مشتركاً بأن الحرب الحالية ليست شأناً داخلياً صرفاً، وإعادة توصيف الحرب بأنها صراع تغذيه شبكات إمداد عابرة للحدود. هذه النقطة تمثل جوهر التحول الاستراتيجي، لأنها تنتقل من توصيف الأزمة إلى استهداف أسباب استمرارها.
سياسياً، يعني هذا البند استعداداً سعودياً تركياً للضغط باتجاه كبح التدخلات التي تمد الميليشيات بالسلاح والتمويل، ووضع هذه الأنشطة في خانة التهديد المباشر للأمن الإقليمي، لا مجرد تفاصيل ثانوية في صراع داخلي. وعسكرياً، فإن أي نجاح في تجفيف هذه المنابع سيقود حتماً إلى اختلال ميزان القوة لصالح الدولة، ويفتح الباب أمام حسم الصراع أو فرض تسوية بشروط جديدة.
حماية المدنيين والالتزام بإعلان جدة
ربط البيان بين حماية المدنيين وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية والالتزام بإعلان جدة الموقع في مايو 2023، يحمل أكثر من رسالة، فهو من جهة يؤكد أن البعد الإنساني لا ينفصل عن الحل السياسي، ومن جهة أخرى يحمل الأطراف التي تنتهك هذا الإعلان مسؤولية مباشرة عن تفاقم الكارثة الإنسانية.
الأهم هنا أن البيان يربط العمل الإنساني بمفهوم الدولة، لا بالترتيبات الميليشياوية. فالمساعدات يجب أن تصل وفق القانون الدولي الإنساني، وعبر معابر ومطارات خاضعة لسلطة الدولة، لا عبر مسارات موازية تعزز اقتصاد الحرب وتمنح المتمردين شرعية ضمنية.
حماية مؤسسات الدولة كشرط للاستقرار
تأكيد الطرفين على ضرورة حماية مؤسسات الدولة السودانية يعكس فهماً استراتيجياً لطبيعة الصراع. فالسعودية وتركيا تدركان أن انهيار الجيش، والشرطة، والخدمة المدنية، يعني دخول السودان في نموذج الدولة الفاشلة، بكل ما يحمله ذلك من تهديدات تتعلق بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.
هذا البند يتقاطع مع القلق الدولي المتزايد من تضاعف أعداد المهاجرين السودانيين، ويؤسس لرؤية موضوعية تعتبر أن استعادة سيادة الدولة يمثل ضرورة أمنية إقليمية ودولية.
عملية سياسية بشروط جديدة
نص البيان على إطلاق عملية سياسية بقيادة السودانيين، تؤدي إلى تشكيل حكومة مدنية لا تشمل الجماعات والتنظيمات المتورطة في الجرائم بحق الشعب السوداني. هذا الشرط بمثابة تحوّلاً مهماً في الخطاب الإقليمي، إذ أنه يضع معياراً أخلاقياً وقانونياً للمشاركة السياسية، ويؤسس لعدالة انتقالية حقيقية وينهي عملياً فكرة مكافأة العنف بالمقاعد السياسية.
في ضوء التقارير الأممية التي وثقت الانتهاكات، فإن هذا البند يخرج الميليشيات من أي معادلة سياسية مستقبلية، ويفتح الباب أمام مسار محاسبة حقيقية، تنصف الضحايا وتغلق الباب أمام أي مسار لتسوية هشة تساوي بين الدولة ومن تمرّد عليها.
الجهود الإنسانية والمكاسب الميدانية
ترحيب الطرفين بقرار القوات المسلحة السودانية إبقاء معبر أدري مفتوحاً، وإعادة فتح مطارات كسلا ودنقلا والأبيض، ومعبر كادوقلي، يحمل اعترافاً ضمنياً بقدرة الدولة على الجمع بين السيطرة الميدانية والمسؤولية الإنسانية. ذكر هذه المواقع بالاسم يحمل أيضًا دلالات وإشارات سياسية داعمة للجيش في جهوده لتحويل التقدم العسكري إلى استقرار وخدمة للمدنيين.
أخيرا أرى في هذا البيان السعودي التركي المشترك وهذه النقاط القوية أعلاه، والذي لا مجال لقراءته كوثيقة مجاملة دبلوماسية، ويصلح صراحة كإعلان مبادئ قد يؤسس لمقاربة جديدة للأزمة السودانية، خاصة بانحيازه لوحدة الدولة السودانية ووضعه لتجفيف منابع السلاح الخارجي بصورة غير شرعية ورفضه المليشيات واي كيانات أخرى موازية.
هذا التوافق بين الرياض وأنقرة يمنح الدولة السودانية ظهيراً إقليمياً وازناً، ويعيد رسم حدود النقاش الدولي حول الحرب ، من محاولات البحث عن تسويات شكلية إلى التركيز على استعادة الدولة كشرط وحيد للاستقرار. وفي ظل هذا التحول، تبدو فرص السودان في الخروج من نفق الحرب أكثر ارتباطاً بقدرته على استثمار هذا الدعم، وتحويله إلى مسار وطني يعيد بناء الدولة على أسس السيادة والمحاسبة، لا المساومة مع التمرد





