صنع الله إبراهيم اليساري الأخير
الملاحظ أن صنع الله إبراهيم عشق عبد الناصر الشخص وعشق كثير من أحلامه ومبادئه، لكنه أيضا لعنه وغضب منه وهاجمه، كما هاجمه كثير من كتّاب الستينيات في أعمالهم

الأديب والروائي المصري صنع الله إبراهيم
بقلم: محمد محمد مستجاب
روح هشة وعرة، مملوءة بالشك، عاشت سنوات بلا رحمة وكوابيس ضارية، أيامها متاهة وأحلامها لئيمة وطعامها خيبات وهزائم وانكسارات، يكره هوائنا الملوث بالغبار والاكاذيب ونجوم الظهر التي لا نراها، ويعادي مؤسساتنا المكتظة بالغربان والذباب والتقارير السرية، جسده شوكة نخيل مصابة بالانهيارات والهزائم والمعتقلات، وشعره هبه ريح، ووجهه ساحة سوق وقت الظهيرة تعج بالموظفين والعمال والبائعين والمخبرين والمتسولين، وعينيه حقل ألغام، يحمل فوق أكتافه نجمة الفجر الشاردة ويرافق القلم كأنيس لا يخزله مطلقًا.
أنه صنع الله إبراهيم؛ العظيم كالفلاسفة والنحيف كموظف والعميق كالتاريخ والساكن كصنارة صيد والقلق كمواطن في انتظار تأشيرة المرور.
لذا إذا أردنا أن نؤرخ لمصر في السبعون عامًا الماضية، فسوف نجد جزء كبير من هذا التاريخ متشابك مع تاريخ ” صنع الله إبراهيم”، سواء على المستوي القومي أو المستوي الإنساني، فصنع الله جزء من نسيج ظل يغزله طوال حياته، معتنقًا أفكاره الخاصة، فهو وحده يعرف خلاص نفسه، يسير بدماغه، لا يملي عليه أحد شروطه، نادرًا أن تراه، ونادرًا أن تلتقي به في مطعم أو محطة اتوبيس أو ندوة أو قاعة مؤتمر، لكنه يعرفك ويراك ويفهمك ويقرأ أفكارك، ويستطيع أن يمهد لك القضبان التي تستطيع أن تسير عليها أو التي تسجن خلفها.
وهناك سبب آخر – حسب رأيي – أحسبه ناتجا عن عامل نفسي أو شخصي، فالكاتب حين يكتب، فهو يتمنى ما لا يملكه، ويكمل ما ينقصه، ويفسر ما صعب عليه قوله بفمه، يتمنى عدلا ليس موجودًا، يتمنى قوة لا يمتلكها، يتمنى الخير رغم الشر السائد، وفي حال أستاذنا صُنع الله ابراهيم، والذي اشتهر بنحافته ونحول جسده، فقد وجد في الكتابة عزاءه وساحته التي يستطيع فيها خوض معركته، حيث يخلق لنفسه القوة التي يمتطي بها صهوة القلم للتعبير عما يجول في خاطره.
وأجمل ما في صنع الله إبراهيم إيمانه ومصاحبته لوعده النفسي والداخلي، بأن يصير كاتبًا ولا شيء غيره، هذا الإيمان جاء لأنه لن يستطيع أن يدخل معك في مبارزة كلامية أو جدال، فهذه ليست منطقته، منطقته التي يبدع وينطلق بها وتظهر قوته، هي الورقة البيضاء، فالكتابة هنا هي المعادل أو السيف الذي يستطيع إن يشهره في وجه الجميع، فإذا كان – ولا يزال- البعض يتحدثون عن الاسم الغريب أو الجسد النحيف له، لكنه على الورقة البيضاء يصير ماردًا، يتقافز بك هنا وهناك، يصنع شخصياته ويتحدث بألف لسان، يقول ما لا يستطيع به أن يرد على أحد، يخرج من جعبته تاريخ وطن ضخم وعظيم ساهم في صنعه ومرت أحداثه أمام عينيه، لذا فإن الكلمات التي يضعها على الورق، تصبح ذات ثقل وكثافة في عقل ووعي القاري، فمثلا في روايته أمريكانلي، هو يستطيع أن يمزق الاسم “أمر- كان- لله” أو تلك الدولة التي قام صنع الله إبراهيم بنفضها مثلما تنفض امرأة سجادة مزخرفة على سطح بيتها، لتظهر لنا الحقائق رغم كثرة الأكاذيب التي يطلقها الاعلام، عاكسًا الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع الأمريكي، يبحث في عمقها وينبش تاريخها، ونشاهد ن خلال سطور الرواية التفاوت الطبقي والعرقي في دولة هي رئيسه العالم والتي تدعي الديمقراطية، فهذه ليست أمريكا التي نعرفها، يخرج لنا خلال تلك الرواية، أحشاءها، ويفردها كي تتعرض للهواء الطلق، ويتركنا كما بدء في حرية، أن نختار هذا الأرض أو نرفضها.
وحتى لو أتضح بإن الموضوع يبدو مكررًا، لكنه يصبغ بأسلوب ونكهة “صنع الله إبراهيم”، الجمل القصيرة المخروطة داخل النص، والتي من صغرها وحدتها، تجعلك تخط أسفلها بالقلم الرصاص، لأنك تريد أن تحفظها أو تريد ان تقول كنت أريد أن أكتب هذا أو أقول كهذا.
ونادرًا أن يفعل كاتب مع القارئ تلك العلاقة، المصادقة خلال الكتاب أو الرواية، ثم تركه لاتخاذ قراره، وهذه قدرة فذة أن يعيد تشكيل وعيك، لأن ما يقوله لك، هو وجه نظر هذا الرجل الذي عاش الحياة صامتًا، لكنه يستطيع أن يصرخ على الأوراق.





