سعيد علام يكتب: مخاطر تفكيك مصر التاريخية، الوشيكة (1) النيل
إثيوبيا انتهكت قاعدة قانونية وهي حق الاستعمال التاريخي لمصر والسودان، والبلدان التي يتأثر اقتصادها بأسعار صادرات وخدمات مصرية تعتمد على مياه النيل
سد النهضة وما يتبعه له نتائج كارثية على مصر
اذا ما أمكن تفكيك نظام الري المركزي، أمكن تفكيك السلطة المركزية، الدولة المركزية، الدولة السياسية.
مصر تاريخياً تنتمي الى نمط الأنتاج الأسيوي، النمط الذي يعتمد على الري من الأنهار، بخلاف دول الشمال التي تعتمد على الري بالأمطار.
هذا لنمط يتطلب نظام ري مركزي يتولى توزيع المياه على عموم الأراضي الزراعية، أي يتطلب سلطة مركزية، دولة مركزية، لكن اذا ما تم تغيير أياً من عناصر معادلة ماء النيل، الكميات، معدلات التدفق، سرعة التدفق .. الخ، يتفكك نظام الري المركزي، واذا ما أمكن تفكيك نظام الري المركزي، أمكن تفكيك السلطة المركزية، الدولة المركزية، الدولة السياسية.
تاريخياً، يشكل النيل مادة اللحام، المادة اللاصقة، التي حافظت على وحدة وتماسك أقاليم مصر تاريخياً من الشمال الى الجنوب على مر ألاف السنين، في مواجهة كل عوامل التفكيك والأنقسام، الداخلية والخارجية، لكن اذا ما تم تغيير أياً من عناصر معادلة ماء النيل، الكميات، معدلات التدفق، سرعة التدفق .. الخ، تفقد المادة اللاصقة، مادة اللحام، خصائصها كمادة لاصقة.
أي تحليل لا ينطلق من كون الادارة السياسية المصرية شريك أساسي في كارثة مشروع السد الاستعماري “النهضة”، مشروع سياسي قبل ان يكون مشروع تجاري، هو تحليل لا قيمة له.
في مؤتمر شرم الشيخ يوم 13 مارس 2015، وجهت كريستين لاجار المدير السابق لصندوق النقد، انذار مباشر علني وقح للرئيس السيسي قائلة:
“يا نعوم سوا، يا نغرق سوا” قاصدة مع رئيس وزراء اثيوبيا.
بعدها بعشرة ايام بالضبط في 23 مارس، وقع الرئيس السيسي على عقد اذعان بناء السد الاستعماري “النهضة” وقع على عقد تزوير ديباجته (وهى الأساس القانونى للاتفاقية) تصنيف نهر النيل من نهر دولى، إلى نهر عابر للحدود “for their over-border water sources, “!
وهو التصنيف الذي يفقد مصر كل المزايا التى خص بها القانون الدولى “النهر الدولى” ولا تخص “النهر العابر للحدود” والتى يمكن تلخيصها فى الاتى:
اولاً:
حوض “النهر الدولى” يعتبر “وحدة هيدرولوجية واحدة” لا يجوز تقسيمه، فى حين ان حوض “النهر العابر للحدود” يعتبر بحيرة تابعة لدولة المنبع، وهو ما جعل اثيوبيا تعلن بعد الملئ الاول، ان نهر النيل اصبح بحيرة اثيوبية.
ثانياً:
فى حالة “النهر الدولى”، تكون المياه مياه مشتركة “مياه دولية” وفى هذه الحالة، لا سيادة لاثيوبيا عليها، سوى على مواردها المائية الداخلية، عما يتدفق فى الروافد من المياه الدولية.
فى حين ان الموارد المائية لدولة المنبع فى “الانهار العابرة للحدود” هى ملكية خالصة لدولة المنبع، وهى صاحبة سيادة مطلقة على مواردها المائية، وهو ما جعل اثيوبيا تكرر ان موضوع مياه نهر النيل، هو جزء من سيادتها، وان المياه مياهها.
ثالثاً:
يعترف القانون الدولى لدول المصب للـ”النهر الدولى” بالحقوق التاريخية المكتسبة، اى بالاتفاقيات السابقة، على العكس من دول المصب للـ”النهر العابر للحدود” الذى لا يتمتع بهذه الميزة، وهو ما يجعل اثيوبيا ترفض الاعتراف بالحقوق التاريخية المكتسبة لمصر من مياه النيل، وفقاً لاتفاقيات سابقة.
رابعاً:
لا يسمح القانون الدولى باقامة اى سد او منشأ على طول مجرى “النهر الدولى” الا بموافقة دول المصب، ولا يفرض نفس الشرط، على مجرى “النهر العابر للحدود” أي لا تعتبره من مسائل السيادة لدول مجرى “النهر العابر للحدود”
خامساً:
لقد نصت اتفاقية الأمم المتحدة للمياه لعام 1997 والخاصة بـ”الأنهار الدولية”، على ضرورة قيام دولة المنبع الراغبة في إنشاء سد على “نهر دولي” مشترك، القيام بجميع الدراسات البيئية والإنشائية، وأن تُخطر بها في شفافية تامة الدول التي تليها، المحتمل أن تتضرر من إقامة هذا السد أو المُنشأ، وإذا ما رفضت الدولة التي يمكن أن تتضرر، فينبغي تأجيل إقامة السد أو المُنشأ لحين التوافق والتراضي حول التداعيات الضارة لهذا السد وتلافيها.
نص اتفاقية الأمم المتحدة للمياه لعام 1997 الخاصة بالأنهار الدولية
https://legal.un.org/avl/pdf/ha/clnuiw/clnuiw_a.pdf
سادساً:
من الحصانات القانونية الدولية التى يمنحها القانون الدولى للـ”الانهار الدولية” اشتراطه للموافقة على اى تمويل للمشروعات المائية عليها، ألا يؤثر المشروع بالضرر، على أي دولة أخري من دول حوض “النهر الدولى”
وهو ما جعل البنك الدولى، المالك الفعلي لسد النهضة، كما سنرى تالياً، جعله يوقف اى تمويل للسد الا بعد موافقة مصر والسودان، كأحتياط قانونى اضافى، حتى بعد ان استطاع تمرير صفة “نهر عابر للحدود” وليس نهر دولى، فى الاساس القانونى لاتفاقية 23 مارس 2015.
هو ما يعنى للاسف، ان إثيوبيا، لم تخرق القوانين الدولية حرفياً (لغياب قوانين استغلال الموارد المائية للـ”الانهار العابرة للحدود”
هناك اتفاقيات بينية فقط، ولكن ليس هناك قانون دولى كما هو الحال بالنسبة للـ”الانهار الدولية” التى يختصها قانون دولى.
عموماً، اثيوبيا انتهكت قاعدة قانونية وهي حق الاستعمال التاريخي لمصر والسودان، والبلدان التي يتأثر اقتصادها بأسعار صادرات وخدمات مصرية تعتمد على مياه النيل.
كل هذه الخسائر التاريخية تتعلق بخسائرنا من فقرة واحدة فى وثيقة 23 مارس 2015، الفقرة المتعلقة بالاساس القانونى للأتفاقية، الديباجة، والخاصة بقبولنا بتزيف تصنيف نهر النيل من “نهر دولى” الى “نهر عابر للحدود”
والمدهش أن الذي أشرف على صياغة هذه الأتفاقية هو الشيطان الأصغر محمد دحلان بتكليف من سيده بن زايد، وبموافقة السيسي!!.
اما باقى خسائرنا الناتجة عن توقيع الرئيس السيسي على عقد اذعان بناء السد الاستعماري “النهضة” والذي اعطى الطرف الأثيوبي “البنك الدولي/النظام الدولي” منفرداً، نعم منفرداً، نكرر منفرداً، حق ضبط قواعد تشغيل السد “السنوي” وفي الظروف “الاستثنائية”! يمكن اختصار هذه الخسائر فى النقاط الاربع التالية:
النقطة الاولى:
نصت على انه من حق اثيوبيا “منفردةً” ضبط قواعد التشغيل السنوى للسد.!
النقطة الثانية:
نصت على انه على اثيوبيا ان تخطر “مجرد اخطار” دولتى المصب بأية ظروف طارئة تستدعى اعادة ضبط عملية تشغيل السد، “والتى تقوم بها اثيوبيا منفردةً وفقاً للنقطة السابقة”!
النقطة الثالثة:
نصت على ان مدة تنفيذ العملية هى خمسة عشر شهراً، اى يجرى التنفيذ خلال هذه المدة لا يؤجلها شئ، وفقاً للوثيقة الملزمة الموقع عليها !.
النقطة الرابعة:
نصت انه فى حال فشل المفاوضات، على مبدأ التسوية السلمية للمنازاعات (تحديد تعبير “التسوية السلمية” يعنى التزام قانونى من الموقعين على الوثيقة، بعدم اللجوء لـ”عمل عسكرى”) ويمكن للدول الثلاث “مجتمعين” اللجوء للتوفيق، الوساطة، او احالة الامر الى رؤساء الدول الثلاث!
وهو ما يعنى استبعاد اللجوء الى القضاء الدولى الملزم، والاكتفاء بمستوى اقل ودى، مجرد “وساطة” هذا من ناحية، ومن الناحية الاخرى، احالة الامر للرؤساء الثلاثة “مجتمعين” يعطى حق الفيتو لاثيوبيا!
وهو فى نفس الوقت يعنى اشتراط موافقة اثيوبيا، على عملية اللجوء الى الوساطة، ذاتها، من حيث المبدأ، وموافقتها ايضاً، على شخصية الوسيط نفسه!.
أولى كوارث السد الأستعماري “النهضة” بدأت منذ الثلاثاء 11 أغسطس 2026، حيث بدأ حرمان مصر من حصتها التاريخية من ماء النيل، بعد أن أصبحت أتفاقية “عنتيبي” نافذة!
(صور للدور المشين لـمحمد دحلان “صبي النظام الأمراتي” – فى اعداد “أفخاخ” اتفاقية السد الأستعماري “النهضة”! خلال مرحلة اعداد وثيقة السد، مع مسئولين سياسيين وامنيين ذو مستوى رفيع، اثيوبيين ومصريين:
https://www.facebook.com/share/p/1J74LocXGC
المصادر:
نص إعلان المبادئ حول مشروع سد النهضة
https://www.sis.gov.eg/Story/148329?lang=ar
اتفاقية إعلان المبادئ بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن مشروع تطوير مشاريع التنمية المستدامة، سد النهضة، باللغة الانجليزية.
https://www.sis.gov.eg/…/Agreement-on-Declaration-of
https://english.ahram.org.eg/News/125941.aspx
شاركنا برأيك