مقال بوك
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

 زلزال هرمز (11) الطاقة

وصل سعر خام برنت – المؤشر العالمي لتجارة النفط – إلى نحو 119.5 دولارًا للبرميل في ذروة التداولات، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022. كما اقترب سعر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي من 119.4 دولارًا للبرميل

مشاركة:
حجم الخط:

كيف قلبت الحرب أسواق النفط والمال في العالم؟

خلال أقل من عشرة أيام، تحولت الحرب في الشرق الأوسط من صراع عسكري إقليمي إلى أزمة طاقة عالمية تهز الأسواق المالية والاقتصادات الكبرى. فالمواجهة التي اندلعت في قلب الخليج لم تضرب الجغرافيا السياسية للمنطقة فحسب، بل أصابت الشريان الأساسي للاقتصاد العالمي: الطاقة.
فالاقتصاد العالمي الذي يقوم منذ عقود على تدفق مستقر نسبيًا للنفط والغاز من الخليج وجد نفسه فجأة أمام احتمال اختلال هذا التوازن. ومع كل تصعيد عسكري جديد، بدأت الأسواق المالية تدرك أن ما يحدث ليس مجرد أزمة عابرة، بل زلزال اقتصادي قد يعيد رسم خريطة الطاقة والمال في العالم.

كانت أسواق النفط أول من استجاب بعنف لتطورات الحرب. ففي الأيام الأولى للصراع قفزت الأسعار بسرعة غير مسبوقة نتيجة المخاوف من تعطّل الإمدادات في الخليج.
فقد وصل سعر خام برنت – المؤشر العالمي لتجارة النفط – إلى نحو 119.5 دولارًا للبرميل في ذروة التداولات، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022. كما اقترب سعر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي من 119.4 دولارًا للبرميل خلال الفترة نفسها.
وبحسب بيانات الأسواق، ارتفع النفط منذ بداية الحرب بما يقارب 60–70% مقارنة بالمستويات التي كانت سائدة قبل اندلاعها، وهي قفزة تعد من أكبر التحركات السعرية خلال فترة زمنية قصيرة في السنوات الأخيرة.. هذا الارتفاع السريع أعاد إلى الأذهان أزمات الطاقة الكبرى التي ضربت الاقتصاد العالمي في سبعينيات القرن الماضي، حين أدى اضطراب الإمدادات النفطية إلى موجة تضخم عالمي واضطرابات اقتصادية واسعة.

مضيق هرمز: العقدة التي يخشاها العالم

إن أي تهديد لحركة الملاحة في هذا المضيق يؤدي فورًا إلى رفع ما يسمى علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار النفط. ومع تصاعد الحرب، بدأت شركات الشحن والتأمين ترفع تكاليفها أو تعيد حساباتها بشأن المرور في المنطقة، وهو ما انعكس سريعًا على الأسعار.. ففي أسواق الطاقة لا ينتظر المستثمرون حدوث الأزمة فعليًا؛ مجرد احتمال تعطل الإمدادات يكفي لرفع الأسعار عالميًا.

الأسواق المالية تدخل مرحلة القلق

لم تتوقف آثار الأزمة عند النفط، بل امتدت بسرعة إلى الأسواق المالية العالمية.. ففي آسيا تراجع مؤشر نيكاي الياباني بنحو 3% في إحدى جلسات التداول مع تصاعد القلق من أزمة الطاقة، بينما هبط مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بأكثر من 7% في جلسة حادة عكست مخاوف المستثمرين من تباطؤ اقتصادي محتمل , كما شهدت الأسواق الأوروبية موجة بيع واسعة، حيث فقد مؤشر فاينانشال تايمز 100 في لندن نحو 2.6% من قيمته في يوم واحد مع ارتفاع أسعار الطاقة.
هذه التحركات تعكس ما يعرف في الأسواق المالية بظاهرة الهروب إلى الأمان، حيث يبيع المستثمرون الأسهم والأصول عالية المخاطر ويتجهون إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والسندات الحكومية.

الذهب يرتفع… وأسواق المعادن تتقلب

مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، ارتفع الطلب العالمي على الذهب باعتباره الملاذ التقليدي في أوقات الأزمات.. فالذهب عادة ما يرتفع عندما تهتز الأسواق المالية أو تتصاعد المخاطر السياسية، لأن المستثمرين يرونه وسيلة لحماية القيمة في أوقات عدم اليقين.
وفي الوقت نفسه شهدت بعض المعادن الصناعية تقلبات حادة نتيجة المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي، إذ إن أي ركود اقتصادي محتمل قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على المواد الخام المستخدمة في الصناعة.

أوروبا وآسيا في قلب العاصفة

الأثر الحقيقي لأزمة الطاقة يظهر بوضوح في الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز.
ففي آسيا تعتمد اقتصادات صناعية كبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند على النفط القادم من الخليج لتشغيل مصانعها واقتصاداتها.
أما في أوروبا، التي ما زالت تعاني من آثار أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، فإن ارتفاع أسعار النفط والغاز قد يضيف ضغوطًا جديدة على الحكومات والشركات والمستهلكين.
وقد شهدت أسعار الغاز في بريطانيا وأوروبا ارتفاعات ملحوظة مع تصاعد المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية.

التضخم العالمي: الخطر الأكبر

لكن الخطر الحقيقي الذي يخشاه الاقتصاديون لا يكمن فقط في أسعار النفط المرتفعة، بل في الأثر التضخمي الواسع لهذه الزيادة.. فالطاقة تدخل في تكلفة كل شيء تقريبًا، من النقل إلى الزراعة والصناعة. وعندما ترتفع أسعار النفط ترتفع معها تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وقد شهد العالم تجربة مشابهة خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، عندما ارتفعت أسعار النفط إلى نحو 147 دولارًا للبرميل قبل أن يدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود عميق.
ولهذا يخشى كثير من الاقتصاديين أن يؤدي استمرار الحرب الحالية إلى موجة تضخم جديدة قد تضرب الاقتصاد العالمي في وقت واحد.

ماذا لو تجاوز النفط 150 دولارًا؟

السؤال الذي يقلق الأسواق اليوم ليس ما حدث بالفعل، بل ما قد يحدث إذا استمرت الحرب.. فإذا تعطلت حركة الشحن في الخليج أو تعرضت منشآت طاقة رئيسية لهجمات، فقد ترتفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير من المستويات الحالية.. وفي هذه الحالة قد يواجه الاقتصاد العالمي مزيجًا خطيرًا من التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الضعيف، وهي الحالة التي يعرفها الاقتصاديون باسم الركود التضخمي.. هذا السيناريو سيكون تحديًا كبيرًا للبنوك المركزية والحكومات حول العالم، التي تحاول أصلًا السيطرة على التضخم منذ سنوات.
ما يحدث اليوم في أسواق النفط والغاز والمال ليس مجرد تقلب مؤقت في الأسعار، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي.. فالحرب التي بدأت كصراع عسكري إقليمي تحولت بسرعة إلى أزمة طاقة عالمية تهدد استقرار الأسواق والاقتصادات.
ولهذا فإن السؤال الذي يشغل الاقتصاديين اليوم لم يعد فقط من سينتصر في الحرب، بل سؤال أكبر بكثير: هل دخل الاقتصاد العالمي عصرًا جديدًا من صدمات الطاقة قد يعيد تشكيل موازين الاقتصاد الدولي؟؟

شارك المقال: