رواية علي محمد علي الراعي (4)
رفع رأسه، استمع، كان هناك صوت، لا هو ريح، ولا هو حيوان، خطوة… ثم أخرى، وقف، فتح الباب بحذر، الصحراء في الليل لا تُشبه نفسها في النهار، المسافات تتقلّص، والظلال تتمدد كأنها كائنات تتدرّب على المشي، نادَى:

حصريًا لموقع “آخر الكلام”
هو و القطيع
لو رآه أحد، لظنّه طفلًا يكلّم حيوانات، لكن الحقيقة كانت أفظع وأطرف في آنٍ واحد:
عبدون لم يسأل لماذا خاف، ولا لماذا رأى، ولا لماذا همس له الصوت، سأل سؤالًا واحدًا فقط، وأجاب عنه بنفسه: “أنا نجحت… ولا لسه؟”
وهنا… بدأت الكوميديا، ليس لأن ما يحدث مضحك، بل لأن القدر صار يُدار بمنطق طفل أُقنع أن الخوف
علامة اصطفاء.
الصحراء تبدل جلدها في اليوم الثاني
في اليوم التالي حين مالت الشمس، لم تكن قد غربت تمامًا، لكن الصحراء بدأت تُبدّل جلدها.
عاد عبدون بالأغنام متباطئًا، الخطوات أثقل من الصباح، والصمت أقل وداعة.
البيت الصغير بدا من بعيد كأنه فكرة نسيها أحدهم في الرمل، غرفة وصالة، باب خشبي يئنّ، ولا شيء حوله سوى الفراغ، وبئر لا يُرى قعرها.
أغلق الحظيرة، عدّ الرؤوس كما أُمر، ثم عدّها مرة أخرى دون سبب واضح.
ليل وحركة
حين أظلمت السماء، أشعل المصباح الصغير، الضوء لم يُضِئ المكان، بل كشف ضيقه، جلس على الأرض، أسند ظهره إلى الحائط.
وأكل لقيمات يابسة كان طعمها بلا ملامح، في الخارج تحرّكت الأغنام، ليس حركة هروب ولا فزع، بل شيء أقرب إلى همسٍ جماعي.
رفع رأسه، استمع، كان هناك صوت، لا هو ريح، ولا هو حيوان، خطوة… ثم أخرى، وقف، فتح الباب بحذر، الصحراء في الليل لا تُشبه نفسها في النهار، المسافات تتقلّص، والظلال تتمدد كأنها كائنات تتدرّب على المشي، نادَى:
– “هاااه…”
لم يجب أحد، عاد إلى الداخل، أغلق الباب، لكن النوم لم يأتِ، استلقى، وترك عينيه مفتوحتين، وفجأة،
مرّ ظلّ على الحائط، ليس طويلًا، ولا واضحًا، ظلّ فقط.
جلس عبدون فجأة، قلبه يخبط بلا نظام، تذكّر كلام أبي الفضل بيه، لكن الكلمات لم تحضر كاملة، حضرت نبرتها فقط، قال بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يسمع نفسه:
-“يا رب…”
سكت، ثم قال:
“احفظ ما عندي.” لم يقل: احفظني.
قالها هكذا، دون تفكير، في الخارج ثغت نعجة واحدة، ثغاءً قصيرًا، ثم صمت.
عاد الظل، أقرب هذه المرة، ثم اختفى، غطّى رأسه بالبطانية، لكنه لم يُغمض عينيه، في تلك الليلة، لم يأتِه شبحٌ واضح، ولا جنيٌّ صريح، ولا رؤيا، جاءه فقط إحساسٌ بأن الصحراء ترى أكثر مما تقول، وحين نام أخيرًا، نام وهو يشعر أن شيئًا ما كان يقف عند الباب ولا يطرق، ربما كان يحرسه.

اليوم الثالث
كانت الشمس في ذلك اليوم أقرب من اللازم، لم تكن فوق الرأس، بل داخله، تثاقلت خطوات الصبي، وتكسّر الضوء على جلده، كأنه يُفتّش عن مدخل مع الغروب، بدأ الليل مبكرًا على غير عادته، ليلٌ مائل، ينحني على البيت الصغير ويضغطه، جلس عبدون عند العتبة، رأسه بين كفّيه، وخرقة مبللة موضوعة فوق جبينه، الماء دافئ، لكن لا بديل، كان يهذي، أو يتكلم، الفارق لم يعد واضحًا، قال:
– الجنة… ليست بعيدة كما تظن.
ثم صمت، تحرّك الهواء، لا نسمة، بل انتقال، ظهر عبدون الآخر قرب الجدار، كما لو كان خارجًا من الظل لا من المكان، نظر إليه الصبي، بلا فزع، كأنه يعرفه من قبل، سأله بصوت متعب:
– كيف حال الجنة؟ صفها لي.
ابتسم عبدون الشبح، ابتسامة ناقصة، قال:
– كيف أصفها ولم أبلغها بعد؟
قال الصبي:
– لكن السيد قال إنك من أهلها.
هزّ الشبح رأسه ببطء:
– نعم… قلت له ذلك يومًا، لكن بيني وبينها مسيرة سبعين ألف عام، سكت الصبي لحظة، ثم قال:
– وكيف عرفت أنك ذاهب إليها؟
اقترب الشبح قليلًا، كأنه يستنشق شيئًا لا يُرى:
– من الرائحة.
– صفها لي.
رفع رأسه، وتكلم وكأنه يتتبع أثرًا:
– روائح طيبة، فواكه نعرف أسماءها وأخرى لا نعرفها، ونساء حسنوات نقابلهم في الطريق.
قطّب الصبي حاجبيه:
– لكن السيد قال إن النساء كلهن في النار، وأنهن شرّ كالشياطين.
سكت الشبح، ثم قال بهدوء:
– ربما هو محق… لكن نساء السماء غير نساء الأرض.
البئر
اختفى الصوت كما لو أُطفئ، بقي الليل، مع الفجر، نهض الصبي بصعوبة، تأرجح، ثم اتجه نحو البئر، كان الدلو مبللًا، والحوض ممتلئًا، الماء بارد، شرب، لم يسأل، استلقى بجوار البئر، وترك رأسه على الحجر، ثم نام.
وكان البئر للمرة الأولى سخيًّا.
لم يكن الحر قد انكسر بعد، الشمس واقفة فوق الرأس كأنها عين لا ترمش، والهواء ساكن إلا من أنفاس القطيع، عبدون ـ الصبي ـ كان جالسًا عند حافة العريشة، يراقب بلا ملل، بلا فكرة واضحة.
كبش ونعجة
رأى الكبش يقترب من النعجة، ليس اقترابًا غريبًا، ولا طارئًا، ولا خفيًا، اقتراب يعرفه المكان كما يعرف العطش، وكما تعرف البئر صوت الدلو.
تجمّد الصبي، شيء ما تحرّك في صدره، لا هو خوف ولا دهشة، بل أمرٌ يجب إيقافه، تذكّر صوت السيد، لا ككلمات، بل كنبرة: التحذير قبل الفعل، الغضب قبل الذنب.
نهض فجأة، أمسك عصاه، وضرب الأرض بين الحيوانين، تراجعت النعجة خطوة، توقّف الكبش، نظر إليه، ثم خفض رأسه قليلًا، قال الصبي بصوت لم يتعوّد عليه:
– لا.
لم يفهم الحيوان، لكنه أحسّ بشيء في الهواء ليس من طبيعته.
كمن يطارد الخطيئة
اقترب عبدون أكثر، راح يلوّح بالعصا كمن يطرد خطيئة لا ذبابة، وقال، وهو يلهث:
– حرام.
قالها بثقة لم يعرف من أين جاءت، كأن الكلمة وُلدت قبله، وكان عليه فقط أن ينطقها، عاد الكبش أدراجه، وقفت النعجة ساكنة، تنتظر.
شعر الصبي بانتصارٍ بارد، ليس فرحًا… بل راحة من أداء واجب، جلس بعدها، وظلّ يراقب القطيع طويلًا، وكلما تحرّك جسدٌ على غير ما لقّنه السيد، شدّ العصا في يده أكثر.
في المساء، حين نبح الكلب على القمر، وحين حاولت الماعز أن تخرج من الزريبة، همس الصبي لنفسه، لا لأحد:
– الدنيا دي محتاجة حراسة وتنظيم أكثر من كده.
ولم يعرف إن كان يَحرس أم يُحرس .






