إبداع

رواية على محمد علي الراعي (3)

الصحراء كانت هادئة على نحو مريب، كأنها بريئة من كل ما حدث ليلًا، كأن الأشباح نامت قبل الفجر، أو ربما لم تكن موجودة أصلًا، نظر حوله، الإبل واقفة، الغنم تأكل، المكان… طبيعي.

مشاركة:
حجم الخط:

هو و الأشباح

هبط الليل كما لو أنه أُسدل عمدًا، لا غروب متدرّج، لا ألوان توديع، فقط انطفاء فجائي، كأن أحدهم أطفأ المصباح الكبير فوق الصحراء.
وقف عبدون في مكانه طويلًا بعد أن اختفى صوت السيارة، ينتظر شيئًا لا يعرفه، ربما عودة، ربما صوتًا يقول أن كل هذا تجربة قصيرة وستنتهي، ربما خطأ، لكن الصحراء لا تعتذرز

البيت الصغير خلفه كان أشبه بفكرة أكثر منه مأوى، غرفة وصالة، جدران رقيقة، باب لا يُغلق جيدًا، وسقف لا يمنع السماء من التحديق.
دخل بحذر، خطوة ثم توقف، خطوة أخرى ثم توقف أطول.

ران صمت عميق 

كان للصمت وزن كأنه شيء يمكن أن يقع على الرأس، ثم ترك كل شيء وخرج مسرعًا الفزعة، ثم عاد، ثم هرول، ثم عاد ليفرش البطانية السميكة على الأرض، جلس فوقها، ثم تمدّد دون أن ينام، الجسد كان متعبًا، لكن العقل… كان يقف على أطراف أصابعه.

أصوات في الخارج 

من الخارج، بدأت الأصوات، لم تكن ثغاءً عاديًا، كانت متقطّعة، غير منتظمة، تأتي من جهات مختلفة، ثم تصمت فجأة، كأن أحدهم يعطي إشارة.
تذكّر كلام “أبو الفضل بيه”: “هم يعرفون كل شيء.”
فتح عينيه في الظلام، وفجأة.. صوت، ليس من الغنم، ليس من الريح، خطوات… خفيفة، مجرورة، كأن قدمًا لا تريد أن تُرى.

خيال متحرك 
جلس عبدون منتصبًا، القلب دقّ بعنف، دقّات سريعة كأنها تحاول الهرب وحدها:

– من هناك؟
خرج صوته مكسورًا.
لا إجابة.
لكن الخطوات اقتربت، رأى ظلًا يمرّ أمام فتحة الباب، ظلًا طويلًا، أطول من أي إنسان يعرفه، يتمايل ببطء، ثم اختفى.
قفز واقفًا، لم يفكّر، جسده سبق عقله، فتح الباب، نظر إلى الطريق، فكر للحظة، الليل كان ممتلئًا، ليس فارغًا كما تخيّله، ممتلئًا بحركة لا تُرى، وبهواء بارد كأنه أنفاس، رأى شيئًا يتحرك بين الإبل، شيئًا أبيض، ثم شيئًا أسود، ثم لا شيء.
صرخة حادة خرجت من العريشة، ليست ثغاء، أقرب إلى عواء مكتوم، تراجع عبدون خطوتين:
– يا رب…
قالها دون أن يعرف ماذا يريد من الرب تحديدًا.

ملابس عبدون الأول 

تذكّر فجأة الملابس المعلّقة، ملابس عبدون الأول، اقترب منها، لمس القماش، كان دافئًا، دافئًا على غير العادة، كأن أحدهم ارتداه قريبًا.
في تلك اللحظة، سمع صوته، ليس صوتًا كاملًا، بل همسًا، كأن الكلمات لا تريد أن تكتمل:
– لا تترك المكان… النجاة هنا وليست في الهروب.
تجمّد:
– من؟
قالها وهو يكاد يبكي، الهمس عاد، من جهة أخرى:
– لو خرجت… تضيع.
ركض، لم يعرف لماذا يركض ولا إلى أين، ركض نحو العريشة، والأغنام تحرّكت فجأة، تحرّكت كلها دفعة واحدة، كأنها موجة بيضاء وسوداء، أحاطت به، شعر بأجسادها تحتكّ به، أنفاسها الساخنة، صوتها العالي، صرختها الجماعية.
سقط على ركبتيه، غطّى رأسه بذراعيه، وفي وسط الضجيج… حدث شيء غريب.

صمت من جديد 

هدأت الأصوات… تمامًا.

رفع رأسه ببطء… كان محاطًا بها، لكنها واقفة، تنظر إليه، لا تقترب ولا تبتعد، وفجأة، بدأت تتحرّك في اتجاه واحد، اتبعها دون أن يفكّر.

قادته… إلى باب البيت، وقف هناك، والغنم توقّفت، كأنها تقول: إلى هنا.
دخل، أغلق الباب خلفه.

جلس على الأرض، ظهره للحائط، ركبته إلى صدره، ظلّ هكذا حتى الفجر، لم يره أحد، لكن عبدون رآه.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد متأكدًا هل الأشباح كانت في الصحراء… أم بدأت تسكنه هو.

الصباح

طلع الصبح متأخرًا.
كأنه محتاج يفكّر قليلًا قبل أن يظهر، عبدون لم يكن نائمًا حين أضاءت السماء فجأة، كان فقط مغمض العينين، يتدرّب على الحياة الجديدة.

فتح الباب بحذر، نفس الحذر الذي يُفتح به القبر حين يُشكّ في صاحبه.

الصحراء كانت هادئة على نحو مريب، كأنها بريئة من كل ما حدث ليلًا، كأن الأشباح نامت قبل الفجر، أو ربما لم تكن موجودة أصلًا، نظر حوله، الإبل واقفة، الغنم تأكل، المكان… طبيعي.

هنا بدأ عقل عبدون يشتغل، لا ليسأل، بل ليفسّر، قال لنفسه، وهو يحدّق في الأرض:
“يمكن اللي حصل ده اختبار” ابتسم، ابتسامة صغيرة، أقرب للفخر منها للاطمئنان: “آه… اختبار.”

تذكّر الظلال، الهمسات، الحركة الغريبة، ثم تذكّر كلام أبو الفضل بيه: “الأرواح تعرف كل شيء”.
هزّ رأسه موافقًا:
– أيوه… أكيد هما اللي عملوا كده.
قالها بصوت مسموع، كأنه يشكرهم.
تقدّم نحو العريشة، نظر إلى الغنم نظرة مختلفة، لم تعد مجرد حيوانات، صار لكل واحدة منهم احتمال، واحدة قد تكون حارسة، أخرى مُرشدة، وثالثة… ربما شاهدت ما لا يجب أن يُرى، ضحك فجأة، ضحكة قصيرة، خرجت منه من غير إذن:

– يعني أنا طول الليل خايف… وإنتوا اللي بتلعبوا؟
رفعت واحدة رأسها، مضغت، ثم عادت للأكل.
فسّر عبدون ذلك فورًا:
“علامة رضا.”
اتجه إلى البئر، نضحها كما قيل له، تعب قليلًا، الماء خرج بصعوبة، قطرة… قطرة… كأنه يُكافئ الطاعة، قال وهو يلهث:
– حتى المية بتختبرني.

عبدون الأول 
ضحك مرة أخرى، ثم تذكّر الملابس المعلّقة، اقترب منها، لمسها بحذر:
“أكيد عبدون الأول مرّ بنفس اللي مرّيت بيه.”
توقّف لحظة، ثم أضاف في داخله: “وأكيد نجح.”
رفع رأسه إلى السماء:
– أنا مش أقلّ منه.
شعر براحة غريبة، راحة من وجد تفسيرًا، لا يريحه، لكنه يُنقذه من الجنون.
الطريق؟ … لا، لم يفكّر فيه طويلًا، فكّر بدلًا من ذلك في فكرة أذكى: “لو كنت هأموت هناك… ما كانش ربنا بعث لي إشارات هنا”، ابتسم مرة ثالثة، ضحكة أوسع:
– أكيد أنا محمي.
ثم نظر إلى الغنم مرة أخرى، وقال بجدّية طفل يسلّم بأمرٍ كبير:
– من النهارده… إحنا فريق.

شارك المقال: