مقال بوك
قطب العربي
قطب العربي

كاتب صحفي

دول الخليج تدفع فاتورة حرب لم تخترها

الضربات الإيرانية للعواصم والمدن الخليجية لم تكن مفاجئة، وإن كانت صادمة، فقد هددت إيران علنا قبل اندلاع الحرب أنها سترد على أي عدوان أمريكي إسرائيلي بضرب القواعد والأهداف والمصالح الأمريكية في دول الخليج

مشاركة:
حجم الخط:

بعيدا عن الأطراف المباشرة للحرب (الولايات المتحدة- إيران- إسرائيل) تبدو دول الخليج هي الخاسر الأكبر من هذه الحرب الآن ومستقبلا، الضربات الإيرانية طالت جميع الدول الخليجية، لم تستثن حتى أصدقاء طهران مثل قطر وسلطنة عمان اللتين قامتا بالعديد من أدوار الوساطة لصالح إيران نفسها حتى أن طهران طلبت في مفاوضاتها الأخيرة مع واشنطن (قبيل الحرب) نقل تلك المفاوضات من تركيا إلى سلطنة عمان.

إيران أعلنت أنها ستضرب القواعد 

الضربات الإيرانية للعواصم والمدن الخليجية لم تكن مفاجئة، وإن كانت صادمة، فقد هددت إيران علنا قبل اندلاع الحرب أنها سترد على أي عدوان أمريكي إسرائيلي بضرب القواعد والأهداف والمصالح الأمريكية في دول الخليج، مع تأكيدات بأنها لا تستهدف سيادة تلك الدول، ولا الإضرار بالعلاقات الطبيعية معها!، وقد تواصلت هذه الضربات والتهديدات رغم اعتذار الرئيس الإيراني بزشكيان لدول الخليج، وإعلانه وقف الهجمات ضدها بقرار من مجلس القيادة المؤقت.
حولت الصواريخ والمسيرات الإيرانية العواصم الخليجية إلى مدن رعب دفعت العديد من المقيمين الأجانب للهرب منها، ومع إغلاق أو تعليق حركة الطيران جزئيا أو كليا في معظم المطارات الخليجية أصبحت المنافذ البرية التي تربط تلك الدول بالسعودية بديلا جديدا للسفر عبر المطارات السعودية الأكثر أمانا حتى الآن.

خسائر الحرب على دول الخليج
ظلت دول الخليج وعبر عقود الطفرة النفطية واحة أمان لأهلها والعاملين الأجانب فيها، وتحولت إلى وجهات سياحية جاذبة رغم صيفها الحار، كما أصبحت مراكز إقليمية للتجارة الدولية كمحطات وسيطة (إعادة التصدير)، ونجحت في جذب مكاتب إقليمية لكبريات الشركات الصناعية والتجارية العالمية خاصة شركات التكنولوجيا، ونجحت إحداها في استضافة مونديال كرة القدم (قطر) فيما تسعى دول خليجية أخرى لاستضافة نسخ تالية من المونديال، وهو ما لم يحدث في منطقة الشرق الأوسط من قبل.

لا يمكن حصر خسائر دول الخليج من هذه الحرب التي لا تزال في أيامها الأولى، لكن من المؤكد أنها ستكون ضخمة، وبخلاف الأهداف التي تضررت سواء كانت عسكرية مثل القواعد والمطارات العسكرية، أو مدنية مثل المطارات المدنية والفنادق والمنشآت السياحية والشركات التكنولوجية (مراكز التخزين السحابي)، وشركات النفط والغاز، والتي ستحتاج إلى مليارات الدولارات لإصلاحها، فإن الأهم من ذلك هو فقدان السمعة السياحية والتجارية التي بنتها دول الخليج عبر عقود، واستثمرت فيها مليارات الدولارات من عوائدها النفطية، لم يعد من السهل استعادة هذه السمعة الجيدة بعد تعرض المراكز السياحية والتجارية للضربات المباشرة، وقد بدأت بعض الشركات العالمية بنقل أنشطتها أو جزء منها من الدول الخليجية إلى دول أخرى أكثر أمانا، وأقل كلفة.

تضرر رغم أرتفاع أسعار الطاقة 
رغم الارتفاع الكبير لأسعار النفط والغاز (المنتجين الرئيسيين لدول الخليج) في الأسواق العالمية، إلا أنها لن تستفيد كثيرا من هذه الارتفاعات حيث أوقفت بعضها الانتاج بالفعل بعد الضربات التي استهدف بعض منشآتها، أو توقف الجزء الأكبر من صادراتها النفطية بسبب إغلاق مضيق هرمز، وستزداد الخسائر حال تمكنت جماعة الحوثييين المؤيدة لإيران من إغلاق مضيق باب المندب أيضا.
تبرر إيران ضرباتها لدول الخليج بأنها نوع من الدفاع عن النفس، رغم أن هذه الدول أعلنت مسبقا أنها ليست طرفا في الحرب، ولن تشارك فيها، ورغم أنه لم يثبت استخدام القواعد الأمريكية فيها لضرب إيران، كما تستهدف إيران من هذه الضربات تكبيد الأسواق العالمية خسائر كبيرة، وبالتالي دفع تلك الأسواق، ودول الخليج نفسها للضغط على واشنطن لوقف الحرب.

التحذير من فخ الإنجرار للحرب

حتى الآن لم تصرخ الأسواق العالمية كما توقعت طهران، لكن أصواتا خليجية ارتفعت بالفعل ضد الحرب، أو التورط فيها بعد هذه الضربات، نشير هنا إلى تصريحات وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم بن جبر الذي حذر دول الخليج من السقوط في الفخ، والانغماس في الحرب ردا على الاعتداءات الإيرانية، موضحا أن الأمريكان سيوقفون الحرب في اللحظة ذاتها التي تدخلها الدول الخليجية، وستكتفي واشنطن بالدعم الخلفي عبر مبيعات السلاح وهي اللعبة المفضلة لها، كما ندد رجل الأعمال الإماراتي المعروف خلف الحبتور بالحرب التي وضعت دول الخليج في قلب خطر لم تختره، وهي التي مولت بعشرات مليارات الدولارات مبادرة السلام والاستقرار Board Of Peace‬، موجها تساؤلات للرئيس ترامب عمن منحه حق الزجّ بمنطقة الخليج في الحرب‬؟ وهل قدر الأضرار الجانبية قبل أن يضغط على الزناد؟ وهل فكّر أن أول من سيتضرر من هذا التصعيد هي دول المنطقة!، وهل كان قرار الحرب بإرادة أمريكية خالصة ام أنه نتيجة ضغوط نتنياهو؟!.
أشارت بعض الأنباء من قبل أن دولا خليجية حرضت واشنطن على ضرب إيران، وإسقاط حكمها حتى تتخلص من هذا الخطر المحيط بها، لكنها على الأرجح كانت تقصد ضربة خاطفة تحقق الهدف سريعا، ولا تستمر لمدة طويلة، أما وقد ظهر أن الضربة الخاطفة لم تحقق الهدف في إسقاط النظام، وأن الحرب أمامها المزيد من الوقت فإن الدول الخليجية قد تجد نفسها مضطرة إلى الضغط فعلا على واشتطن لوقف الحرب تجنبا للمزيد من الخسائر.

منعطف جديد للعلاقة مع إيران

بهذه الحرب، وما فيها من ضربات إيرانية لدول الخليج دخلت علاقة تلك الدول بإيران منعطفا جديدا، ظلت العلاقات من قبل في حالة مد وجذر، تتحسن أحيانا وتسوء أحيانا، كانت سيئة في عهد الشاه، ثم ازدادت سوءا عقب الثورة الإيرانية التي رفعت شعار تصدير الثورة، وكانت دول الخليج أقرب المحطات لذلك خاصة مع وجود اقليات شيعية داخلها، وحين وقعت حرب الخليج الاولى (1980-1988) بين العراق وإيران، انحازت دول الخليج للعراق، ولكن حرب الخليج الثانية (عقب احتلال العراق للكويت مطلع التسعينات) وضعت دول الخليج مع إيران في مواجهة العراق، وهو ما قرب المسافة بينها وبين إيران، وتعزز ذلك مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وعقب زوال الخطر العراقي على دول الخليج عاد مجددا الخطر الإيراني، ومع ذلك ظلت الإمارات الشريك التجاري الأكبر لإيران، ومنفذها التجاري الأبرز إلى العالم، خاصة في التحويلات المالية (غير القانونية) وتصدير نفطها في ظل الحظر عليه، كما ان السعودية أعادت تطبيع علاقتها مع إيران بوساطة صينية في العام 2023.
دفع التوجس من إيران دول الخليج لاستضافة قواعد عسكرية أمريكية على أرضها لحمايتها، لكن هذه القواعد لم تقم بواجبها المدفوع مسبقا، بل تحولت إلى عبء ومبرر للضربات الإيرانية، وهذا سيدفع دول الخليج لتنويع مصادر حمايتها خلال المرحلة المقبلة، أما علاقتها مع إيران والتي ظلت متقلبة فإنها ستتجه إلى المزيد من فقدان الثقة، وسينعكس ذلك على تخفيض مستوى العلاقات والشراكات التجارية والسياسية، وسيكون على إيران بذل مزيد من الجهد لاستعادة ثقة هذه الدول الخليجية، وهو أمر بالغ الصعوبة.

شارك المقال: