مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

د. محمد فؤاد يكتب: همجية جنكيز خان ورعونة ترامب

جنكيز خان لم يكن استثناءً في التاريخ، بل كان التعبير الأكثر صفاءً عن غريزة التوسع عبر التدمير، وترامب، رغم كل ما أحاط نفسه به من لغة سياسية حديثة، لم يبتعد كثيرًا عن هذا المنطق، بل أعاد صياغته بطريقة أقل دموية في الشكل، وأكثر تعقيدًا في الأثر، خاصة في تعامله مع إيران.

مشاركة:
حجم الخط:

ليس من السهل على قارئ معاصر أن يقبل مقارنة بين قائد مغولي من القرن الثالث عشر ورئيس أميركي في القرن الحادي والعشرين، لأن الفارق في الشكل الحضاري يبدو هائلًا.

لكن المشكلة تبدأ حين ننزع هذا الغلاف الحضاري، وننظر إلى الجوهر العاري لفكرة القوة، عندها فقط يظهر التشابه المزعج: ليس في الوسائل، بل في المنطق الذي يحكمها.

جنكيز خان لم يكن استثناءً في التاريخ، بل كان التعبير الأكثر صفاءً عن غريزة التوسع عبر التدمير، وترامب، رغم كل ما أحاط نفسه به من لغة سياسية حديثة، لم يبتعد كثيرًا عن هذا المنطق، بل أعاد صياغته بطريقة أقل دموية في الشكل، وأكثر تعقيدًا في الأثر، خاصة في تعامله مع إيران.

حيث تحولت العقوبات إلى أداة حصار شامل، لا تقل قسوة في نتائجها عن اجتياح عسكري تقليدي، وإن اختلفت الصور والوسائط.

أولًا: جنكيز خان… التدمير كعقيدة ردع

لم يكن جنكيز خان مجرد فاتح متوحش كما تُصوّره الاختزالات الشائعة، بل كان صاحب رؤية قاسية ومتماسكة: التدمير المفرط ليس انفعالًا، بل أداة سياسية مدروسة تهدف إلى تقليل المقاومة المستقبلية، ولذلك كانت مدن مثل بخارى وسمرقند وبغداد تُدمَّر ليس فقط لإخضاعها، بل لإرسال رسالة إلى ما بعدها، مفادها أن كلفة الرفض ستكون إبادة شبه كاملة.

تشير تقديرات تاريخية إلى أن الغزو المغولي أدى إلى مقتل عشرات الملايين، وانهيار مراكز حضارية كبرى، وتراجع طويل في البنى الاقتصادية والعلمية، وهو ما يجعل “الهمجية” هنا ليست سلوكًا عشوائيًا، بل استراتيجية قائمة على تعميم الرعب كوسيلة حكم.
هذا النموذج لا يستحق أي تمجيد، لأنه لم ينتج نظامًا مستقرًا بقدر ما أنتج فراغًا حضاريًا واسعًا، حيث كانت السيطرة تُبنى على الخوف، لا على الشرعية، وعلى الخراب، لا على البناء.

ثانيًا: ترامب… همجية حديثة ببدلة رسمية

لم يكن ترامب رجل دولة بقدر ما كان مقامرًا على طاولة العالم، يخلط الاقتصاد بالاستعراض، والقرارات المصيرية بنزوات شخصية، دون اكتراث حقيقي بكلفة الفوضى التي يطلقها.

بدأها بحروب تعريفات جمركية عبثية، لم تفرّق بين خصم وحليف، ففتح النار اقتصاديًا على الصين، ثم التفت ليبتز أوروبا.

ويضغط على كندا، جارته الأقرب، ملوّحًا بتهديدات بدت أحيانًا أقرب إلى سلوك زعيم عصابة منها إلى رئيس دولة عظمى.
في فنزويلا، لم يتردد في التعامل مع القيادة السياسية بمنطق “الخطف السياسي”، عبر دعم محاولات إطاحة مباشرة، والتلويح باستخدام القوة.

كأن سيادة الدول مجرد تفصيل يمكن تجاوزه إذا تعارض مع رغباته، بينما تحولت لقاءاته مع زعماء العالم إلى عروض مهينة، يسخر من هذا، ويضغط على ذاك، ويبتز الجميع تحت شعار “أميركا أولًا”، الذي كان في جوهره “القوة أولًا… والبقية لاحقًا”.

سقط أخر قناع أمريكي في غزة 

أما في غزة، فقد سقط آخر قناع، حيث انحاز بشكل فجّ لإسرائيل، ليس فقط سياسيًا، بل أخلاقيًا أيضًا.

متجاهلًا حجم الدمار والضحايا، ومتعاملًا مع المأساة الإنسانية كرقم هامشي في معادلة القوة، ليؤكد أن منطقه لا يرى الشعوب، بل يرى فقط موازين السيطرة.
وفي إيران، بلغ هذا النهج ذروته، عندما انسحب من الاتفاق النووي في 2018 وأطلق ما سُمّي بـ“الضغط الأقصى”

وهي تسمية مخففة لحصار اقتصادي شامل، استهدف شلّ اقتصاد دولة كاملة: خفض صادرات النفط إلى مستويات خانقة، عزل مالي شبه كامل، انهيار في العملة، تضخم يلتهم حياة الناس يومًا بعد يوم.

لم تكن هذه سياسة ضغط تقليدية، بل عملية خنق بطيء لمجتمع بأكمله، حيث تتحول الحياة اليومية نفسها إلى عبء، والاقتصاد إلى ساحة حرب مفتوحة.
هنا تحديدًا، لا تعود المقارنة مع جنكيز خان مبالغة، بل تصبح ضرورية لفهم الجوهر: نفس الفكرة، لكن بأدوات مختلفة.

جنكيز خان كان يحرق المدن ليكسر إرادة خصومه، وترامب حاصر الاقتصادات ليحقق الهدف نفسه. الأول كان مباشرًا ووحشيًا، والثاني أكثر برودًا… لكنه لا يقل قسوة.
الفرق الوحيد أن العالم القديم كان يرى الدم، أما العالم الحديث فيرى الأرقام… لكن النتيجة واحدة: تدمير يُدار بوعي، ويُقدَّم كسياسة.

ثالثًا: التشابه المقلق… حين يصبح المجتمع ساحة المعركة

الفارق بين الرجلين ليس في الهدف النهائي، بل في الطريقة، فجنكيز خان كان ينقل المعركة إلى أسوار المدن، بينما نقلها ترامب إلى داخل الأسواق والبنوك وحياة الناس اليومية، لكن النتيجة في الحالتين تتقاطع عند نقطة واحدة: المجتمع نفسه يصبح ساحة المعركة.
في النموذج المغولي، كان السكان يواجهون القتل المباشر أو التهجير أو الانهيار الكامل للبنية الحضرية، بينما في النموذج الحديث، يواجهون تآكلًا تدريجيًا في القدرة على العيش، عبر التضخم، والبطالة، ونقص الموارد، وهي عملية أقل صخبًا، لكنها أكثر استدامة، وربما أكثر تعقيدًا في آثارها النفسية والاجتماعية.

رابعًا: الفرق الأخلاقي… الوضوح مقابل التجميل

أحد أكثر أوجه السخرية قتامة في هذه المقارنة أن جنكيز خان لم يحتج إلى تبرير أخلاقي معقد، لم يتحدث عن حماية العالم أو منع التهديدات، بل مارس العنف بوصفه وسيلة مباشرة للسيطرة، بينما جاء خطاب ترامب محمّلًا بمفردات الأمن الدولي ومنع الانتشار النووي، في حين أن الأثر الفعلي لسياساته تجاوز الإطار السياسي ليطال المجتمع ككل.
هذا لا يجعل النموذج المغولي أقل بشاعة، بل يكشف أن النموذج الحديث أكثر قدرة على إخفاء بشاعته خلف لغة قانونية ودبلوماسية، وهو ما يمنحه مساحة أوسع للاستمرار دون مساءلة أخلاقية حقيقية.

التاريخ لا يعيد نفسه… بل يُحدّث أدواته

المشكلة ليست في تشبيه ترامب بجنكيز خان، بل في إدراك أن الفكرة التي حكمت كليهما لم تختفِ، بل أعادت تشكيل نفسها بما يتناسب مع العصر، فبدلًا من الجيوش، هناك أنظمة مالية، وبدلًا من الحصار العسكري، هناك عزل اقتصادي، وبدلًا من تدمير المدن دفعة واحدة، هناك إنهاك طويل يجعل الحياة نفسها عبئًا يوميًا.

شارك المقال: