مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

د. محمد فؤاد يكتب: كيف نصنع طبقة فقراء المعاشات؟

يشعر كثير من أصحاب المعاشات بأن الزيادات التي يحصلون عليها لا تمثل تحسناً حقيقياً، بل مجرد محاولة لتعويض جزء من الخسارة التي أحدثها التضخم.

مشاركة:
حجم الخط:

11 مليون مواطن خرجوا من الوظيفة إلى معركة البقاء

هناك لحظة فارقة في حياة ملايين المصريين لا تبدأ عند المرض أو فقدان العمل، بل تبدأ يوم يغلق الموظف ملف خدمته الحكومية للمرة الأخيرة ويتسلم معاشه.

ففي اللحظة التي يفترض أن تتحول فيها سنوات العمل الطويلة إلى أمان وراحة، يكتشف قطاع واسع من المتقاعدين أن نهاية الخدمة لم تكن نهاية التعب، بل بداية معركة جديدة من أجل البقاء.
أزمة أصحاب المعاشات في مصر لم تعد مجرد مشكلة مالية تخص فئة عمرية محددة، بل أصبحت أزمة اجتماعية تمس أكثر من 11 مليون صاحب معاش ومستحق.

هؤلاء يمثلون كتلة بشرية ضخمة أفنت عقوداً في مؤسسات الدولة ثم وجدت نفسها أمام دخول ثابتة تتراجع قيمتها يوماً بعد يوم تحت ضغط التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة.

المفارقة الأكثر قسوة أن كثيراً من هؤلاء لم يكونوا فقراء أثناء العمل، فقد كانوا جزءاً من الطبقة الوسطى المصرية.

يمتلكون دخلاً مستقراً ومكانة وظيفية، لكنهم بعد التقاعد انتقلوا تدريجياً إلى شرائح اقتصادية أكثر هشاشة.

وكأن النظام لا يعاقبهم على قلة العمل، بل على انتهاء قدرتهم على الإنتاج.

الفخ الذي أُعد للموظف قبل خروجه بعقود

الجريمة الاقتصادية الكبرى في ملف المعاشات لم تبدأ عند لحظة الصرف، بل بدأت منذ طريقة بناء الأجور نفسها.

فعلى مدار عقود، اعتمد الجهاز الإداري للدولة على تركيبة راتبية تفصل بين ما يحصل عليه الموظف فعلياً وما يتم التأمين عليه.

كان الموظف يتقاضى راتباً يتكون من أجر أساسي محدود، يضاف إليه عدد كبير من الحوافز والمكافآت والبدلات، بينما ظل الجزء الأكبر من دخله الحقيقي خارج الحساب التأميني أو بعيداً عن التأثير الكامل في قيمة معاشه.

والنتيجة كانت واضحة:

موظف يعيش أربعين عاماً على دخل معين، ثم يخرج بمعاش محسوب على جزء صغير من هذا الدخل.
هذه الفجوة خلقت ما يمكن تسميته بـ«فقراء الأجر التأميني»؛ مواطنون لم يكونوا فقراء أثناء الخدمة، لكن النظام التأميني أعاد تصنيفهم اقتصادياً بعد التقاعد.

ورغم أن قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 حاول إعادة تنظيم العلاقة بين الاشتراكات والمعاشات ورفع الحدود التأمينية تدريجياً.

فإن ملايين المتقاعدين الحاليين ما زالوا يحملون آثار النظام القديم الذي أنتج فجوة ضخمة بين الدخل الحقيقي والدخل التأميني.

التضخم يلتهم المعاشات: الزيادة على الورق والانخفاض في الواقع

خلال السنوات الأخيرة شهدت مصر موجات متتالية من التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه، وهو ما جعل أصحاب الدخول الثابتة الأكثر تعرضاً للخسارة، وعلى رأسهم أصحاب المعاشات.
فالمشكلة لم تعد فقط في قيمة المعاش، بل في العلاقة بين هذه القيمة والأسعار.

فحتى عندما ترتفع المعاشات سنوياً، فإن السؤال الحقيقي ليس:

كم زاد الرقم؟ بل: ماذا يستطيع هذا الرقم أن يشتري؟

لقد ارتفعت أسعار الغذاء والدواء والطاقة والخدمات بمعدلات كبيرة خلال السنوات الماضية، وأصبح المتقاعد الذي يعتمد على معاش ثابت يواجه معادلة شديدة القسوة:
دخل لا يتحرك بسرعة، وأسعار لا تتوقف عن الصعود.

ولهذا يشعر كثير من أصحاب المعاشات بأن الزيادات التي يحصلون عليها لا تمثل تحسناً حقيقياً، بل مجرد محاولة لتعويض جزء من الخسارة التي أحدثها التضخم.

جمهورية المعاشات بدرجات وطبقات

ربما تكون أكثر نقاط الأزمة حساسية هي التفاوت بين أصحاب المعاشات أنفسهم.

ففي الوقت الذي يعتمد فيه قطاع واسع من موظفي الوزارات والمصالح الحكومية والمحليات على المعاش التأميني التقليدي فقط، توجد قطاعات أخرى تمتلك موارد إضافية من خلال صناديق خاصة أو أنظمة مكافآت أو مزايا تكميلية توفر حماية مالية أكبر بعد التقاعد.

المشكلة ليست في حصول أي قطاع على حقوق أفضل، بل في تحول الدولة إلى جزر مالية منفصلة، حيث تصبح الجهة التي عمل فيها المواطن عاملاً حاسماً في مستوى حياته بعد انتهاء الخدمة.

موظف أمضى أربعين عاماً في مصلحة حكومية خدمية، وآخر أمضى المدة نفسها في مؤسسة ذات موارد مستقلة، كلاهما خدم الدولة، لكن الفارق بعد التقاعد قد يكون واسعاً للغاية.

وهنا تظهر أزمة العدالة:

لماذا تتحول سنوات الخدمة نفسها إلى نتائج مختلفة جذرياً فقط بسبب اختلاف مكان العمل؟
إن استمرار هذا التفاوت يصنع طبقية جديدة لا تقوم على الثروة أثناء العمل فقط، بل تمتد حتى مرحلة الشيخوخة.

أموال التأمينات: مدخرات المواطنين أم مورد في معادلة الدولة المالية؟

ملف المعاشات لا يمكن فهمه بعيداً عن السؤال الأكبر: ماذا حدث لأموال التأمينات عبر العقود؟

فاشتراكات التأمينات ليست منحة حكومية، بل أموال يدفعها العاملون وأصحاب الأعمال بهدف تأمين مستقبلهم بعد انتهاء قدرتهم على العمل.

ولذلك فإن طريقة إدارة هذه الأموال تمثل جوهر الثقة بين المواطن والدولة.

عندما يشعر الموظف أن الأموال التي اقتطعت من دخله طوال حياته لم تتحول إلى حماية كافية في سن الشيخوخة، فإن الأزمة تصبح أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة مالية.

فالتأمين الاجتماعي في جوهره ليس مجرد حسابات مالية، بل عقد اجتماعي:

المواطن يقدم سنوات عمره، والدولة تضمن له حياة كريمة عندما يتوقف عن العمل.

المرض بعد المعاش ذل.

الفقر بعد التقاعد لا يظهر فقط في قيمة المعاش، بل يظهر بصورة أكثر قسوة عندما يطرق المرض الباب.

فالمرحلة العمرية بعد الستين غالباً ترتفع فيها تكاليف العلاج بسبب الأمراض المزمنة والاحتياجات الصحية المستمرة، بينما يجد كثير من أصحاب المعاشات أنفسهم أمام منظومة علاجية تعاني من الإجراءات الطويلة وارتفاع تكلفة بعض الأدوية والخدمات.

وهنا تتضاعف المأساة: شخص دخله ينخفض في الوقت الذي ترتفع فيه احتياجاته.

ولهذا فإن قضية المعاشات لا يمكن فصلها عن قضية الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، لأن كرامة المتقاعد لا تُقاس فقط بما يحصل عليه من أموال، بل بقدرته على مواجهة المرض والحياة اليومية.

في العالم المعاش عقد اجتماعي، وفي مصر ما زال معركة دفاع عن البقاء

في كثير من الدول المتقدمة، لا يُنظر إلى المعاش باعتباره مساعدة أو عبئاً على الدولة، بل باعتباره حقاً ناتجاً عن سنوات العمل.

لذلك ترتبط أنظمة التقاعد هناك بآليات لمواجهة التضخم والحفاظ على مستوى معيشة المتقاعد.
كما تهدف هذه الأنظمة إلى تقليل الفجوة بين دخل المواطن قبل التقاعد وما يحصل عليه بعده، حتى لا يتحول الخروج من العمل إلى سقوط اجتماعي.

أما في الاقتصادات التي تعاني من التضخم وضعف الحماية الاجتماعية، فإن المتقاعد يصبح أول ضحايا تآكل القوة الشرائية.

كلمة اخيرة 

أصحاب المعاشات ليسوا عبئاً على الدولة، بل هم ذاكرة مؤسساتها وخبرتها المتراكمة.

المشكلة الحقيقية ليست في تكلفة المعاشات، بل في أن يشعر المواطن الذي خدم أربعين عاماً أن سنوات عمره لم تمنحه الأمان الذي وُعد به.

فالرسالة التي تصل إلى الموظف الحالي عندما يرى زميله بعد التقاعد يكافح من أجل الدواء والطعام ليست رسالة اقتصادية فقط، بل رسالة تمس الثقة في المستقبل.

لأن الدولة التي لا تضمن لمواطنيها حياة كريمة بعد نهاية خدمتهم، لا تخسر فقط أموالاً… بل تخسر المعنى الحقيقي للعقد الاجتماعي.

شارك المقال: