علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

د. فاروق شرف يكتب:  مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (16) درب اللبانة

درب اللبانة، حيث تلتقي القلعة بالفنان، من أعلى الدرب، تتغير الصورة، تقترب منك القلعة، تظهر المآذن، ويبدو مسجد السلطان حسن والرفاعي في المشهد.

مشاركة:
حجم الخط:

 حارة معلقة بين السماء والتاريخ

هناك أماكن في القاهرة لا تدخلها فقط، بل تشعر أنك تصعد إليها.

تصعد درجاتها ببطء، وتترك وراءك ضجيج المدينة شيئًا فشيئًا، حتى تجد نفسك في مكان يبدو وكأنه عُلّق بين الماضي والحاضر.
مكان ضيق المسالك، قديم البيوت، كثير الدرجات.

تتجاور فيه الجدران العتيقة، وتطل من أعلاه مآذن القاهرة وقبابها، بينما تقف قلعة صلاح الدين شامخة فوق سفحه، وكأنها تحرس المكان منذ قرون.

ذلك هو، درب اللبانة

حارة صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة جدًا في ذاكرتها.

للاسم حكاية، لماذا سُمّي درب اللبانة؟

ترتبط تسمية المكان بحرفة بيع الألبان ومنتجاتها، وبأناس عاشوا في هذه المنطقة وارتبط نشاطهم بهذه التجارة، حتى أصبح الاسم جزءًا من ذاكرة المكان وبقي يتردد حتى اليوم.

وهنا تبدو لنا القاهرة القديمة في أجمل صورها، فكم من شارع فيها حمل اسم حرفة، وكم من حارة حملت اسم أسرة.

وكم من مكان بقي اسمه شاهدًا على حياة أناس ربما لم تذكرهم كتب التاريخ، لكن المدينة لم تنسهم.

هكذا أصبح اسم درب اللبانة نفسه وثيقة من وثائق الحياة اليومية للقاهرة.

حارة بين القلعة والمساجد، ولعل أجمل ما في درب اللبانة هو موقعه، فأنت لا تمشي فيه بمعزل عن التاريخ.

إنه يقع في منطقة تتجاور فيها مجموعة من أعظم آثار القاهرة؛ بالقرب من قلعة صلاح الدين، ومسجد السلطان حسن، ومسجد الرفاعي، ومسجد المحمودية، ومسجد قانيباي الرماح وغيرها من الشواهد المعمارية.

لهذا فإن المشي في درب اللبانة يشبه الدخول إلى متحف مفتوح بلا أبواب، لكن الفرق أن القطع هنا ليست خلف زجاج.

بل فوق رأسكن في باب قديم، مشربية، عقد حجري، في نافذة، وفي حجر صمد أمام قرون من الزمن.

بوابة تحرس ذاكرة الدرب

من التفاصيل التي تستحق أن نتوقف أمامها بوابة درب اللبانة، فهي ليست مجرد مدخل لحارة قديمة، وإنما أثر يرجع إلى العصر المملوكي، وتحمل في تكوينها وملامحها جزءًا من شخصية المنطقة وعمارتها.

تخيلوا ذلك، أن تدخل من بوابة اليوم، بينما مر من هذا الموضع أناس عاشوا قبل مئات السنين، تغيرت الملابس، تبدلت اللهجات، واختلفت الحياة، لكن الحجر ظل في مكانه.

وهنا يصبح الباب شاهدًا أكثر منه مدخلًا.

بيتٌ لم يكن مجرد بيت

وإذا كان لدرب اللبانة أن يختار لنفسه بيتًا يحكي جزءًا من شخصيته، فلعل أبرزها بيت علي لبيب، المعروف اليوم باسم بيت المعمار المصري.

هذا البيت من البيوت التاريخية الباقية التي تمثل جانبًا مهمًا من عمارة القاهرة في العصر العثماني، وقد ارتبط لاحقًا بأسماء مهمة في العمارة والفن والثقافة المصرية.

والأجمل أن البيت نفسه يمثل حوارًا معماريًا بين عصور مختلفة، وكأن جدرانه لم تكن تسكنها أسرة واحدة فقط، وإنما سكنت فيها طبقات من التاريخ المصري.

بيت المعمار وذاكرة يحرسها رجل من أهلها

لكن الأماكن العظيمة لا تستمر بعظمتها وحدها،فهي تحتاج دائمًا إلى من يؤمن بها، ويحمل رسالتها، ويعرف أن الحفاظ على التراث ليس مجرد ترميم جدران، وإنما حماية لذاكرة وطن بأكمله.

ومن هنا لا يمكن أن نتحدث عن بيت المعمار المصري دون أن نتوقف بكل تقدير أمام الأستاذ الدكتور عصام صفي الدين، مؤسس بيت المعمار والقائم على رسالته.

إنه من أولئك الذين لم ينظروا إلى العمارة باعتبارها حجارة وأخشابًا وأقواسًا فحسب، وإنما رأوا فيها ذاكرة وطن، وهوية شعب، ومرآة لحضارة امتدت جذورها عميقًا في أرض مصر.

وفي درب اللبانة، وسط هذا النسيج التاريخي الفريد، اختار أن يجعل من بيت المعمار بيتًا للفكر والحوار والمعرفة؛ مكانًا يلتقي فيه المتخصصون والطلاب والمهتمون، وتُفتح فيه النوافذ على أسئلة العمارة المصرية وتراثها ومستقبلها.

المعماري المصري عصام وصفي مدير بيت المعمار المصري
المعماري المصري عصام وصفي مدير بيت المعمار المصري

وما أجمل أن يكون حارس هذا البيت رجلًا يعرف قيمة البيت

يعرف أن المبنى ليس جدرانًا صامتة، وإنما حياة تسكنها الذاكرة.

الدكتور عصام صفي الدين ينتمي إلى مدرسة نادرة من رجال العمارة والثقافة؛ مدرسة ترى أن الحفاظ على التراث لا يعني أن نغلق عليه الأبواب، بل أن نعيد إليه الحياة، ونقرّبه من الإنسان، ونجعل الأجيال الجديدة تراه وتفهمه وتحبه.

لذلك فإن وجوده في بيت المعمار ليس مجرد إدارة لمكان تاريخي، وإنما هو امتداد لرسالة المكان نفسه.

فهذا البيت الذي احتضن أسماء كبيرة من المعماريين والفنانين، يقف اليوم شاهدًا على طبقات متراكمة من تاريخ العمارة المصرية، وجد في الدكتور عصام صفي الدين من يواصل الحوار مع تلك الذاكرة، ويحاول أن يجعلها حاضرة في وجداننا، لا محفوظة في صفحات الكتب فقط.

تحية من القلب إلى أستاذ الأجيال الدكتور عصام صفي الدين

تحية إلى رجل جعل من العمارة رسالة، ومن التراث مسؤولية، ومن بيت قديم في درب اللبانة منارة للمعرفة والجمال.

 فبعض الناس يسكنون البيوت، وبعض الناس يمنحون البيوت حياة جديدة، والدكتور عصام صفي الدين من هؤلاء الذين نرجو أن يظل عطاؤهم ممتدًا؛ لأن مصر تحتاج إلى من لا يرى في تراثها ماضيًا انتهى، وإنما يرى فيه مستقبلًا يمكن أن نبنيه على أساس أصيل.

فالتراث الذي لا يجد من يحبه، يتحول إلى حجر، أما التراث الذي يجد من يعشقه ويحميه ويعلّمه للأجيال… فيبقى حيًا.

درب اللبانة حيث يلتقي الإنسان والحجر فيصنعا التاريخ
درب اللبانة حيث يلتقي الإنسان والحجر فيصنعا التاريخ

درب اللبانة… وبيت الفنانين

ثم جاءت مرحلة أخرى من حياة المكان، فمنذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين اشتهر درب اللبانة بوصفه نوعًا من «مونمارتر القلعة» بعد أن جذب فنانين مصريين وأجانب ومستشرقين، فاتخذ بعضهم بيوته ومرسمه في المنطقة.

من بين الأسماء التي ارتبطت ببيت علي لبيب أسماء فنية ومعمارية بارزة، من بينها رمسيس ويصا واصف، وشادي عبد السلام، وحسن فتحي وغيرهم.

هنا تصبح الحكاية أكثر جمالًا، فالمكان الذي عاش فيه الناس حياتهم اليومية منذ قرون، أصبح في زمن آخر ملاذًا للفنانين.
وكأن الحجارة القديمة كانت تعرف منذ البداية أنها ستجذب أصحاب الحس والجمال.

حسن فتحي… حين أحب المعماري المكان

من أجمل ما ارتبط بالبيت وبالدرب اسم المعماري المصري الكبير حسن فتحي، فقد عاش في بيت علي لبيب حتى وفاته، فأصبح البيت مرتبطًا باسمه عند كثيرين، كما ارتبط المكان بالفكر المعماري الذي كان يؤمن بأن العمارة ليست مجرد جدران وسقف…
بل علاقة بين الإنسان والمكان والبيئة والذاكرة.

ليس غريبًا أن يجد حسن فتحي نفسه في مثل هذا المكان، فدرب اللبانة نفسه يبدو وكأنه درس حي في هذه الفلسفة.

 هنا… العمارة تتكلم

عندما تمشي في الدرب، لا تبحث فقط عن أثر يحمل لوحة تعريفية، ابحث عن الروح المعمارية، لاحظ كيف تتعامل البيوت مع الانحدار، تصعد الدرجات، تتقابل الكتل، كيف تفتح النوافذ أعينها على القاهرة،  وكيف يصبح الحجر جزءًا من الحياة اليومية.

فالعمارة القديمة لا تحتاج إلى أن تتحدث بصوت مرتفع، يكفي أن تنظر إليها، فتسمعها.

درب اللبانة، حيث تلتقي القلعة بالفنان، من أعلى الدرب، تتغير الصورة، تقترب منك القلعة، تظهر المآذن، ويبدو مسجد السلطان حسن والرفاعي في المشهد.

تشعر أن القاهرة التاريخية ليست مجموعة أماكن متفرقة، وإنما نسيج واحد.

هذا ما يجعل درب اللبانة مختلفًا، إنه ليس أثرًا منفردًا، إنه جزء من منظومة حضارية كاملة.

لكن وراء الحجر إنسان، إنه الإنسان الذي عاش بجواره، أهل الحارات القديمة يعرفون قيمة المكان، حتى لو لم يحملوا شهادة في الآثار.
يعرفون هذا البيت، هذا المسجد،  الطريق، السلم، ويحفظون حكايات ربما لم تصل إلى الكتب.

القاهرة التاريخية من أعلى درب اللبانة
القاهرة التاريخية من أعلى درب اللبانة

وهنا تظهر قيمة أهل القاهرة التاريخية.

فالحفاظ على التراث لا يكون بترميم الحجر وحده، الحفاظ على التراث هو الحفاظ على المكان والإنسان والذاكرة معًا.

وحين تصعد درجات درب اللبانة، ربما تتعب قدماك قليلًا، لكن شيئًا آخر يبدأ في الراحة.

القلب، فالمدينة الحديثة تركض، والدرب القديم يمشي.

المدينة الحديثة ترفع أصواتها، والدرب القديم يهمس.
المدينة الحديثة تبحث عن الجديد، أما هنا، فكل حجر يقول لك: توقف قليلًا، فأنا أقدم من استعجالك.

هذه هي روح القاهرة، ربما لهذا أحببنا القاهرة القديمة، لأنها لا تمنحك التاريخ جاهزًا.

إنها تجعلك تبحث عنه، تراه في باب، تسمعه في حكاية، وتلمسه في حجر، تشعر به في مسجد قديم، وتراه في وجه رجل من أهل المكان.

في درب اللبانة تحديدًا تشعر أن الماضي ليس خلفك

الماضي هنا بجوارك، يمشي معك، ويصعد معك الدرج، وينظر معك إلى القلعة.

ثم يتركك عند نهاية الطريق، وكأنه يقول: لا تنسَ أنني كنت هنا.

درب اللبانة ليس مجرد حارة قديمة في القاهرة، إنه صفحة صغيرة في كتاب مصر الكبير، صفحة جمعت الحرفة والأسرة والبيت والفنان والمعماري والمسجد والقلعة.

جعلت من شارع ضيق مساحة واسعة للذاكرة

هكذا تظل القاهرة قادرة على مفاجأتنا، كلما ظننا أننا عرفناها، كشفت لنا دربًا جديدًا.

كلما مشينا في حجرها، وجدنا تحته تاريخًا آخر، وكلما اقتربنا من آثارها، شعرنا أن هناك شيئًا لا تشرحه الكتب وحدها:
روح المكان.

فيا درب اللبانة

ابقَ شاهدًا على القاهرة التي نحبها.

ابقَ كما أنت، ببيوتك القديمة، ودرجاتك، وأبوابك، وحجارتك

لأن في كل حجر منك حكاية إنسان

في كل زاوية منك نَفَسًا من تاريخ مصر.

وفي كل خطوة فوق أرضك، دعوة صامتة إلى أن نحترم ما تركه لنا الأجداد، ونحفظه لمن سيأتي بعدنا.

شارك المقال:

شاركنا برأيك