د. رمضان بلا يكتب: مسرح ماسبيرو متى يبدأ العرض؟ (5)
كان توقف «مسرح ماسبيرو» بعد كل تلك التحضيرات أكثر تعقيدًا من مجرد تأجيل موعد افتتاح.
من داخل بروفات عروض مسرح ماسبيرو
كان مشروع «مسرح ماسبيرو» قد تجاوز مرحلة الفكرة بكثير
لم يعد الحديث عن مجموعة شباب تجتمع حول حلم لإعادة المسرح إلى مبنى التليفزيون، وإنما أصبح أمام مشروع له عروض مختارة، ومخرجون ومؤلفون وممثلون، وبروفات ممتدة، وخطة إنتاج، ومسارح مقترحة، وآلية للبث التليفزيوني.
وفي أبريل 2016 كانت الصورة المنشورة عن المشروع واضحة إلى حد كبير.
المخرج مازن الغرباوي تحدث آنذاك عن اختيار 120 فنانًا للفرقة، من بينهم هواة وطلاب ونقابيون وأعضاء من فرق مسرح الدولة.
كانت الخطة تستهدف تقديم 18 عرضًا خلال ثلاثة مواسم، بواقع ستة عروض في كل موسم. كما أُعلن أن العروض ستُبث عبر 23 قناة، وأن من بين المشاركين الفنان محمود الجندي، إلى جانب أسماء أخرى.
د. رمضان بلال يكتب: مسرح ماسبيرو ثلاثة ملايين جنيه ومئات الأحلام (4)
كانت البروفات قد بدأت بالفعل منذ فبراير.
ستة أعمال اختيرت من بين 35 نصًا، بينها «المليونير»، و«شديد عنتر الدكر»، و«عرعر بند 13»، و«تايتنك 2»، و«حارة درب سعادة»، إلى جانب «حدوتة قبل النوم». لم تكن تلك عناوين على ورق؛ كانت أعمالًا دخلت مرحلة التنفيذ.
ثم ظهر الرقم الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من أهم أرقام الحكاية:
ثلاثة ملايين جنيه.
بحسب ما نشرته «الوطن» في أبريل 2016 نقلاً عن المنتج التنفيذي أيمن حسين، كانت تكلفة المشروع مع النقل التليفزيوني تُقدّر بثلاثة ملايين جنيه، فيما قُدّرت تكلفة العرض الواحد بنحو 400 ألف جنيه، مع الاعتماد على ما هو متاح من موارد التليفزيون، وإجراء البروفات في استوديوهات الإذاعة وصالة البروفات، والاستفادة من عدد من المسارح.
لكن هنا يجب أن نتوقف عند نقطة مهمة.
هذا الرقم كان تقديرًا معلنًا لتكلفة المشروع، وليس دليلًا بذاته على أن ثلاثة ملايين جنيه دُفعت بالفعل أو أن المبلغ صُرف كاملًا. وكذلك فإن رقم الـ400 ألف جنيه كان تقديرًا لتكلفة العرض حتى نهاية أيام عرضه بكل التكاليف.
ستة أشهر من العمل
في يوليو 2016، وبعد توقف المشروع، تحدث المشرف العام علي أبو هميلة في مؤتمر صحفي عن حجم الجهد الذي سبق التوقف.
قال إن فريق العمل أمضى ستة أشهر في بروفات يومية من الثانية عشرة ظهرًا حتى الثانية عشرة ليلًا، وإن الشباب كانوا يعملون من أجل إخراج المشروع إلى النور أكثر مما كانوا ينظرون إلى المقابل الذي سيحصلون عليه.
وأشار إلى أن نحو 400 ممثل شاب كانوا يحلمون بأن يجدوا مكانًا على خشبة المشروع.
وهنا تظهر صورة مختلفة تمامًا عن صورة «مشروع لم يكتمل».
فخلف الأوراق كانت هناك ساعات عمل.
وخلف ساعات العمل كانت هناك وجوه شابة.
وخلف الوجوه كانت هناك نصوص ومخرجون وفرق فنية.

ثم جاءت العقود
وبحسب رواية أبو هميلة في المؤتمر الصحفي، كان الشباب قد وقعوا العقود، وكانت الإجراءات تسير بعلم وموافقة رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون آنذاك عصام الأمير، قبل أن يتغير المشهد الإداري مع تولي صفاء حجازي رئاسة الاتحاد
كما عرض خلال المؤتمر مستندات قال إنها تؤكد الموافقات السابقة على المشروع.
وبذلك انتقلت القضية من سؤال فني إلى سؤال إداري:
إذا كان المشروع قد وصل إلى هذه المرحلة، فما الذي كان ينقصه كي يبدأ؟
القرار الذي أوقف الساعة
في تلك اللحظة كان المشروع ينتظر الموافقة على بدء العروض.
لكن الرد الذي نُقل لاحقًا عن صفاء حجازي كان مختلفًا.
العبارة التي ظهرت في الخطاب كانت:
«تأجيل هذا الموضوع من فضلك لحين تدبير وتوفيق الأوضاع».
بالنسبة للإدارة الجديدة، كان ذلك تأجيلًا إلى حين ترتيب الأوضاع.
أما بالنسبة لفريق المشروع، فقد كان السؤال مختلفًا:
ما المقصود تحديدًا بتوفيق الأوضاع، وما الذي يحتاج إلى إعادة ترتيب بعدما استغرق المشروع كل هذه الأشهر؟

هنا بدأت المسافة بين الطرفين تتسع.
فريق يرى مشروعًا اكتملت عناصره تقريبًا، وإدارة جديدة تريد إعادة النظر في ملف وصل إليها من إدارة سابقة.
وبين الرؤيتين ظل عشرات الفنانين والمخرجين والمؤلفين ينتظرون.
حين يصبح الوقت جزءًا من التكلفة
في المشروعات الفنية، لا تقاس التكلفة بالمال وحده.
هناك تكلفة أخرى لا تظهر بسهولة في دفاتر الحسابات:
وقت الفنان، ساعات البروفات، قيمة الخبرة، المجهود الذي يبذله المخرج، الكاتب الذي يعيد صياغة نصه، والفريق الذي ينتظر موعد العرض.
كان توقف «مسرح ماسبيرو» بعد كل تلك التحضيرات أكثر تعقيدًا من مجرد تأجيل موعد افتتاح.
المخرجون الشباب الذين تحدثوا في مؤتمر يوليو لم يتحدثوا عن المال
تحدثوا عن المجهود.
محمد مبروك، مخرج «تايتنك 2»، تحدث عن العمل اليومي من الظهر حتى منتصف الليل، وقال إنهم لن يقبلوا أن يضيع هذا الجهد.
تحدث مخرجون آخرون عن حالة الإحباط التي أصابت المشاركين بعد توقف المشروع.

في الوقت نفسه، كانت هناك رواية أخرى ظهرت في المؤتمر:
أن مشروعًا آخر يحمل اسم «مسرح النيل» قُدم بأسماء مختلفة.
هذه المعلومة وردت باعتبارها ادعاءً من مسؤولي المشروع الأصليين، وليست حكمًا نهائيًا يثبت ملكية الاسم أو وجود استيلاء على المشروع، ولذلك تبقى بحاجة إلى الوثائق الرسمية حتى تتحول من رواية طرف إلى حقيقة موثقة.
هنا أصبحت القضية أكبر من مجرد عروض مسرحي مؤجلة
لقد أصبح هناك مشروع له اسم، وملف، وموافقات سابقة بحسب مستندات عرضها أصحابه، وفريق يقول إنه عمل شهورًا، وإدارة جديدة تقول إن عليها ترتيب الأوضاع.
أما المال؟ فقد بقي الرقم الكبير معلّقًا في الخلفية
ثلاثة ملايين جنيه كانت هي التكلفة التقديرية المعلنة للمشروع مع النقل التليفزيوني.
لكن أين ذهبت تفاصيل الإنفاق؟
ومن الذي تحمل تكلفة البروفات؟
وما الذي تقرر بشأن العقود التي قيل إنها وُقعت؟
وهل كان التوقف يعني إلغاء المشروع نهائيًا، أم أن الملف كان لا يزال قابلًا لإعادة التفاوض؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها الصحافة وحدها، وإنما تحتاج إلى العقود والمكاتبات والقرارات والبيانات المالية نفسها.
وهنا تبدأ المرحلة الأخطر في الحكاية.
فبعد أن كان الصراع حول إخراج المسرح إلى الجمهور، أصبح الصراع حول هوية المشروع نفسه، ومن يملك حق تقديمه، ومن بدأه، ومن يملك أوراقه.
من هذه النقطة تحديدًا تبدأ الحكاية السادسة: من يملك «مسرح ماسبيرو»؟
شاركنا برأيك