مقالات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: وهم “الجمهورية الجديدة”! (1- 12)

الجمهورية الجديدة تتحدد بطريقة إنتاج القرار، ومن يملكه، ومن يراجعه، وكيف يُحاسَب صاحبه، وما نصيب المجتمع من صياغته، وليس بطريقة تنفيذ القرارات أو وسائلها

مشاركة:
حجم الخط:

يذكرني شعار “الجمهورية الجديدة” المثبَّت أعلى شاشاتنا، والمحفور على صدر صحفنا، منذ عدة سنوات، بنكتة الشاب الذي قال إنَّه يتمنى أن يصبح مليونيراً مثل أبيه!

فقيل له: وهل كان أبوك مليونيراً؟ فقال: لا.. لكنه كان يتمنى أن يكون كذلك!

وفي ظني، فإنَّ حكاية “الجمهورية الجديدة” تشبه قصة ذلك الشاب

ليس لأن هذه الجمهورية قامت ثم فشلت، بل لأنها لم تقم أصلاً بالمعنى الذي يوحي به اسمها، ولأنَّها تعيش على الوعد أكثر مما تعيش على الواقع، وتقتات على “الأمل” الكاذب، والتخيل الخادع، أكثر مما تقوم على أسس حقيقية قائمة وراسخة.

إنَّها جمهورية تستمد أصولها من أقدم صناعة عرفها التاريخ السياسي، وهي “صناعة الوهم”!

ليست المشكلة في أن يحلم نظام سياسي بجمهورية جديدة، فكلُّ دولة تحتاج إلى أفق تتطلع إليه، وكلُّ مجتمع يحتاج إلى وعد بالمستقبل، لكنَّ المشكلة تبدأ حين يُستخدم الاسم بدلاً من المسمّى.

حين يصبح الإعلان عن الوصول بديلاً عن السير في الطريق، وحين تُمنح دولة قديمة لقباً جديداً، ثم يُطلب من الناس أن يتعاملوا مع تغيير الاسم بوصفه تغييراً في الحقيقة.

إنَّ الجمهورية ليست كوبري يُفتتح، ولا مدينة تُبنى، ولا شعاراً يُطبع، ولا تاريخاً يحدده القرار السياسي.

الجمهورية نظام كامل للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والقانون، وبين الحقوق والواجبات.

الجمهورية الجديدة، إن كانت جديدة حقاً، لا بدَّ أن تحمل “عقداً اجتماعياً” جديداً: تعريفاً أوضح لمصدر السلطة وحدودها، وضمانات أقوى لخضوع الحاكم للقانون، ومؤسسات تستطيع أن تقول “لا”، وحكومة تملك سلطة المبادرة والاعتراض.

لا أن يقتصر دورها على تنفيذ ما يُملى عليها، ومجالاً عاماً يسمح للمجتمع بأن يتكلم دون أن يتم معاقبته، وإعلاماً ينقل الحقيقة لا التعليمات.

وتعليماً يصنع مواطناً قادراً على التفكير لا تابعاً مدرّباً على التصديق، واقتصاداً يوزع الفرص والأعباء بعدالة، وإدارة تعتبر المواطن صاحب حق لا صاحب طلب.

بغير ذلك لا نكون أمام جمهورية جديدة، بل أمام الجمهورية نفسها بعد تجديد طلائها؛ مع تحفظنا كذلك على لون الطلاء الكئيب!

وبهذه المعايير، فإنَّ ما جرى في مصر لم يكن انتقالاً من جمهورية إلى أخرى، بل تحديثاً في أدوات الجمهورية القديمة.

تغيّرت الأجهزة، وتسارعت وسائل الاتصال، واتسعت قدرة الدولة على الحضور والمراقبة والتعبئة، لكنَّ القواعد العميقة بقيت على حالها تقريباً:

رئاسة شديدة المركزية، وسلطة تنفيذية تتقدم على بقية السلطات، وتمثيل سياسي ضعيف، ومجال عام ضيق، وإعلام ينظر إلى الناس باعتبارهم جمهوراً مطلوباً حشده لا مواطنين مطلوباً إقناعهم، ودولة تتحدث أكثر مما تستمع.

استُبدل الهاتف الأرضي بالهاتف المحمول، والقطار بالطائرة، والصحيفة الرمادية بالشاشة الملونة؛ لكنَّ تغيير أدوات الحكم لا يعني بالضرورة تغيير عقيدته أو هويته..

ومن هذه الزاوية، كانت جمهوريات عبد الناصر والسادات ومبارك، على التناقض الكبير بين سياساتها وخطاباتها وتحالفاتها، فصولاً مختلفة من كتاب واحد:

انتقلنا من الاشتراكية إلى الانفتاح، ومن موسكو إلى واشنطن، ومن خطاب الثورة إلى خطاب الاستقرار.

لكنَّ البنية الأساسية للعلاقة بين الدولة والمواطن لم تتغير بما يكفي كي نقول إنَّ جمهورية قد ماتت وأخرى قد وُلدت.

فالجمهورية الجديدة تتحدد بطريقة إنتاج القرار، ومن يملكه، ومن يراجعه، وكيف يُحاسَب صاحبه، وما نصيب المجتمع من صياغته، وليس بطريقة تنفيذ القرارات أو وسائلها.

التغيير الحقيقي يكون في تغيير المقررات والمناهج، وليس في السبورة أو نوع الطباشير!

هنا تبدأ “صناعة الوهم” عندما نشير إلى قيام “الجمهورية الجديدة”!

والوهم السياسي ليس بالضرورة كذبة صريحة يقولها شخص يعرف أنها كذبة، إنه قد يكون منظومة كاملة تعيد تسمية الأشياء، وتنتقي من الواقع ما يؤيد الرواية ويؤكد السردية، وتحجب ما يزعجها أو يناقضها، وتكرر العبارة حتى يتحول شيوعها إلى دليل عليها.

وفي العبارة الشهيرة المنسوبة إلى غوستاف لوبون: “من يستطيع إيهام الجماهير يصبح سيداً لها، ومن يحاول إزالة الأوهام عن أعينها يصبح ضحية لها”

والوهم يمنح الناس تفسيراً مريحاً للحاضر، ووعداً مؤجلاً بالمستقبل، ويجعل قسوة الواقع مجرد “تكلفة انتقال” والفشل مجرد “تحديات”، والتأخر مجرد “مرحلة”، وكل اعتراض استعجالاً أو جحوداً أو سوء نية.

ويمكنني القول بضمير مستريح، وباقتناع تام، إنَّ “الجمهورية الجديدة” شعار نظام الحكم المصري في العقد الأخير، هي

“وهم كبير” يقوم على عدة أوهام فرعية وجزئية، حاول النظام السياسي الترويج لها، وغرسها في عقول الناس، حتى وإن لم يكن لها أيّة ظلال من الحقيقة، أو يكون لها أيُّ أثر على الواقع”

ويمكننا القول أيضاً إنَّ أوهام الجمهورية الجديدة هي نفسها أوهام الجمهورية القديمة التي أدَّت إلى نكسة 1967، غير أنَّ الأوهام الجديدة تحمل في طيَّاتها خطراً أشدَّ.

خطر انهيار مقومات الدولة الحديثة ذاتها، وهو ما يجعلنا نكرِّر القول إنَّ النكسة الحالية (نكسة مدبولي) أشدُّ قسوة من نكسة الخديوي إسماعيل (1876)، ومن نكسة الرئيس عبد الناصر (1967)، وأكثر ضرراً منهما على المدى القريب والبعيد.

الرئيس عبد الفتاح السيسي رجل صادق وشريف، ونحن أقرب إلى الاعتقاد في صدق نيته وإخلاصه في أهدافه العامة، وإن كنَّا نختلف بشدِّة مع كثير منها.

في الكلمة التي ألقاها خلال حفل تخرج دفعة جديدة من أكاديمية الشرطة، (8 أكتوبر 2025)، قال الرئيس السيسي:

“عمري ما كنت بحاول أبالغ أو أقول أوهام، ولكن والله ودة قسم عظيم: إحنا ماشيين بشكل كويس قوي”.

وقبلها، وفي 11 أكتوبر 2020، خلال الندوة التثقيفية رقم 32 للقوات المسلحة، قال الرئيس السيسي: “وبالمناسبة، في البداية خالص لما اتكلمت معاكم، هل قلت لكم أوهام؟ قلتلكم إن فيه تحديات.. … أنا مش ببيع الوهم ولا بضحك على الناس…”

وقبلها، وفي 7 نوفمبر 2019، قال الرئيس السيسي في كلمته أثناء احتفالية المولد النبوي الشريف:

“أنا عمري ما كذبت، حتى في السياسة” مشيراً إلى أنَّه دائماً ما يكون صريحاً مع الشعب المصري.

ونحن نصدِّق الرئيس في قسمه، غير أنَّنا لا نصدِّق وسائل الإعلام، ولا نصدِّق كثيراً من المسؤولين، حين يبالغون في الترويج لكثير من الأوهام المتعلقة بالجمهورية الجديدة.

عندما سمعتُ دعوة الرئيس السيسي، أواخر عام 2018، إلى إقامة “جمهورية جديدة”، وإلى الاستعداد للانتقال إليها بحلول يونيو 2020،تواصلتُ مع الصديق الراحل الأستاذ “ياسر رزق”، وقابلتُه بصحبة عدد من الإعلاميين البارزين (منهم الوزير ضياء رشوان!)

وكان السؤال: ما تصور الرئيس السيسي لهذه الجمهورية الجديدة؟

تطوَّع الأستاذ “ياسر رزق” ووعدنا بالسعي للحصول على إجابة تفصيلية شارحة، ورحل بعدها بثلاثة أعوام تقريباً (يناير 2022) دون أن نعرف ماهية هذه الجمهورية أو حدودها من خلال شخص شديد الصلة بمتخذي القرار!

أطال الله عمر “الوزير ضياء رشوان”، وأتمنى أن يكون قادراً على الإجابة (بصفته المفضلة لديه الباحث السياسي) عن مفهوم هذه الجمهورية، وركائزها الأساسية، ودرجة اختلافها عن “الجمهورية القديمة”!

في الأجزاء التالية من هذه السلسلة سنشير إلى عشرة أوهام رئيسة تتعلق بما يسمى “الجمهورية الجديدة”

ويتفرع من كلِّ وهم منها خمسة أوهام جزئية

لتكوّن الأوهام الخمسون في مجموعها الفقاعة الكبرى التي نعيش داخلها.

وليس المقصود بهذه السلسلة من المقالات، بطبيعة الحال، جمع الأخطاء أو اصطياد العبارات.

بل الهدف هو تفكيك السردية الكلية التي أعادت تسمية الواقع دون أن تعيد تأسيسه، وحوّلت الأمنيات إلى حقائق إعلامية.

والمشروعات إلى شهادة ميلاد لجمهورية لم تولد، ولا تبدو شروط ميلادها قائمة في المستقبل القريب!

شارك المقال: