د. أيمن خالد يكتب: أين ينتهي القانون ويبدأ الاشتباك؟
في مضيق هرمز، تتقاسم كل من إيران وسلطنة عُمان الإشراف الجغرافي، لكنهما – قانونًا – لا تملكان سلطة مطلقة على حركة الملاح

مضيق هرمز بين عبور السلاح وحدود الحرب
في الجغرافيا السياسية المعاصرة، لا توجد نقطة أكثر حساسية من تلك التي تختصرها خرائط الطاقة والتجارة في ممر مائي ضيق، يعبره ما يقارب خُمس النفط العالمي يوميًا. مضيق هرمز ليس مجرد معبر بحري، بل هو اختبار دائم لحدود القانون الدولي، وميدان مفتوح للتوتر بين السيادة والالتزام، بين الحق في المرور وهاجس الأمن القومي، وبين النصوص القانونية وطبائع القوة.
وحين تمر في هذا المضيق سفن تجارية محمّلة بالطاقة، إلى جانب قطع بحرية تحمل السلاح والقرار العسكري، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
هل نحن أمام حرية ملاحة… أم أمام ملاحة مسلّحة تلامس حافة الحرب؟
أولًا: الإطار القانوني – المضائق ليست مياهًا سيادية خالصة
أعاد اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS) رسم القواعد الحاكمة للمضائق الدولية، وخاصة في الجزء الثالث منه (المواد 37–44)، حيث أقر نظامًا خاصًا يُعرف بـ:
“العبور العابر” (Transit Passage)
وهو نظام قانوني يمنح السفن – بما فيها الحربية – حق المرور عبر المضائق التي تصل بين بحرين أو منطقتين بحريتين.
وتنص المادة (38) على أن:
“تتمتع جميع السفن والطائرات بحق العبور العابر الذي لا يجوز تعطيله.”
لكن هذا الحق ليس مطلقًا، إذ تُقيّده المادة (39) بواجبات واضحة، أهمها:
• أن يكون العبور مستمرًا وسريعًا
• الامتناع عن التهديد أو استخدام القوة
• احترام قوانين الدولة المشاطئة المتعلقة بالسلامة والبيئة
هنا تتشكل القاعدة المركزية:
المضيق ليس ملكًا خالصًا للدولة، ولا فضاءً حرًا بلا ضوابط، بل نظام قانوني مشترك.
ثانيًا: حدود سيادة الدول المشاطئة – تنظيم لا سيطرة
في مضيق هرمز، تتقاسم كل من إيران وسلطنة عُمان الإشراف الجغرافي، لكنهما – قانونًا – لا تملكان سلطة مطلقة على حركة الملاحة.
فالمادة (42) من الاتفاقية تجيز للدول المشاطئة:
• وضع قوانين تتعلق بسلامة الملاحة
• حماية البيئة البحرية
• تنظيم المرور التقني
لكنها تمنع صراحة:
• تعطيل المرور
• فرض إذن مسبق
• التمييز بين السفن
• فرض رسوم على مجرد العبور
وتؤكد المادة (44):
“لا يجوز للدول المشاطئة للمضائق أن تعرقل العبور العابر.”
بمعنى أوضح:
الدولة المشاطئة تُنظّم… لكنها لا تتحكم.
ثالثًا: عبور السفن الحربية – حق قانوني أم قنبلة مؤجلة؟
واحدة من أكثر النقاط حساسية في القانون الدولي للبحار هي مرور السفن الحربية المحمّلة بالسلاح عبر المضائق.
النص القانوني واضح:
✔ يُسمح للسفن الحربية بالمرور
✔ حتى لو كانت جزءًا من عمليات عسكرية خارج المضيق
لكن بشرط جوهري:
ألا يتحول المرور إلى عمل عدائي داخل المضيق نفسه
أي أن الفرق الحاسم هو بين:
• المرور المسلّح (مشروع)
• والاستخدام العسكري داخل المضيق (غير مشروع)
فإذا أطلقت سفينة سلاحها، أو قامت بمناورة قتالية، أو هددت الدولة المشاطئة، فإنها تخرج من نطاق “العبور العابر” وتدخل في نطاق العمل العدائي المحظور.
وهنا يتحول المضيق من ممر قانوني إلى ساحة اشتباك.
رابعًا: متى تصبح الدولة المشاطئة في موقع المخالفة؟
حين تتذرع الدولة المشاطئة بالأمن القومي لتجاوز حدود القانون، فإنها تقع في خرق واضح.
وتشمل المخالفات:
• إغلاق المضيق
• احتجاز السفن دون سند قانوني
• تهديد الملاحة الدولية
• استخدام المضيق كورقة ضغط سياسي
وقد شهد العالم نماذج متعددة لذلك:
• خلال الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، فيما عُرف بـ”حرب الناقلات”، حيث تعرضت سفن مدنية لهجمات متبادلة
• عمليات احتجاز ناقلات النفط في السنوات الأخيرة، والتي أثارت جدلًا قانونيًا واسعًا
في هذه الحالات، تُفعّل قواعد مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة (مشروع لجنة القانون الدولي 2001)، ويُصبح السلوك قابلًا للمساءلة الدولية.
خامسًا: هل يُغلق المضيق في الحرب؟ بين النص والكارثة
القانون الدولي يميل بوضوح إلى منع إغلاق المضائق الدولية حتى في حالات النزاع المسلح.
والسبب بسيط:
لأن المضائق ليست ممرات إقليمية فقط، بل شرايين للنظام الاقتصادي العالمي.
إغلاق مضيق هرمز لا يعني مجرد قرار سيادي، بل:
• تعطيل 20% من إمدادات الطاقة
• تهديد الأسواق العالمية
• إدخال الاقتصاد الدولي في حالة صدمة
ولهذا فإن أي محاولة للإغلاق قد تُصنّف كـ:
تهديد للسلم والأمن الدوليين وفق ميثاق الأمم المتحدة
وقد تفتح الباب أمام تدخل دولي واسع، سياسيًا أو عسكريًا.
سادسًا: التدخل الدولي – هل تملك أمريكا شرعية المواجهة؟
السؤال الأكثر حساسية:
هل يجوز للولايات المتحدة – أو غيرها – التدخل عسكريًا لضمان حرية الملاحة؟
قانونيًا، لا يملك أي طرف هذا الحق منفردًا، إلا في حالتين:
1. الدفاع الشرعي (المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة)
2. تفويض من مجلس الأمن
لكن الواقع يكشف أن القوى الكبرى – وعلى رأسها الولايات المتحدة – تعتمد على مفاهيم أوسع، مثل:
• حماية “الأمن العالمي للطاقة”
• ضمان “حرية الملاحة الدولية”
• بناء تحالفات بحرية (كما حدث في الخليج)
وهنا يظهر التوتر الكلاسيكي بين:
شرعية القانون… وواقعية القوة
سابعًا: المضائق في التجربة العالمية – هرمز ليس استثناءً
ما يحدث في مضيق هرمز ليس حالة فريدة، بل جزء من نمط عالمي:
• مضيق ملقا (بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة): شريان التجارة الآسيوية
• مضيق البوسفور والدردنيل: يخضعان لاتفاقية مونترو 1936
• مضيق باب المندب: نقطة اختناق استراتيجية بين آسيا وإفريقيا
في كل هذه الحالات، يتكرر السؤال ذاته:
من يملك القرار؟
القانون… أم القوة؟
خاتمة: المضيق كاختبار للنظام الدولي
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل مرآة تعكس طبيعة النظام الدولي.
فإذا احترمت الدول قواعد العبور، بقي المضيق شريانًا للحياة.
وإذا طغت الحسابات العسكرية، تحوّل إلى شرارة أزمة عالمية.
القانون الدولي وضع الإطار، وحدد الحقوق والواجبات، لكنه لم يلغِ الصراع.
بل جعله أكثر انضباطًا… حين تُحترم قواعده، وأكثر خطورة… حين تُنتهك.
وفي لحظة تتقاطع فيها ناقلات النفط مع حاملات الطائرات، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يستطيع القانون أن يحكم المضيق… أم أن المضيق سيعيد تعريف القانون؟






